جديد الموقع

استراتيجيّة جهاد الأمَّة واستراتيجيّة جهاد العِصابة

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمدُ لله وحده، والصَّلاةُ والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          استراتيجية جهاد العِصابة، لا تعرف الثبات، ولا الاستقرار في مكان دون مكان، تعتمد أسلوب الكر والفرّ، ومن ثم التخفي والمواراة .. لا تبالي لو رمت بسهامها في أكثر من اتجاه، وعلى أكثر من جبهة، لا تحسب للعواقب والمآلات حساباً ذا بالٍ إلا فيم يتعلق بسلامة وحركة العِصابة ذاتها.

          استراتيجية جهاد العِصابة هي الخيار الأسهل بالنسبة للمقاتلين والمجاهدين؛ لأنه لا يترتب عليها مسؤوليات ومهام كبيرة يلتزمون بها نحو الشعوب، والمجتمع المسلم ومؤسساته، ونحو قيام دولة راشدة عادلة قوية، لها مؤسساتها ومرافقها، وأهدافها .. وبالتالي فهي ــ أي استراتيجية جهاد العصابة ــ لا تصلح لقيام مشاريع كبيرة ومهمة ــ حتى لو رفعتها كشعار ــ كقيام دولة إسلامية تحكم بما أنزل الله، لها مؤسساتها ومرافقها المدنية والاجتماعية، ولو حاولت ستفشل، كما فشلت في أكثر من موقع في واقعنا المعاصر.
          استراتيجية جهاد العصابة قد تترك آثاراً .. لكنها لا تُزيل عروشاً، ولا تقيم دولاً.
          استراتيجية جهاد العصابة لا تكترث للحاضنة الشعبية كثيراً، فهي لا يهمها من هذه الحاضنة الواسعة والضخمة سوى أن تنتقي لنفسها منها بضعة أفراد، تنطلق بهم نحو أهدافها، وتشتتهم بحسب تشتت سهامها، وعدد جبهاتها!
          وهذا بخلاف ما عليه استراتيجية جهاد الأمة .. فاستراتيجية جهاد الأمة تعتمد على الجهاد بالأمة ضد أعداء الأمة .. الجهاد بالشعوب المسلمة ــ كل الشعوب المسلمة ــ ضد الطغاة الظالمين، وأنظمتهم الفاسدة الفاجرة.
          استراتيجية جهاد الأمة تعتمد على تشكيل الجيوش المسلمة المعلنَة، تستمد عناصرها من مجموع القادرين من الشعوب المسلمة، والمنظمة تنظيماً حديثاً ومتطوراً، لتقوم بمهامها في الذود عن الدين، والديار والحرمات .. لا تعرف أسلوب الكر، والفر، ومن ثم التخفي عن الأنظار!
          استراتيجية جهاد الأمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمطالب وآمال الشعوب وما تصبو إليه .. كقيام دولة راشدة عادلة قوية، لها مؤسساتها ومرافقها المدنية والعسكرية .. وبالتالي فإن هذا البعد معتبر جداً ــ في استراتيجية جهاد الأمة ــ في كل خطوة من خطواتها، وفي كل مرحلة من مراحلها .. تحسب للعواقب والمآلات حساباتها الجيد، والمُحْكَمَة.
          استراتيجية جهاد الأمة لها مسؤولياتها الجسام .. نحو مجموع أبنائها .. ومصالحهم .. وديارهم .. وبلدانهم .. ومقدساتهم .. كما تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والشرعية نحو جميع شعوب العالم .. وبالتالي فهي ــ أي استراتيجية جهاد الأمة ــ من هذا الوجه صعبة جداً تحتاج إلى جهدٍ كبير، وإلى كوادر كبيرة وكثيرة تتضافر عليها مجموع قوى أبناء الأمة.
          استراتيجية جهاد الأمة والشعوب .. معنية بإزالة عروش الطغاة الظالمين، وإقامة دولة العدل والحق .. فمهمتها لا تقتصر على المناوشات أو الهدم وحسب .. ومن ثم بعد ذلك فليكن ما يكون .. من دون الالتفات إلى العنصر الأهم؛ عنصر البناء؛ بناء الدولة العادلة الراشدة القوية.
          استراتيجية جهاد الأمة والشعوب .. قائمة على ترتيب الأولويات في تحديد العدو الأشد خطراً .. ومن ثم دفعه ودفع خطره عن البلاد والعباد .. وهذا قد يستدعي منها نوع تحالف أو تصالح مع فريق دون فريق،لتتفرغ للعدو الأشد شراسة وخطراً .. فهي ــ أي استراتيجية جهاد الأمة ــ لا تنهج سياسة استعداء العالم .. كل العالم .. وتجعلهم جميعاً في مصاف واحد من العداوة .. ومن ثم تخوض معهممجتمعين معركة ــ في وقت واحد ــ تعرف نتائجها المدمرة على دولة الإسلام ومؤسساتها .. وعلى الشعوب المسلمة مسبقاً .. والسنة قد أشارت لشيء من هذا الفقه الهام، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:” ستصالحون الرومَ صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم، فتسلمون وتغنمون ..”، وفي رواية:” ستصالحون الرومَ صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم، فتنتصرون، وتغنمون، وتسلمون …”[صحيح سنن أبي داود]. فهناك عدو من وراء الروم ــ ويُحتمل أن يكون جزءاً منه من وراء المسلمين كما أفادت بذلك الرواية الأخرى ــ شديد الخطر والعداوة لا يمكن الوصول إليه ومن ثم دفعه ودفع شره، إلا بعد نوع تصالح وتنسيق مع نصارى الروم.
          وفي غزوة الخندق، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، في أن يشاطر بعض الأحزاب التي شاركت في تطويق المدينة وحصارها، تمر المدينة، مقابل أن يفكوا ارتباطهم وتحالفهم مع مشركي قريش، وينفضوا عن القتال ومحاصرة المدينة .. وهذا كله من قبيل العمل بالفقه المشار إليه أعلاه.
          فإن قيل: هل يُفهم مما تقدم أعلاه أن استراتيجية جهاد العصابة مرفوضة أو مستهجنة على الاطلاق ..؟
          أقول:لا؛ بل قد تتواجد ــ في مرحلة من المراحل ــ ظروف موضوعية تبرر وجود من يُقاتل على طريقة حرب العصابات، معتمداً استراتيجية جهاد العِصابة .. وقد تواجد في التاريخ الإسلامي شيء من ذلك كما في جهاد الصحابي الجليل أبي بصير ومن معه، لما اضطرتهم الظروف الناجمة عن صلح الحديبية أن يشكلوا بأنفسهم جبهة مستقلة، ومتنقلة، تعتمد أسلوب الكر والفر، بعيداً عن دولة الإسلام والتزاماتها، المتمثلة في المدينة المنورة، والتي كانت تمثل استراتيجية جهاد الأمة.
          لكن ما إن تزول تلك الظروف الموضوعية التي أفرزت تلك المجموعة التي تقاتل على طريقة استراتيجية جهاد العصابة .. إلا ويتعين على تلك المجموعة أن تنخرط وتدخل في المشروع الأضخم والأشمل؛ مشروع استراتيجية جهاد الأمة والشعوب، وهذا الذي حصل مع الصحابي أبي بصير رضي الله عنه ومن معه؛ فما أن زالت تلك الظروف الموضوعية التي أفرزتهم، وأبعدتهم عن استراتيجية جهاد الأمة، إلا وسرعان ما انضموا إلى الجسد الأكبر للأمة، ليجاهدوا معها جهادها الأكبر، وفق استراتيجيتها.
          استراتيجية جهاد العصابة .. حالة استثائية طارئة، توجدها ظروف موضوعية معينة .. فإذا ما زالت تلك الظروف .. ووجدت استراتيجية جهاد الأمة والشعوب .. بطلت استراتيجية جهاد العصابة .. ودخلت وجوباً في الاستراتيجية العامة لجهاد الأمة .. فإن لم تفعل؛ فحينئذٍ قد تفسد أكثر مما تُصلِح؛ إذ لا يمكن أن تُفعَّل في زمان واحد، ومكان واحد .. استراتيجية جهاد الأمة، واستراتيجية جهاد العِصابة معاً!
          لا يجوز أن تكون استراتيجية جهاد الأمة تبعاً لاستراتيجية جهاد العصابة .. أو أن تفرض العِصابة على الأمة استراتيجيتها في الجهاد، والعمل، والحركة والتغيير .. فمثل من يفعل ذلك كمثل من يُلزم الرجل الكبير بأن يرتدي ثياب الطفل الصغير .. وأنَّى!
          عندما تنهض الأمة للجهاد والتغيير .. يجب على من يجاهد على طريقة استراتيجية جهاد العِصابة .. أن يتنحى عن الطريق .. وأن يعطي الفرصة كاملة للأمة والشعوب أن تمضي في طريقها نحو أهدافها، وإلى نهايته .. من دون أن يُحدث أي حدثٍ .. حتى لا يفسد على جهاد الأمة خطتها، واستراتيجيتها، وطريقتها في العمل والتغيير.
          الطغاة الظالمون .. في كثير من الأحيان لا يستطيعون مواجهة استراتيجية جهاد الأمة والشعوب .. ولكي يفسدوا على الأمة خطتها في الجهاد والتغيير .. يستفذون ويستجرون الذين يُقاتلون على طريقة استراتيجية جهاد العصابة إلى الساحات والميادين .. ليثيروا معهم المعارك الجانبية .. ويضربوهم .. ويضربوا معهم جهاد الأمة والشعوب .. وتكون ذريعتهم في ضرب استراتيجية جهاد الأمة والشعوب .. أنهم أرادوا ضرب ومحاربة من يُقاتل ويُجاهد على طريقة استراتيجية جهاد وحرب العصابات .. أرادوا قتال الإرهابيين ” والعصابات الإرهابية “، وليس الشعوب.. وهم بهذا الزعم الكاذب عساهم يستعطفون دول العالم لتقف بجوارهم، في حربهم ضد الشعوب الثائرة الراغبة في التغيير!
          لذا إن لم يتنبه من يُجاهد على طريقة استراتيجية جهاد العصابة لهذا الجانب .. وأبى إلا أن يُزاحم ويشارك استراتيجية جهاد الأمة والشعوب في العمل والجهاد والتغيير .. على طريقته، وفق استراتيجيته .. فهو من جهة يضر أكثر مما ينفع .. ومن جهة أخرى يقدم خدمة كبيرة لطغاة الحكم المجرمين الظالمين من حيث لا يدري!
          لا ينبغي ولا يليق لمن يُجاهد على طريقة استراتيجية جهاد العِصابة .. أن يُطالب الأمة والشعوب بالجهاد والنهوض للتغيير .. ثم إن فعلت الأمة، ونهضت للجهاد والتغيير وفق استراتيجيتها .. زاحمها في العمل .. وأحدث الأحداث التي تفسد عليها خطتها واستراتيجيتها في الجهاد والعمل والتغيير .. وألزمها باستراتيجيته .. وطريقته في العمل .. فإن لم تفعل .. ولن تقدر على أن تفعل .. أساء بها الظنون .. ورمى بفشله على الأمة والشعوب .. والحق أن ما أصابه .. وأصاب الأمة بسببه، هو من عند نفسه!
          أرجو أن تكون كلماتي واضحة الدلالة والمعاني .. وأن تجد من يلقي السمع وهو شهيد .. وأن لا تُحمَّل من الأفهام السَّقيمة ما لا تحتمل، [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ]هود:88.
عبد المنعم مصطفى حليمة
أبو بصير الطرطوسي
15/5/1434 هــ. 27/3/2013 م.
         

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*