جديد الموقع

حتى يكونَ التمثيلُ عادلاً وشامِلاً ” مَقالة في السِّياسَةِ الشَّرعيَّة “

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          الفقه الذي يُقال عندما تكون البلاد ومن فيها ملكاً للفرد الطاغية .. يتخذها لنفسه كما يتخذ المرء مزرعة من البقر والغنم لنفسه .. يتحكم بخيراتها وثرواتها، وبالداخل إليها والخارج منها .. كيفما يشاء ويهوى .. وفيم يخدم قانونه وحكمه .. يختلف عن الفقه الذي يُقال عندما تعود البلاد لأهلها .. الجميع شركاء في سرائها وضرائها .. وثرواتها!

          الفقه الذي يُقال في أجواء الحرب، والاستبداد والإرهاب الذي يمارسه الطاغية ضد شعبه .. حتى يصبح الشعب، وكأنه في سجنين: سجن خاص لمن يعترض .. وسجن عام لمن يسكت .. وهو الوطن .. جميع مساحة الوطن … الفقه الذي يُقال في هذه الأجواء يختلف عن الفقه الذي يُقال في أجواء السلم .. والسلام .. والأمن والأمان.
          الفقه الذي يُقال في أجواء الكبت والاستعباد، والخوف والتّقية .. يختلف عن الفقه الذي يُقال في أجواء الحرية .. والتحرر من الخوف .. والعبودية للطواغيت.
          الفقه الذي يُقال في الأجواء التي يستحيل فيها تحصيل الحقوق، وصون الحرمات .. إلا بعد نوع حرب وقتال .. يختلف عن الفقه الذي يُقال في الأجواء التي يمكن فيها تحصيل الحقوق .. عن طريق الكلمة .. والحوار .. والرفق.
          الفقه الذي يُقال في الأجواء التي تستطيع فيها أن تنجز شيئاً حقيقياً لأمتك وإسلامك .. وأهلك .. يختلف عن الفقه الذي يُقَال في الأجواء التي تكون فيها مجرد حجر على رقعة يحركها الطاغوت ومخابراته، وأزلامه كيفما يشاؤون، وفي الاتجاه الذي يريدون!
          الفقه الذي يُقال في الأجواء التي يُصادر فيها خطابك الشرعي للناس .. وتُجرَّم لأجله .. ويُحال بينك وبين الناس بقائمة من الإجراءات التعسفية الظالمة .. يختلف عن الفقه الذي يُقال في الأجواء التي تختفي فيها الحواجز والموانع .. والإجراءات التعسفية الظالمة .. التي تحيل بين دعوتك وبين الناس!
          إذ لكل من الحالتين فقهها وحكمها والطريقة التي تناسبها في التعامل .. المختلفة عن الأخرى .. فلا يخلط بينهما .. ويُساوي بينهما في الحكم والموقف والمعاملة .. إلا ظالم أو جاهل!
          وبالتالي لا حديث هنا عن التراجع والمراجعات .. عندما نعطي كل ميدانٍ حكمه وحقه .. المختلف عن الميدان الآخر .. إذ أن من الناس وللأسف، ممن يفسرون الأشياء كلها ـ على ما بينها من تنوع واختلاف ـ تفسيراً واحداً .. ويتعاملون معها بطريقة واحدة .. وينظرون للأمور من زاوية واحدة وحسب .. يعتبرون كل خروج على تفسيرهم .. وطريقة تعاملهم .. هو من النكوص والتراجع .. بينما الأمر على حقيقته ليس شيئاً من ذلك .. وإنما هي النوازل .. التي تحتاج إلى مواجهة وترجّل .. ونوع فقه واجتهاد.
          لا يمكن أن نستمر في الهروب إلى عدّ الممنوعات والمحظورات عن الناس .. من دون أن ندلهم على البديل .. ويكون هذا البديل ممكناً ومشروعاً، وواقعياً!
          سهل أن نقول للناس هذا لا يجوز .. وهذا ممنوع .. ثم ندعهم في منتصف الطريق يتخبطون .. ويختلفون .. ويتخاصمون .. ويتفرقون في أحزاب وشيعٍ شتّى .. لكن الصعب .. الذي يحتاج إلى علمٍ .. واجتهاد .. وفقه .. وتقوى .. هو أن تدلهم على البديل الممكن .. والمشروع .. الذي يحفظ لهم سلامة دينهم ودنياهم معاً.
          فإن عُلِم هذا الذي تقدم، أقول: قد وردني هذا السؤال .. من أطراف عدة .. تنتمي إلى البلاد التي عاشت تجربة الثورات على الطغاة وأنظمتهم الظالمة الفاسدة المستبدة، خلاصته يقول: كنا قبل الثورة .. نشعر بأن البلاد ليست بلادنا .. وإنما هي ملك للطاغية وحزبه وأسرته .. قاتلَنا فقاتلناه .. وأعلن علينا الحرب .. واستحل حرماتنا .. فأعلنا عليه الحرب والجهاد .. ودافعنا عن أنفسنا وديننا وحرماتنا .. إلى أن فتح الله بيننا وبينه بالحق .. وانتصرت الثورة .. وعادت البلاد إلى أهلها وأصحابها .. وما كان مستحيلاً في عهد الطاغية .. أصبح الآن ممكناً عن طريق الكلمة .. وبشيء من الرفق .. والحكمة .. والسياسة .. والكياسة يمكن إنجاز وتحقيق الشيء الكثير للبلاد والعباد … فماذا نفعل .. وبماذا تنصحنا .. فهل نبقى على طريقتنا الأولى في المعاملة كما كنا قبل سقوط الطاغية ونظامه .. أم ينبغي أن تتغير طريقتنا في التعامل مع الناس والمجتمع .. بما يتناسب مع المستجدات، والمساحات الحرة والواسعة .. التي تحققت ما بعد الثورات؟
          هذا سؤال وجيه .. وملح .. يُطارد العلماء والدعاة العاملين .. لا يمكن أن نتهرب من الإجابة عنه إجابة شرعية واقعية وعملية .. بإصدار قائمة من الممنوعات والمحظورات ـ ثم نغطي رؤوسنا في التراب ـ من دون أن نرشد الناس إلى البدائل الممكنة والمشروعة .. فالإسراع في اللجوء إلى قائمة الممنوعات والمحظورات فنٌّ الكل يتقنه .. يسهل امتطاؤه على كل أحدٍ .. ليس فيه شيء جديد فيم يخص النوازل التي تتعرض لها الأمة!
كذلك لا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال الكبير على طريقة أهل التفريط والجفاء .. كل شيء يجوز وحلال .. فلا تكاد تجد عندهم شيء اسمه حلال وحرام .. وإنما حلال وحلال .. أيضاً هذا لا يجوز .. ولا يحل المشكلة .. وإنما يزيدها تعقيداً!
إذاً لا بد من التفصيل ……!
وأنا من جهتي أستعين بالله وأجتهد وسعي .. وأدلي بدلوي .. فإن أصبت فمن الله تعالى وحده .. وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله .. وعزائي أنني اجتهدت .. وما أردت إلا خيراً .. سائلاً الله تعالى السداد والتوفيق.
وكم كنت أتمنى أن أتدارس هذه المسائل والنوازل المستجدة الهامة .. مع بعض الإخوان الأفاضل من أهل العلم .. ليكون لنا فيها رأي واحد مشترك .. لنمنع الخلاف والقيل والقال فيم بين الشباب .. عملاً بقوله تعالى:[ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ]الشورى:38. لكن سجون الطغاة وزنازينهم، ومخابراتهم .. وحواجزهم .. قد حالت بيني وبين رغبتي هذه .. الله المستعان.
أختصر الجواب عن السؤال الوارد أعلاه في النقاط التالية: 
1- اعلموا أن لساحات الحرب وميادينها .. أحكامها وفقهها .. ولساحات السلم، والسلام .. والأمن والأمان .. أحكامها وفقهها .. ولا يخلط بين الساحتين .. ومن ثم بين الفقهين إلا جاهل أو ظالم.
          2- ما يمكن إنجازه وتحصيله من الحقوق والمصالح الدينية والدنيوية عن طريق الكلمة .. والحوار .. والرفق .. لا يجوز حينئذٍ العمل على تحصيله عن طريق القتال، والعنف والشدة .. فإن الله تعالى رفيق يحب الرفق، ويجازي عليه ما لا يجازي على العنف والشدة .. والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيءٍ إلا شانه.
          3- كما أنك لا يجوز أن تتخلى عن بيتك .. ولا تعمل على تدميره .. لوجود نوع خراب فيه .. يمكن إصلاحه بقليل من الجهد .. كذلك البلاد عندما تعود لأهلها .. تعود لأصحابها .. تعود للشعوب .. لتصبح هي المسؤولة عنها بدلاً من فرد الطاغية .. لا يحسن بك حينئذٍ أن تتخلى عنها .. أو تعمل على تدميرها وخرابها .. لوجود نوع خلل فيها .. أو تقصيرٍ .. أو شرٍّ هنا وهناك .. يمكن علاجه وإصلاحه بشيء من الصبر، والرفق، والسياسة الشرعية .. وبخاصة في المراحل الأولى التي تعقب الثورات؛ حيث أن الشعوب تكون حديثة عهدٍ بالطواغيت وأنظمتهم الفاسدة المستبدة .. فكل شيء جديد عليهم .. يحتاجون منك أن تتعامل معهم بمزيد رفق .. ودراية .. وفقه .. وإقالة للعثرات ما أمكن لذلك سبيلاً.
          ليس لأدنى خللٍ أو تقصيرٍ تراه .. أو لمجرد تصريح ـ عبر وسائل الإعلام ـ تسمعه من منافق متسلق .. تُصاب بالاحباط .. وتحكم على الثورات بالفشل والموت .. والضياع .. وتعلن الإفلاس .. والهروب من مواجهة الواقع ومستحقاته .. لتواجهه فيم بعد بلغة القوة والسلاح .. فتفسد أكثر مما تُصلِح!
          4- اعلموا أن شعوبنا محبة للإسلام .. محبة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .. بقليل من الجهد والاجتهاد .. والدعوة الصادقة المخلصة .. والغيرة على مصالحهم .. تعود ـ بإذن الله ـ إلى دينها ورشدها .. ويتطهرون من ذنوبهم التي ورثوها واكتسبوها من الطغاة الظالمين المفسدين .. وحملوهم عليها حملاً بفعل مكر الليل والنهار الذي كانوا يمكرونه .. وبالتالي ليس من الحكمة .. أن تصنعوا من الشعوب أعداءً لكم .. أو أن تفتعلوا معهم معارك أنتم بغنى عنها .. ما ألزمكم بها نقل ولا عقل.
          عندما يكون هناك نوع خلاف مع شرائح من الناس والشعوب .. يختلف حينئذٍ الحديث .. وتختلف المعاملة والأساليب .. مما لو كان الخلاف مع الطغاة الآثمين المجرمين المستبدين .. إذ لكلٍّ منهما الطريقة المثلى والمختلفة في التعامل معه .. فهما لا يستويان مثلاً .. وبالتالي لا ينبغي أن يستويا في النظرة والمعاملة .. لا بد من أن يكون هذا واضحاً.
          الإسلام جاء بتحطيم الطواغيت الظالمين .. وتحطيم أنظمتهم وحواجزهم التي تحيل بينه وبين الناس .. فإن خلي بينه وبين الناس .. وزالت الحواجز .. وتحطمت عروش الطواغيت الظالمين وأنظمتهم .. اختلفت المعاملة .. واختلفت الطريقة .. ووضعت الحرب أوزارها .. وقيل للناس:[ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ]البقرة:256. وقِيل لهم:[ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ]يونس:108.
          5- اعلموا أن التوحيد خط أحمر، لا يجوز الاقتراب منه بما يُناقِضه .. كما لا يجوز أن يخضع ـ عند التزاحم واستحالة التوفيق ـ لقاعدة الترجيح والمفاضلة بينه وبين ما سواه .. ثم التماس أكبر المصلحتين .. واجتناب أكبر المفسدتين .. لأن تحقيق التوحيد الخالص أكبر المصالح على الاطلاق .. الذي لا توازيه ولا تفضله مصلحة .. فهو غاية الغايات .. التي ترخص في سبيله كل الغايات والمقاصد، والوسائل .. كما أن ما يُضاده من الشرك الأكبر هو أكبر المفاسد على الاطلاق، الذي لا توازيه ولا تعلوه مفسدة، كما قال تعالى:[ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ]لقمان:13. وقال تعالى:[ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ]النساء:48. وقال تعالى:[ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ]الحج:31.[[1] ].
          وما سوى ذلك ـ عند التزاحم واستحالة التوفيق أو تمرير الجميع ـ فإنه يخضع لقاعدة النظر في المصالح والمفاسد .. ومن ثم الترجيح بين المصالح، والمفاسد؛ فنقدم أكبر المصلحتين على ما دونها، وندفع أكبر المفسدتين أو الضررين بأصغرهما، وفق قواعد وترجيحات الشريعة.
          6- وعليه فإني أقول: جميع المناصب والمراكز الإدارية التنفيذية العملية .. الخدماتية .. والتربوية .. قابلة للنظر والموازنة بين مصالح القيام بها، ومفاسد تركها واعتزالها .. فإن وجد الصالح والطالح .. وكان الصالح قادراً على تمرير الخير وتعطيل الشر .. وليس مجرد كرسي موظف من قبل الطاغوت .. فيُقدَّم حينئذٍ الصالح على الطالح .. بما في ذلك منصب رئاسة الدولة إذا وجد الرجل الصالح الكفؤ القوي .. فهو منصب إداري تنفيذي توجيهي هام وحساس جداً .. يملك صاحبه كثير من الخصائص والحقوق .. لا يمتلكها غيره .. تمكنه ـ إن كان صالحاً ـ من تمرير كثير من الخير .. لا يمكن لغيره أن يمرره .. كما يمكنه تعطيل كثير من الشر، لا يمكن لغيره أن يعطله .. فلو ترك هذا المنصب الهام والحساس للمفسدين الأشرار .. لمرروا كثيراً من الشر .. وعطلوا كثيراً من الخير .. مستغلين ما يمنحهم المنصب من صلاحيات وخصائص، لا تُمنح لغيرهم.
          لأجل ذلك ـ ولشهادة العدول من العلماء والدعاة في الرجل خيراً ـ نصحت أهلنا وإخواننا في مصر بأن يقفوا بجوار الأخ الأستاذ ” حازم صلاح أبو اسماعيل “، في ترشحه لرئاسة مصر .. وأن ينصروه بما يلزم ويمكنه من تسلم واستعلاء هذا المنصب الحسَّاس والهام .. وأن يقفوا بجواره ناصحين وناصرين .. وبخاصة أن البديل عنه ـ كما هو معلن ومعلوم ـ تجتمع فيه كثير من خصال الشر والباطل .. التي تجر الويلات والفساد، والخراب على مصر وأهلها!
          عندما تكون البلاد .. وكذلك العباد .. حديثو عهد بحكم الطاغوت الهالِك الذي استمر حكمه لعقودٍ عدة .. ينبغي أن لا تتوقعوا سهولة انتقال الأوضاع إلى حكم راشد عادل كامل يخلو من النواقص .. والهفوات .. والثغرات .. في أيامٍ معدودات .. ومن دون مواجهة مشاكل وعقبات جسام .. فمن كان يتوقع ذلك فهو واهم، لا يعيش واقعه .. ولا يفقه السنن .. لكن هذا الواقع لا يبرر لنا الهروب والانسحاب .. والعكوف في زوايا المساجد .. ليقتصر عملنا على الوعظ والتربية .. وترك الساحة ليفسد المتنفذون الحاكمون في ساعة ما نبنيه ونربيه في سنة!
          ليس من الفقه ولا الحكمة .. ولا السياسة الشرعية، أن نقوم نحن بالثورات .. وتكون منا التضحيات .. ثم بعد ذلك نقول للأشرار: تفضلوا اقطفوا الثمار .. وقودوا السفينة .. واحكمونا والبلاد كيفما شئتم .. وبالقانون الذي تشاؤون .. فلن يزاحمكم أحد على ذلك!
          فإن قيل: هذا في المهام والمناصب التنفيذية الإدارية .. فما بال المناصب التشريعية النيابية .. كيف نتركها ـ على أهميتها ـ للأشرار؟!
          أقول: لا يمكن أن نمارس نحن الربوبية على الناس؛ فنحلل لهم الحرام، ونحرم عليهم الحلال .. كما لا يمكن أن نسمح أو نقبل من الآخرين أن يمارسوا الربوبية علينا وعلى الناس .. فيحلون لنا وللناس الحرام، فنتبعهم ونطيعهم في ذلك .. ويحرمون علينا الحلال، فنتبعهم ونطيعهم في ذلك؛ لأن هذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد .. وقد بينا من قبل أن التوحيد لا يمكن الاقتراب منه بمايُسيئه أو يُنافيه مهما كانت المصالح من وراء ذلك .. كما أن فيه تعبيد العبيد للعبيد .. وهو يتنافى كلياً مع شعار الحرية الذي ترفعه الشعوب!
قال تعالى عن الأمم التي قبلنا من اليهود والنصارى:) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ (التوبة:31. وذلك لما جعلوا لهم خاصية التشريع والتحليل والتحريم من دون الله، فاتبعوهم وأطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله .. فذلك كان اتخاذهم إياهم أرباباً من دون الله.
وقال تعالى:[ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ]آل عمران:64. هكذا ينبغي أن يكون خطابنا مع أنفسنا ومع الآخرين:[ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ ]، لا يتخذ بعضنا بعضاً مشرعين، نشرّع ونحلل ونحرم من عند أنفسنا ما نهوى وما نريد، من دون سلطان من الله .. إذ خاصية التشريع والتحليل والتحريم هي لله تعالى وحده، كما قال تعالى:[ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ]الكهف:26. وقال تعالى:[ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ]يوسف:40. وقال تعالى:[ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ]المائدة:50.
وقال تعالى:[ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ]يونس:59. أي أن التحليل والتحريم هو حق خالص لله تعالى وحده .. لا يجوز لأحدٍ أن يتجرأ على شيء من ذلك من غير إذنٍ من الله .. [قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ ]؛ أي كيف تتجرأون على التحليل والتحريم من عند أنفسكم .. من أذن لكم .. من أعطاكم هذا الحق .. وصاحب هذا الحق لم يأذن لكم ..؟!
وقال تعالى:[ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ]الأنعام:121. أي وإن أطعتموهم في تحليل ما حرَّم الله فإنكم مشركون .. مشركون في اتخاذكم إياهم مشرعين لكم يحللون ويحرمون لكم من دون الله .. ومشركون في طاعتهم في تحليل ما حرم الله .. وفي ذلك رد صريح لحكم الله تعالى، والله تعالى يقول:[ وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ]الرعد:41. وقال تعالى:[ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ]النساء:65.
فإن قيل: ما العمل، وما هو البديل .. إذ أيضاً ليس من الدين والإيمان .. ولا من السياسة الشرعية .. أن نسلم هذا الأمر الهام للمجرمين الآثمين، لينفردوا به من دون الصالحين ..؟!
أقول: لا بد من تعبئة الأمة والشعوب وحملها على المطالبة بتحكيم شرع الله تعالى .. واعتماد جميع الوسائل الممكنة والمشروعة من أجل تحقيق ذلك.
لا بد للشعوب المسلمة من أن تعمل جاهدة .. تخرج بمظاهرات مليونية .. واعتصامات دائمة .. كما تفعل ذلك لأمورٍ هي أقل أهمية من موضوعنا هذا .. تُطالب فيها بتثبيت مادة سيادية في الدستور، غير قابلة للتغيير، تقول:” الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع “. فإن أصروا على صيغة:” الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع “، على اعتبار أن هناك قوانين إدارية وتنظيمية تركت لاجتهاد الإنسان وتقديراته .. تُردَف هذه المادة مباشرة بمادة أخرى تقيدها، تقول:” وأيما قانون يتعارض مع شرع الله تعالى فهو رد “.
الشعوب القادرة ـ بإذن الله وعونه وتوفيقه ـ على إسقاط الطغاة وأنظمتهم وعروشهم .. قادرة على تمرير وتثبيت قانون ينص على أن الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع.
نجد كثيراً من الشعوب في تجاربهم النيابية والسياسية .. يتفقون فيم بينهم على مواد أساسية سيادية في الدستور غير قابلة للتغير، هي أقل قيمة بكثير من مادة الشريعة المشار إليها أعلاه .. فعلام يقدرون على تثبيت تلك المواد على قلة أهميتها في الدستور .. على أنها مواد سيادية ثابتة .. ثم شعوبنا المسلمة .. بعشرات .. ومئات ملايينها .. لا تستطيع أن تثبت مادة سيادة حاكمية الشريعة .. كما هو وارد أعلاه.
لا بد من العمل بكل طاقاتنا .. وعبر جميع الوسائل الممكنة والمشروعة .. من أجل تحقيق هذا الهدف، والمطلب النبيل العظيم.
الثورة تنقسم إلى جولتين: جولة يتم فيها إسقاط الطاغوت، ونظامه، وفساده وظلمه .. وجولة ثانية تليها مباشرة يتم فيها إحقاق الحق، وإقامة العدل بتحكيم شريعة رب العالمين .. في شؤون البلاد والعباد .. والثوار الذين ينجحون في الجولة الأولى، لا بد ـ بإذن الله إن وجدت العزيمة الصادقة ـ من أن ينجحوا في الجولة الثانية .. وبخاصة أن مطلب الشريعة .. هو مطلب الأكثرية العظمى من الشعوب التي تعيش في بلاد العرب والمسلمين.
أن تنجح الشعوب في الجولة الأولى دون الجولة الثانية .. هذا يعني أن ثورتها ليست ثورة كاملة، وإنما هي نصف ثورة .. ومصالح البلاد والعباد لا تقوم بأنصاف الثورات .. ويعني كذلك أن النصف الأول من الثورة الذي حققوه قد استثمر لصالح المنافقين، والظالمين المفسدين الذين لا يريدون خير الشعوب .. الذين [ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ]النساء:61.
فإن قيل: ما قيمة هذا القانون أو المادة إذا نُص عليه في دستور الدولة ..؟
أقول: هذا يعني الكثير .. يعني تحكيم شرع الله .. يعني تحقيق التوحيد في الحكم .. ويعني انتفاء الأرباب الذين يزعمون الربوبية لأنفسهم من دون الله .. والذين يفرضون أنفسهم على البلاد والعباد كأرباب ومشرعين من دون الله!
يعني أن الجميع يعمل ويتحرك ويجتهد تحت سقف الشريعة .. وفيما لا يخالف الشريعة!
يعني أن جميع النواب يكون عملهم حينئذٍ بين الاقتباس من أحكام الشريعة .. أو الاجتهاد في النوازل على ضوء أحكام الشريعة، وفيم لا يُخالف الشريعة ..!
يعني انتفاء الحرج والمحظور من وراء العمل النيابي .. وحينئذٍ الشعب كله يمكنه المشاركة في الانتخابات .. وفي فرز من يمثله من النواب الصالحين .. إلى المجالس النيابية .. أو مجالس الشعب .. أو الشورى .. أو المجلس التأسيسي .. فحينئذٍ لا مشكلة ولا مشاحة حول شيء من هذه الاصطلاحات.
كما يمكن حينئذٍ كل من يرى في نفسه الكفاءة أن يُرشح نفسه للعمل النيابي .. ما دام الجميع يعمل تحت سقف الشريعة، ومنضبط بأحكام وقوانين الشريعة.
لا بد لهذا الأمر أن يتحقق ابتداءً لتكون مشاركة الشعب شاملة وعادلة .. ويكون التمثيل شاملاً وعادلاً .. إذ من دون تثبيت هذه المادة ـ المشار إليها أعلاه ـ في الدستور .. يعني إحجام كثير من الناس عن المشاركة في أي انتخابات أو عملية تمثيل .. للسبب الآنف الذكر .. وبالتالي لا يمكن حينئذٍ عن الحديث عن عدالة التمثيل .. وشمولية التمثيل للشعوب!
كما لا يمكن ـ لمن يتحدثون عن إرادة الشعوب ـ أن يتجاهلوا .. رغبة وإرادة الأكثرية العظمى من الشعوب .. ثم بعد ذلك يزعمون زوراً أن أنظمتهم وقوانينهم تمثل الشعب وإرادة الشعب!
فإن قيل: ولكن هذه ديمقراطية .. ويعني الدخول في الديمقراطية .. وهو بخلاف المنهج الحق الذي تربينا عليه وندعو له؟!
أقول: لا تُقحموا الديمقراطية في كل موضع .. وفي كل نازلة وشاردة وواردة .. وتجعلوا منها الشماعة التي تمنعنا من المضي نحو أهدافنا ومشاريعنا بيسر وسهولة بإذن الله.
من الناس ـ لغرضٍ وهوى في نفوسهم ـ ما إن تجتهد في نازلة من النوازل .. ومستجد من المستجدات تطرأ على الأمة .. إلا ويتصايحوا في كل وادٍ ونادٍ .. انظروا إلى فلان .. قد غير وبدل وانقلب إلى الديمقراطية .. يدعو إلى الديمقراطية .. قد دخل في الديمقراطية .. بعد أن كان قد حذر منها!
ولهؤلاء نقول: على رسلكم .. لا تفرحوا .. ولا تشمتوا .. ففرحكم وشمتكم سيرتد عليكم بالكآبة والنكد والندامة بإذن الله .. فنحن ـ بفضل الله تعالى وحده ـ لم نغير .. ولم نبدل قيد أنملة .. ونحن لا نزال على العهد وعلى منهجنا الحق الذي عُرفنا به منذ أن وعينا الحياة .. نسأل الله تعالى الثبات، وحسن الختام.
لقد تكلمت ـ في مؤلفاتي وأبحاثي ـ مراراً وتكراراً عن الديمقراطية ومعانيها، ودلالاتها ومحاذيرها .. وكان لي ـ بفضل الله تعالى ـ السبق في التحذير منها ومن مزالقها .. وأعيد هنا فأختصر الحديث عن الديمقراطية .. لنتعرف على مواقفنا وأفعالنا واجتهاداتنا أين هي من مزالق الديمقراطية .. وأين هي من الحق .. من دين الله تعالى.
الديمقراطية تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالديمقراطية كعقيدة، ودين، وفلسفة .. تنص على أن الإنسان فوق الله .. وأن حكمه وإرادته فوق حكم وإرادة الله .. وأن الإنسان هو إله نفسه .. يتأله هواه .. وهو الإله المعبود في الأرض .. يحكم نفسه بنفسه .. ويشرع لنفسه بنفسه .. فما يراه حلالاً فهو الحلال، وما يراه حراماً فهو الحرام .. لا سلطان لله عليه .. له كامل الحق في أن يتصرف في نفسه، وماله .. كيفما يشاء .. وفي الاتجاه الذي يشاء .. لا يُسأل عما يفعل .. ولا ينبغي أن يُسأل، لأنه المالك الحقيقي لنفسه وماله من دون الله .. إلا فيم يحظره عليه القانون الوضعي الطاغوتي!
هذا الجانب العقدي الفلسفي من الديمقراطية ـ وهو الجانب الأهم والأساس منها ـ هو كفر بواح مخرج عن الملة .. ومن يقول بالديمقراطية ويدعو إليها بهذا المعنى الوارد أعلاه .. فهو كافر خارج من ملة الإسلام .. مهما تزيَّ بزي المسلمين .. وتسمى بأسمائهم .. فالإسلام والديمقراطية بمعناها الوارد أعلاه لا يلتقيان .. ولا تتراءى نارهما.
وأمريكا ومعها دول الغرب .. تريد تصدير هذا الجانب من الديمقراطية إلى المسلمين في بلادهم لسببين: أولهما أنه يطال المسلمين في عقيدتهم ودينهم .. ويردهم عن دينهم .. لو استقر هذا الاعتقاد في قلوبهم .. كما قال تعالى:[ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ]البقرة:217. وقال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ]آل عمران:100. فالحذر الحذر، عباد الله.
ثانيهما: أن هذا الجانب العقدي الفلسفي الأهم للديمقراطية .. لو استقر في عقول وقلوب وحياة وواقع المسلمين وممارساتهم .. لا يُشكل أي ضرر أو تحدٍّ لهم ـ أي لأمريكا ودول الغرب ـ من قبل المسلمين .. بل على العكس من ذلك فهو يزيد المسلمين ضعفاً وذلاً وهواناً .. كما يزيدهم تبعية لأمريكا ودول الغرب!
أما القسم الثاني من الديمقراطية: فهو القسم الذي يتعلق ببعض آلياتها ووسائلها في الحكم .. كالانتخابات .. والتصويت .. وتداول السلطة .. وحرية التعبير والنقد .. وتفعيل رقابة الشعوب والأمة على الحكام .. ونحو ذلك .. وهذه الآليات رغم أنها تمارس بطريقة خاطئة من قبل الديمقراطيين والأنظمة الديمقراطية .. تُسجّل عليها كثير من الملاحظات والمآخذ[[2]] .. إلا أن من يتعامل مع الديمقراطية على هذا الأساس .. أو يأخذ من الديمقراطية هذا الجانب وحسب .. ويفهمها ويمارسها على هذا الأساس وحسب .. فهذا ليس كافراً، ولا يجوز أن يُحمل عليه حكم الكفر الوارد أعلاه .. لكونه قد مارس بعض ما يدخل في آليات ووسائل الديمقراطية .. كما لا ينبغي أن يُقال عنه بأنه ديمقراطي .. وداخل في الديمقراطية .. هكذا على الاطلاق .. بل من كان كذلك قد يصيب في مواضع، ويُخطئ في مواضع أخرى .. بحسب طريقة استخدامه لتلك الآليات والوسائل .. فيثنى عليه خيراً فيما قد أصاب فيه، ويُثنى عليه شراً فيم قد أخطأ فيه، كما في الحديث:” فاشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء “. بحسب ما يظهر لنا من كلٍّ منهما.
الانتخابات ليست هي الديمقراطية .. والوقوف في الطوابير للتصويت ليس هو الديمقراطية .. ومراقبة الشعوب للحكام ومن ثم محاسبتهم على ما فرطوا بحق البلاد والعباد ليس هي الديمقراطية ـ كما يظن ذلك البعض! ـ وإنما هي ممارسة لآلية من الآليات التي تعتمدها الديمقراطية، لها ما لها، وعليها ما عليها!
بل هذه الآليات ليست حكراً على الديمقراطية، والأنظمة الديمقراطية .. فهي مستخدمة في الأنظمة الديكتاتورية، كما هي مستخدمة في الأنظمة الديمقراطية .. كل منهما يستخدمها ويتلاعب بها بما يتناسب مع نظامه وطبيعته .. ومآربه .. وسياساته .. وأغراضه .. لذا في كثيرٍ من الأحيان لا تكون هذه الآليات معبرة تعبيراً صادقاً عن رغبة وإرادة الشعوب .. كما أنها لا تلبي حاجته بطريقة عادلة وكما ينبغي .. وهذا من جملة ما يُؤخذ على هذه الآليات عندما تُستخدم من قبل هذا الفريق أو ذاك! 
وأمريكا ومعها دول الغرب .. تتحفظ كثيراً من توريد هذا الجانب من الديمقراطية إلى بلاد المسلمين .. وتتوجس منه ريبة .. خوفاً من أن يفرز لهم حُكماً ونظاماً هم لا يريدونه .. وقادةً .. هم لا يريدونهم .. ولا يحققون لهم مصالحهم في المنطقة .. وبالتالي فهم إن عارضوهم وحاربوهم .. فسيظهرون على أنهم يحاربون ديمقراطيتهم التي يتشبعون بها .. ويعملون على تصديرها .. ويحاربون إرادة واختيار الشعوب .. وإن تركوهم وما يريدون .. ويختارونه .. خسروا مصالحهم في المنطقة .. لذا فهم في كثير من الأحيان ـ حتى لا يحصل شيء من ذلك ـ يتدخلون عبر وسائلهم العديدة والنافذة .. في ترجيح فوز فريق أو حزب يريدونه على حساب فريق أو حزب آخر لا يريدونه .. مما يُسيء لفاعلية وجودة ومصداقية تلك الوسائل المشار إليها أعلاه!
كما أنهم من الناحية العملية المصلحية .. أن يتعاملوا مع شخص الطاغية الديكتاتوري المستبد كفرد .. أهون عليهم، وأوفر لهم حظاً ألف مرة من أن يتعاملوا مع الشعوب بطريقة فيها ندية ومساواة ومكافأة .. ومكاشفة ومحاسبة .. فإن عرفت ذلك .. عرفت السبب الذي يحملهم ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ على دعم الأنظمة الديكتاتورية المستبدة .. مع مناداتهم بالديمقراطية في آنٍ واحد!
فإن قيل: هل هذه الوسائل أو الآليات التي تعتمدها الديمقراطية ـ وغير الديمقراطية ـ والوارد ذكرها أعلاه .. هي كلها مذمومة في الإسلام .. أم أن هناك جانب منها ممدوح .. يمكن اعتماده وتطويره بما لا يتعارض مع مبادئ الحكم في الإسلام؟
أقول: هذه الآليات ـ وغيرها مما يحسن من الآليات والوسائل ـ أصولها موجودة في الإسلام .. لكن بسبب غياب الحكم الإسلامي .. وغياب التجارب المعاصرة للحكم الإسلامي .. ومحاربة التوجه الإسلامي السياسي من قبل الطغاة والأعداء .. وذلك منذ أكثر من مائة عام ـ بعد سقوط الخلافة العثمانية ـ أصاب الفقه الإسلامي ذي العلاقة بالسياسة الشرعية .. وطريقة حكم وإدارة البلاد نوع ضمور وقصور .. حتى ظننا أننا نفتقد الآليات الأنجع في حكم وإدارة البلاد والعباد .. وأن رصيدنا الإسلامي ضعيف في هذا المجال .. وهذا خطأ كبير لا ينبغي أن نقع فيه.
نعود للسؤال الوارد أعلاه فنجيب عنه بإذن الله، فأقول: مبدأ الانتخاب والتصويت .. ومراعاة رأي الأكثرية فيم لا نص فيه .. له أصوله في ديننا الحنيف .. فخلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه حصلت بعد نوع انتخاب وتصويت .. فيم بين الصحابة الستة الذين حددهم عمر رضي الله عنه .. إضافة إلى عبد الله بن عمر كعنصر مرجح من دون أن يكون له الحق في الترشح للخلافة .. ومما أوصى به عمر رضي الله عنه الصحابة ـ وهو وينازع على فراش الموت ـ:” فمن تأمّر منكم من غير مشورةٍ من المسلمين فاضربوا عنقه “!
فحصلت تصفية فيم بين الصحابة الست .. فبعضهم تنازل لصالح عثمان، وبعضهم الآخر تنازل لصالح علي رضي الله عنهما .. حتى آل الأمر إلى عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما .. فقام عبد الرحمن بن عوف ـ الذي فوض الأمر إليه في اختيار واحد منهما ـ يلتمس آراء ورغبة أهل وسكان المدينة فيمن يريدون؛ هل يريدون علي بن أبي طالب، أم عثمان بن عفان .. فكان الناس يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن يُشاورونه ويُناجونه، فلا يخلو به رجلٌ ذو رأي فيعدلُ بعثمانَ أحداً، ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة، حمد الله وأثنى عليه، وقال في كلامه:” إني رأيت الناسَ يأبون إلا عثمان “. وفي رواية:” أما بعد، يا علي، فإنّي نظرتُ في الناسِ فلم أرهم يعدلون بعثمانَ، فلا تجلعنَّ على نفسك سبيلاً، ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله، وسنة الخليفتين بعدَه، فبايعه عبد الرحمن بن عوف، وبايعه المهاجرون والأنصار[[3]].
فهذه صورة من صور الحكم التي تدل على أن التصويت .. والانتخاب .. والتماس رغبة وإرادة الناس فيمن يريدون من الحكام .. لها أصولها في ديننا وتاريخنا الإسلامي .. فهي ليست بدعة من القول، وليس هي من المحدثات كما يظن البعض .. حتى إذا ماذكرت لهم شيئاً عن الانتخابات والتصويت .. لسرعان ما رموك بأنك ديمقراطي .. وداخل في الديمقراطية!!
كذلك العمل بمبدأ الشورى العظيم .. الذي جاء به الإسلام، وحض عليه في نصوص كثيرة .. فمن آلياتها التصويت .. والتماس رأي الأكثرية أو الأغلبية .. فيم ليس فيه نص، أو فيما لا يُخالف نصاً.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، ولا تصعد إلى السماء، ولا تجاوز رؤوسهم: رجلٌ أمَّ قوماً وهم له كارهون ..”. وفي روايةٍ:” أيما رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون، لم تجزْ صلاته أُذنيه “. فإذا كانت الصلاة أهم ركنٍ في الإسلام بعد شهادة التوحيد .. ينبغي أن يُراعى في إمام الجماعة رغبة ورضى الناس .. فما بالكم بما هو دون ذلك من شؤون الحكم والسياسة، والإدارة .. لا شكَّ أن مراعاة والتماس رغبة ومرضاة الناس من باب أولى.
وقال صلى الله عليه وسلم:” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم، ويُصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ..” مسلم. فدل حديث النبي صلى الله عليه وسلم على أن من العلامات التي يُفرَّق فيها بين خيار أئمة الحكم من شرارهم .. هو بالنظر إلى مدى رضى الناس عن أولئك الأئمة، وحبهم لهم .. أو سخطهم وبغضهم لهم .. وبالتالي فإن التماس الحكام لمرضاة وحب الناس لهم، بخدمتهم، وحسن رعايتهم ـ فيم يرضي الله ـ مطلب من مطالب الشريعة .. وهو من السياسة الشرعية .. قبل أن يكون آلية من آليات ووسائل الديمقراطية أو غيرها .. وبالتالي فإن فكرة فرض الحاكم على الناس بالقوة والإكراه ـ كما يظن البعض! ـ هي ليست من الإسلام في شيء .. والإسلام منها براء!
ـ مبدأ رقابة الشعوب للحكام ومحاسبتهم ومساءلتهم: أيضاً هذا المبدأ لم تنفرد به الديمقراطية ـ كما يظن البعض! ـ بل الإسلام هو السبّاق له .. وقد جاء به بأحلى وأرقى صوره .. وقد سبق الديمقراطيات وغيرها من الشعارات الوضعية ـ في هذا الشأن ـ سبقاً بعيداً.
قال تعالى:[ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ]التوبة:71. [ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ]؛ كل المعروف؛ المعروف المتعلق بالحاكم والمحكوم سواء، [ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ]؛ كل المنكر؛ المنكر المتعلق بالحاكم والمحكوم سواء .. وهذا يستدعي نوع مراقبة يقظة للشؤون العامة والخاصة سواء .. من المؤمنين والمؤمنات؛ كل المؤمنين والمؤمنات.
وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” الدينُ النصيحة ” قلنا: لمن؟ قال:” لله، ولكتابِه، ولرسولِه ، ولأئمة المسلمين، وعامتهم ” مسلم.       
وقال صلى الله عليه وسلم:” ثلاثٌ لا يغلُ عليهنَّ قلبُ المؤمن: إخلاصُ العملِ لله، والنَّصيحةُ لولاة الأمر ..“[[4]]. والنصيحة للأئمة وولاة الأمر .. تتضمن العدل في الأمر، والنهي .. وإرادة الخير لهم .. وأطرهم إلى الحق .. ومنعهم عن الظلم .. وهذا لا يتحقق إلا بعد حسن مراقبة ومتابعة من الأمة كلها .. كل بحسبه، وموقعه. 
كذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ “[[5]].
وفي رواية:” أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر “.
وفي رواية:” إنَّ من أعظمِ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائرٍ “[[6]].
وفي رواية” أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ؛ كلمةُ حقٍّ تُقال لإمامٍ جائرٍ “[[7]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” سيدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إِمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتلَهُ “[[8]].
فأعطى النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمقام رقابة الشعوب لسلاطين الجور، ومحاسبتهم، ومساءلتهم، والصدع بالحق في وجوههم .. درجة أفضل الجهاد .. وأحب الجهاد .. وأعظم الجهاد .. وأنه شهيد، مع سيد الشهداء في الجنة .. لمن يُقتل على يد الظالمين بسبب موقفه هذا ..!   
وقال صلى الله عليه وسلم:” سيكونُ أُمراءُ من بعدي؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهدَهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدَهم بقلبه فهو مؤمِن، لا إيمانَ بعدَه “[[9]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” اسمعوا، هل سمعتهم أنه سيكون بعدي أمراءٌ فمن دخلَ عليهم فصدَّقَهم بكذبِهم، وأعانهم على ظُلمِهم فليسَ مني ولستُ منه، وليس بواردٍ عليَّ الحوض، ومن لم يَدخُلْ عليهم ولم يُعِنْهُم على ظلمِهم ولم يُصدقهم بكذِبهم فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ عليَّ الحوض“[[10]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” ألا إنَّها ستكون بعدي أُمراء يظلمون ويَكذبون، فمن صدَّقَهُم بكذبهم، ومالأهم[[11]] على ظُلمِهم، فليس مني، ولا أنا منه، ومن لم يُصدِّقهم بكذبِهِم، ولم يُمالئهم على ظُلمِهم، فهو مني وأنا منه “[[12]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” إن النَّاس إذا رأَوا الظالمَ فلم يأخذوا على يدَيْهِ أوشَكَ أن يَعُمَّهم اللهُ بعقابٍ “[[13]]. وغيرها عشرات الأحاديث النبوية التي تعزز لدى الأمة والشعوب عنصر الرقابة، والمحاسبة للحكام والأمراء.
ولمَّا وُلي أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة، قام خطيباً بين الناس، فكان مما قال:” أيُّها الناس، فإنّي قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركُم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوموني .. أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولَه، فإن عصيتُ اللهَ ورسولَه فلا طاعة لي عليكم “. أبو بكرٍ الصديق ـ رضي الله عنه ـ وهو .. هو .. [ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ]، يُطالب الناس، بأن يُراقبوه، ويُتابعوه .. وسيرته في الحكم .. فإن أساء أن يُقوموه .. وإن عصى اللهَ ورسولَه ـ حاشاه ـ أن لا يُطيعوه .. فأي معنى لمراقبة الأمة والشعوب لحكامها .. يوازي هذا المعنى العظيم .. الذي أشار إليه الصّدِّيق .. وحَضَّ عليه الناس!
أما الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. صاحب شعار ومبدأ ” من أين لك هذا؟! ـ فحدث عنه ولا حرَج … جاءت عمر برود من اليمن، ففرقها على الناس بُرداً بُرداً، ثم صعد المنبر يخطب وعليه حلّة منها (أي بردان) فقال: اسمعوا رحمكم الله. فقام إليه سلمان، فقال: والله لا نسمع، والله لا نسمع. فقال: ولم يا أبا عبد الله؟ فقال: يا عمر! تفضلت علينا بالدنيا، فرّقت علينا برداً برداً، وخرجت تخطب في حلّة منها؟ فقال: أين عبد الله بن عمر؟ فقال: ها أنذا يا أمير المؤمنين! قال: لمن أحد هذين البردين اللذين عليّ؟ قال: لي. فقال لسلمان: عجلت عليّ يا أبا عبد الله، إني كنت غسلت ثوبي الخلق، فاستعرت ثوب عبد الله. قال: أما الآن فقُلْ، نسمع ونطع[[14]].
انظروا في التاريخ كله؛ القديم والحديث منه سواء .. وفي جميع الأنظمة السياسية الديمقراطية وغيرها .. هل تجدون نموذجاً يجسد مراقبة الشعوب ومحاسبتهم لحكامهم يرقى إلى مستوى هذا النموذج أعلاه .. ثم انظروا هل تجدون حاكماً يُصغي لآحاد رعيته .. وهو في خطاب له على الملأ .. يحاسبه ويُسائله .. ويقول له: لا سمع ولا طاعة لك من أجل ثوب .. لماذا عليك بُردين .. بينما لكل واحدٍ من رعيتك برد واحد ..؟!
لذلك لما قلت آنفاً أن الإسلام كان له السبق في تقرير مبدأ مراقبة الشعوب ومحاسبتهم لحكامهم .. إذا ما بدر منهم أي تقصير .. فأنا أعني ما أقول .. والأمة الإسلامية إذا أرادت أن تنهض من كبوتها .. وتستأنف عزتها من جديد .. ودورها الريادي في قيادة الأمم والشعوب .. لا بد من أن تحيى في الشعوب من جديد روح المراقبة والمحاسبة، والمساءلة للحكام إذا ما بدر منهم أي تفريط .. لا بد من أن نعزز في الشعوب دورهم ـ الذي شرعه الله لهم ـ في مراقبة الحكام، ومساءلتهم،  ومحاسبتهم!
لا يمكن أن نحظى بحكام يحكمون بالعدل، والحق .. ثم الشعوب عنهم ـ وعن سيرتهم في الحكم ـ ساهية لاهية.
إن سهو الشعوب عن مراقبة حكامهم ومساءلتهم، يجعل من الحكام طغاة متكبرين ومتجبرين
وإن لم يكونوا في الأساس كذلك[[15]].
ـ مسألة التداول على السلطة: بمعنى تحديد فترة زمنية معينة لحكم الحاكم .. يتم بعدها ترشيح حاكم آخر من قبل الأمة .. أقول: هذه المسألة من النوازل التي تقبل الاجتهاد والنظر، وأن يكون لعلماء الأمة فيها رأي .. وتوجيه المسألة من جهتي كالتالي:
1- يستمر حكم المهدي عليه السلام حين ظهوره، وكذلك عيسى عليه السلام حين نزوله .. طيلة حياتهما لورود النص في ذلك.
2- يستمر حكم الخليفة العام للمسلمين ـ المنتخب عن طريق الشورى واختيار المسلمين ـ في جميع أقطارهم وبلدانهم في حال قيام خلافة راشدة ـ بإذن الله ـ طيلة حياته قياساً على حكم الخلفاء الأوائل للأمة، ما لم يخل بشرط من شروط الحكم والاستخلاف .. مع وجود آلية عملية وقانونية ـ يتفق عليها علماء الأمة ومن معهم من أهل الحل والعقد ـ تسهّل عملية إقالته في حال أخل بشروط بقائه كحاكم وخليفة .. أو كان في إقالته مصلحة راجحة على بقائه .. من دون إراقة دماء .. ولا صدام مسلح بين الحاكم وسلطاته وبين الشعب .. فنضمن بهذه القيود استقرار الخلافة، واستتباب حكمها ودوامه .. كما نضمن إقالة الخليفة بصورة حضارية ميسرة من دون أدنى إراقة للدماء أو صدام مسلح في حال أخلّ بشرط من شروط بقائه كحاكمٍ وخليفة. 
3- حاكم ولاية أو قطر من الأقطار ـ سواء كان هذا القطر مستقلاً أو تابعاً لدولة الخلافة ـ فهذا لا أرى مانعاً من تحديد فترة زمنية معينة لحكمه .. تقدر بخمس سنوات تزيد أو تنقص .. قابلة للتمديد لو اختاره الشعب ثانية .. فهذا أدوم للود بين الحاكم والمحكوم .. كما أنه أقطع لخلق الطغيان والاستبداد من أن يتسلل للحاكم .. وبخاصة أننا نعيش في الزمان الذي فُقدت فيه الأمانة .. وفشا فيه الكذب .. وضعفت فيه الثقة بالناس .. حتى يُقال في بني فلان .. في قبيلة كذا وكذا .. رجل أمين واحد شدوا إليه الرحال .. وبالتالي لا يصح عقلاً ولا نقلاً أن يُقاس زماننا بكل جزئياته ومتطلباته .. على زمن النبوة الأعظم والأشرف والأطهر .. أو زمن الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بالاقتداء بهم، وبسنتهم.
فليس كل ما يُقال في زمانٍ الصدق، والأمانة، والوفاء فيه هو الأصل .. وما سواه فهو شاذ واستثناء .. يُمكن أن يُقال في زمانٍ الكذب، والغدر، والخيانة، وضياع الأمانة فيه هو الأصل .. وما سواه فهو شاذ واستثناء!
آتوني برجل يرقى إلى كعب أبي بكر، وعمر .. لنقول له: احكمنا الدهر كله .. فلا ضير عليك .. ولكن أنَّى لنا بهذا؟!
قال صلى الله عليه وسلم:” يُصبِح الناسُ يتبايعون، فلا يكادُ أحدهم يؤدي الأمانة، فيُقال: إنَّ في بني فلانٍ رجلاً أميناً، حتى يُقال للرجل: ما أعقَلَه، وما أظرفَه، وما أجلَده، وما في قلبه مثقالَ حبة خردلٍ من إيمان ” متفق عليه.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة “[[16]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” أول ما يُرفَع من الناس الأمانة .. “[[17]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” خير النَّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجلُ ولا يُستَشهَد، ويحلف الرجُل ولا يُستَحْلَف “[[18]]. وقد أصابنا نحن في زماننا من ذلك الشيء الكثير .. الله المستعان!
مع التأكيد على وضع آلية قانونية ممكنة وسهلة ـ يُتفق عليها بين أهل الحل والعقد ـ تمكن من إقالة الحاكم، واستبداله بحاكم آخر، لو أخل بشرط من شروط بقائه كحاكم طيلة الفترة المحددة له .. أو كان في إقالته مصلحة راجحة على بقائه.
4- ونحو ذلك رئاسة المحافظات .. ورئاسة البلديات .. ونحوها من المناصب الإدارية والخدماتية العامة .. لا مانع شرعاً من أن يتم فرز هؤلاء الرؤساء عن طريق الانتخاب والتصويت .. ورغبة الناس .. كما أنه لا مانع من تحديد فترة زمنية معينة لبقائهم في مراكزهم .. يُستبدلون بعدها بغيرهم .. لو أراد الناس ذلك .. بل لربما يكون هذا هو الأصوب، والأنفع، والأدوم للود بين الحاكم والمحكوم .. وهو مطلب من مطالب السياسة الشريعة لا يمكن إغفاله.
لا بد من تفعيل مبدأ الشورى في حياة الناس .. ووضع الآليات السهلة التي تفعل الشورى في حياة الناس العامة منها والخاصة .. وفي جميع جزئيات حياتهم .. حتى تصبح الشورى ثقافة الجميع، ومظهراً حضارياً واضحاً من مظاهر حياة وسلوك الناس .. عملاً بقوله تعالى:[ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ]الشورى:38. وقوله تعالى:[ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ]آل عمران:159. 
ـ مبدأ حرية التعبير والصدع بالحق: الإسلام كان له السبق في تقرير هذا المبدأ العظيم، ووضعه في مساره النافع الصحيح .. فحمل أتباعه على التحرر من مطلق الخوف من الطغاة الظالمين، وجندهم، وعلى أن يقولوا الحق أينما كانوا، لا يخشون في الله لومة لائم، فقال تعالى:[ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ]التوبة:13. وقال تعالى:[ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ]آل عمران:175.
وفي الحديث، عن عبادة بن الصامت، قال:” بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لا يمنعنَّ رجلاً  هيبةُ الناسِ أنْ يقولَ بحقٍّ إذا عَلِمَهُ؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجلٍ ولا يُبعدُ من رِزْقٍ “[[19]].
وقد عدّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، من أنواع الجهاد، الجهاد باللسان، كما في الحديث:” إنّ المؤمن يجاهد بسيفه، ولسانه “[[20]]. بل عده أفضل الجهاد، كما في الحديث:” أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ “[[21]].
وكما أن الإسلام حض أتباعه على الصدع بالحق، حذرهم من عواقب كتمان الحق والعلم والخير، وعدم الصدع به، فقال تعالى:[ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ]البقرة:174. 
       وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:” من سُئِلَ عن عِلمٍ يَعلَمُه فكَتَمَهُ، أُلِجمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار “[[22]].
       وقال صلى الله عليه وسلم:” أيُّما رجلٍ آتاهُ اللهُ عِلماً فكتمَهُ، ألجمَهُ اللهُ يومَ القيامَةِ بلجامٍ من نار “[[23]].      
       وقال صلى الله عليه وسلم:” مثَلُ الذي يتعلّمُ العِلمَ ثم لا يُحدِّثُ به، كمثلِ الذي يَكنزُ الكنزَ ثم لا يُنفِقُ منه “[[24]].
       وهذا لا يعني أن يُطلَق العَنان ـ تحت زعم ومسمى الحرية والديمقراطية كما يفهم ذلك بعض الشواذ والملحدين المجرمين ـ للسان ليقول الكفر البواح .. أو يشتم الله والأنبياء والرسل .. أو يقذف الأعراض، ويسب الأمهات والآباء بأقبح الألفاظ وأشنعها .. لا .. وألف لا .. فهذا الشر كله قد منع منه الإسلام .. وحذر من عواقبه .. وعاقب عليه .. وهو لا يدخل في الحرية التي يدعو إليها، ويُلزم بها الناس .. لأنها ليست حرية حقة شريفة .. وإنما هي شذوذ ومرض، وأذى وشر.
       إن من الشواذ والمرضى .. تركوا المساحة الأوسع والأرحب لحرية التعبير .. المعنية بالعلم، والبناء .. وبكل خير، وما هو نافع للبشرية جمعاء .. وعكفوا على القبيح الممنوع منه .. كالطعن والاستهزاء بالله، وآياته، وبأنبيائه، ورسله .. فلم يجدوا أنفسهم .. ولا حريتهم .. ولا شخصياتهم المريضة المعقدة .. إلا في هذا المستنقع الآسن النجس الخبيث .. وهؤلاء لا حرية لهم في المجتمع المسلم، ولا في دولة الإسلام .. لا حرية للمعاول عندما تريد أن تعمل عملها التخريبي في خرق السفينة لتغرقها ومن فيها من الناس!
فإن قيل: ولكن هذه الآليات التي أشرت إليها أعلاه .. لا تُمارَس، ولا تُطبق ـ في ظل الأنظمة المعاصرة ـ كما هي في الإسلام، وكما ضبطها الإسلام؟
أقول: هذا صحيح .. وفي بياني أعلاه حول هذه الآليات أردت أربعة أمور: أولها أن أبين أن هذه الآليات لها أصولها في ديننا الحنيف .. فهي ليست من البدع ولا المحدثات .. بل الإسلام كان له السبق في بيانها .. وبصورتها الأكمل والأحسن كما سبق بيان ذلك.
ثانيها: ليس لأدنى تشابه أو تلاقٍ في وسيلة أو آلية من الآليات بين الإسلام وبين الأنظمة والمذاهب السياسية الوضعية المعاصرة .. ومن ثم الإشارة لهذا التشابه .. يعني أننا ندعو لهذه المذاهب الوضعية .. أو أننا قد دخلنا فيها ـ معاذ الله ـ كما يفهم البعض .. ويُشيع البعض الآخر!
ثالثها: كون هذه الآليات غير مطبقة جيداً كما هي في الإسلام .. هذا يستدعي منا أن نعمل على تطبيقها كما هي في الإسلام .. وأن نسعى من أجل ذلك .. وأن نهون على الناس فعل ذلك .. وشرح ذلك يطول، ولكن أضرب مثالاً هنا للبيان لا على سبيل الحصر: من المآخذ التي تُؤخذ على نظام الانتخابات المعاصرة، وكما هي تمارس في الأنظمة الديمقراطية .. أنها لا تميز بين أشد الناس إجراماً وإفساداً في الأرض، وبين الصالحين المصلحين .. فتساوي بينهما في التصويت .. وتقرير من يحكم البلاد والعباد .. وهي بذلك تعطي فرصة للأشرار المفسدين بأن يتسللوا ويحكموا البلاد والعباد .. لو غلبت أصوات الفجار الأشرار .. أصوات الصالحين الأخيار .. ونحن لكي نقلل من هذا الخطر .. وهذه الصورة السلبية للانتخابات .. يمكننا مثلاً أن نعتمد قانوناً ينص على أن كل من يُطعَن في عدالته من خلال ارتكابه لجناية من الجنايات، وكبيرة من الكبائر .. وبعد حكم قضائي عادل .. تمنع من قبول شهادته شرعاً .. يُمنع من التصويت .. ومن الترشُّح والترشيح .. وبذلك نكون قد قللنا من خطر وأثر المجرمين المفسدين على هكذا قرار حساس يمس أمن وسلامة الأوطان!
خلاصة القول: أن هذه الوسائل بصورتها المطبقة في كثير من الأنظمة المعاصرة .. ليست مقدسة .. ولا هي من المسلمات التي لا تقبل النقاش ولا التعديل .. وبالتالي فإني أطالب جميع الأخيار من الساسة والمصلحين .. بأن يعملوا جادين مجتهدين .. على تطوير هذه الوسائل والآليات وتنقيحها حتى ترقى إلى المستوى المطلوب شرعاً وعقلاً .. وبصورة تخدم البلاد والعباد على الوجه الأكمل والأحسن.
رابعها: إمكانية التعامل مع هذه الآليات بصورتها الحالية .. والعمل على إصلاحها من الداخل .. ومن خلال ممارساتنا العملية .. وليست النظرية وحسب.
نتعامل معها لأن لها أصول في ديننا أولاً كما ذكرت .. ولأن هذا هو الممكن والموجود الآن .. فنستغل الممكن لتحقيق غير الممكن .. والزحف على المساحات المتعسرة، والتقليل منها .. ننطلق من الميسور لتحقيق المعسور .. وإزالة جميع معوقاته .. حتى يُصبح المعسور ميسوراً بإذن الله.
فالميسور لا يسقط بالمعسور .. وما يمكن إنجازه لا يسقط بما يتعسر إنجازه .. واعلموا أن مدار الأمور والتكاليف كلها على قدر الاستطاعة .. لقوله تعالى:[ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ]التغابن:16. ولقوله تعالى:[ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ]البقرة:286.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم “، والحمد لله رب العالمين.
ـ تنبيه: الوسائل والآليات، والنظم الإدارية والتنظيمية التي لا نص على حرمتها .. الأصل فيها الإباحة .. وللمسلمين أن ينظروا منها لأنفسهم ودولتهم وحكمهم أحسنها .. ويردوا سيئها ورديئها .. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من [ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ]الزمر:18.
وبعد، هذا الذي انتهى إليه اجتهادي في هذه المسألة النازلة الواردة في مطلع هذا البحث .. فإن أخطأت، فمن نفسي، وأستغفر الله العظيم .. وأن أصبت، فمن الله تعالى وحده، وله الحمد والمنة والفضل.
ثم إني أعرض هذه الورقات على إخواني من أهل العلم وطلبته .. فإن وجدوها حقاً وصواباً، فليوقعوا عليها .. عسى الله تعالى أن يوحد بذلك الكلمة والجهود والصفوف فيما يخص هذه النازلة الملحة .. وإن وجدوا فيها غير ذلك .. فليقوموني .. ويسددوني بأدلة النقل والعقل، ولهم مني خالص الشكر، والدعاء .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
6/1/1433 هـ. 1/12/2011 م.
           
         




[1]  هذا لا يتعارض مع ما استثنته الشريعة في أجواء الإكراه والتقية .. والحرب .. وما يجوز من رخص في تلك الأجواء .. فهذه مسألة مختلفة .. لا ينبغي أن نقحمها هنا .. حيث قد بحثناها في كتابنا ” المفاهيم ” وغيره، فانظرها هناك إن شئت.
[2]  انظر كتابنا ” حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية ” إن شئت.
[3]  تاريخ الخلفاء للسيوطي.
[4] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج: 1085.
[5] صحيح سنن أبي داود: 3650.
[6] صحيح سنن الترمذي: 1766.
[7] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 168.
[8] أخرجه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[9] صحيح موارد الظمآن: 1298.
[10]  صحيح سنن الترمذي: 1843.
[11] أي طاوعهم ووافقهم.
[12] أخرجه أحمد، صحيح الترغيب: 2244.
[13] رواه أبو داود وغيره، صحيح سنن أبي داود: 3644.
[14]  أخبار عمر، علي الطنطاوي، المكتب الإسلامي، ص161.
[15]  كثير من طغاة الحكم المعاصرين .. تنص دساتيرهم وقوانينهم الباطلة على أن الحاكم فوق المساءلة والمحاسبة .. مهما بدر منه من ظلم أو تقصير .. وأيما مساءلة له تعرض السائل للعقوبة والسجن والتنكيل .. وربما يُرمَى بالخيانة العظمى للوطن .. فإذا عرفتم ذلك .. عرفتم سبب طغيان هؤلاء الحكام .. وعرفتم سبب التخلف والظلم والذل والفقر الذي أصاب الشعوب .. ولا بد من أن نتحرر من كل هذه القيود، بإذن الله.
[16] أخرجه الطبراني وغيره، السلسلة الصحيحة: 1739.
[17] صحيح الجامع: 1575.
[18] صحيح سنن الترمذي: 1874.
[19] رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 168.
[20] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 1934.
[21] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.
[22] صحيح سنن ابن ماجه: 213.
[23] رواه الطبراني، صحيح الجامع: 2714.
[24] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 118.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*