جديد الموقع

أحكامُ الشَّهَادَة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          الشهادة في سبيل الله معنى نبيل، وشَرَفٌ عظيم، ومقام رفيع، لا يناله إلا المصطفون الأخيار، تتوق له نفوس المؤمنين الموحدين .. فيه يتنافس المتنافسون .. ويتسابق المتسابقون .. ومع ذلك فإن هذا المفهوم ” مفهوم الشهادة “، لم يسلم من التحريف والتشويه؛ فوضعوه في غير موضعه، وأنزلوه غير منزله، وحملوه ويحملونه على أناس ماتوا ويموتون في سبيل الطاغوت .. وفي سبيل رايات عصبية جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان .. وكلما هلك منهم هالك وعدوه بالجنة .. وجزموا له بالشهادة، وأجر الشهادة!

ولم يقتصر تحريفهم وكذبهم عند هذا الحد .. حيث أن فريقاً منهم ـ من محترفي التحريف والكذب ـ بلغت بهم الجرأة والوقاحة .. بأن يصرفوا حكم الشهادة عمن يُقتل في سبيل الله حقاً .. وأن يصفوا من يُقتَل في سبيل الله بأقبح الألقاب والأوصاف؛ كالفئة الضالة .. والخوارج .. وغيرها من عبارات التنابز بالألقاب .. لينفروا الناس عن الجهاد .. والاستشهاد في سبيل الله .. فانقلبت الموازين .. وتغيرت الأحكام .. فأصبح من يُقتَل في سبيل الطاغوت شهيداً وبطلاً، يستحق المديح وجِنان الخلد .. ومن يُقتل في سبيل الله .. يستحق الذم، ونار جهنم، والعذاب الأليم .. وكأن الأمور بأيديهم .. والحكم لهم من دون الله .. ساء ما يحكمون وما يصفون.
          وفريق آخر أراه قد استعجل على الله .. ونفدَ صبره على حرّ الشوق، وفراق المحبوب، وما يحظى به الشهيد من مقام عظيم، ونعيم مقيم عند الله تعالى .. فاستعجل؛ فبادَرَ ربَّه بنفسه .. وسلك لطلب الشهادة طرقاً ملتوية خاطئة قصيرة ما أنزل الله بها من سلطان .. لا تُحقق شروط الشهادة ولا تنفي عنها موانعها .. ظناً منه أنه بذلك يختصر الطريق إلى الجنة .. وأنه ممن يُحسنون صنعاً، وفي الحديث القدسي:” بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنَّة ” البخاري. والحديث وإن كان له سبب إلا أن العبرة بعموم اللفظ .. فيُحمَل على كل من يَقتل نفسَه بنفسه لنوع استعجال على الله.
          ومما زاد الطين بلَّة أنه قد أصبح لهذا النوع من الخطأ مُفتون .. ومُنظِّرون .. ومحمِّسون .. ومشجِّعون .. قد علا صوتهم، وأرهبوا مخالفهم .. فاتَّسع الخرق .. إلى أن صَعُبَ الترقيع!
          لذا يتعين الحديث عن هذا المفهوم العظيم ” مفهوم الشهادة “، وعن بعض ما يتعلق به من مسائل وأحكام .. ) لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (الأنفال:42. وليُعرَف من الشهيد بحق الذي يستحق هذا الوسام العظيم ” وسام الشهادة “، ويستحق وعد الله تعالى للشهداء.
ـ معنى الشهيد لغة: قيل معانٍ عدة: منها أنه سُمي شهيداً لأن الله وملائكته شُهودٌ له بالجنة، وقيل لأنه حيٌّ يُرزق من نعيم الجنة لم يمت، كأنه شاهد؛ أي حاضر، وقيل لأنَّ ملائكة الرَّحمة تَشْهَدُهُ، وقيل لقيامِه بشهادة الحقِّ في أمرِ الله حتى قُتِل، وقيل لأنه يشهد ما أعدَّ الله له من الكرامة بالقتل، وقيل لعدالته وفضله وحسن خاتمته يؤذن له يوم القيامة بأن يشهد على الناس بما كان منهم، وأن الأنبياء قد بلَّغوا رسالة ربهم، كما قال تعالى:) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة:143. وقال تعالى:) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (الحج:78. فهذه الشهادة لا يُعطاها من الأمة إلا العدول الأخيار، والشهيد منهم، ومن سادتهم وخيرة الأخيار .. وهذه معانٍ كلها حق لا تنافي ولا تضاد بينها لو صُرِفت كلها للشهيد[[1]].
ـ أنواع الشهداء: الشهداء في الإسلام أنواع: منهم شهيد وقتيل المعركة الذي يُقتل في سبيل الله، ومنهم الذي يموت بسبب الأوجاع والأمراض أو الأسباب التالية ـ فيصبر ويحتسب الأجر عند الله تعالى ـ وهي: المطعون؛ الذي يموت بسبب مرض الطاعون، والمبطون؛ الذي يموت بسبب مرض البطن؛ كالملاريا، وانتفاخ البطن، والإسهال ونحوها من الأمراض والأوجاع البطنية، والذي يموت بالسِّلِّ، وصاحب ذات الجنب، وصاحب الهدم؛ الذي يموت بسبب الهدم؛ كأن يُهدم عليه منزل أو جدار ونحو ذلك .. فيؤدي إلى وفاته، والذي يموت حرقاً بالنار، والنفساء؛ المرأة التي تموت بسبب الولادة .. وكذلك الذي يخرج للجهاد في سبيل الله فيدركه الموت في الطريق بغير سبب القتال .. ونحوه الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله بصدق ثم يموت على فراشه .. والذي تأكله السِّباعُ والوحوش الضارية .. فهؤلاء كلهم قد سماهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالشهداء، وصرف لهم أجر الشهيد، كما في الحديث فقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:” الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون ، والغرق، وصاحِبُ الهدم، والشهيد في سبيل الله ” متفق عليه. أي قتيل المعركة الذي يُقتل في سبيل الله .. والمطعون؛ أي المصاب بالطاعون.
وقال صلى الله عليه وسلم:” الطاعون شهادةٌ لكل مسلم ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” كان ـ أي الطاعون ـ عذاباً يبعثُهُ اللهُ على من يشاء، فجعله الله رحمةً للمؤمنين؛ فليس من عبدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكثُ في بلده صابراً، يعلمُ أنه لن يُصيبَهُ إلا ما كتَبَ اللهُ له، إلا كان له مثلُ أجرِ الشَّهيد ” البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم:” الطَّاعون غدَّةٌ كغدَّةِ البعير، المُقيمُ بها كالشهيد، والفارُّ منها كالفارِّ من الزَّحفِ “[[2]].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:” يأتي الشهداء والمتوفَّون بالطاعون، فيقول أصحابُ الطاعون: نحن شهداء. فيقال: انظروا فإن كانت جراحتهم كجراح الشهداء تسيل دمَاً كريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك “[[3]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” الطَّاعون، والغرقُ، والبطنُ، والحرقُ، والنُّفَساءُ شهادةٌ لأمتي “[[4]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” الطَّعنُ، والطَّاعون، والهَدمُ، وأكلُ السَّبُعِ، والغرقُ، والحرقُ، والبطنُ، وذاتُ الجنْبِ شهادةٌ “[[5]].
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دخلنا على عبد الله بن رواحة نعوده، فأُغمِيَ عليه، فقلنا: رحمك الله إن كنا لنحب أن تموتَ على غير هذا، وإن كنا لنرجو لك الشهادة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر هذا، فقال:” وفيما تعدون الشهادة؟ ” فأَرَمَّ القومُ، وتحرَّك عبدُ الله فقال: ألا تُجيبون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم أجابه هو فقال: نَعُدُّ الشهادةَ في القتلِ. فقال صلى الله عليه وسلم: “إن شهداء أمتي إذاً لقليل، إنَّ في القتلِ شهادةً، وفي الطاعون شهادةً، وفي البطنِ شهادة، وفي الغرقِ شهادةً، وفي النفساء يقتُلُها ولدها جُمْعاً شهادة “[[6]].
 وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ” أو ما القتل إلا في سبيل الله؟!إن شهداءَ أمتي إذاً لقليل! إن الطعنَ لشهادةٌ، والبطنَ شهادةٌ، والطاعونَ شهادةٌ، والنفساءَ بجمع شهادةٌ، والحَرَقَ شهادةٌ، والغَرَقَ شهادةٌ، وذات الجنْبِ شهادة “[[7]].
وعن راشد بن حبيش رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل على عبادة بن الصامت يعودُه في مرضه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” أتعلمون من الشهيد من أمتي؟” فأرَمَّ القومُ، فقال عبادة: ساندوني. فأسندوه، فقال: يا رسولَ الله! الصابرُ المحتسبُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن شهداء أمتي إذاً لقليلٌ، القتلُ في سبيل الله عز وجل شهادةٌ، والطاعون شهادة، والغَرَق شهادة، والبطنُ شهادة، والنفساء يجرها ولدُها بسَرَرِه إلى الجنة ـ قال: وزاد أبو العوام سادِنُ بيتِ المقدس ـ والحرق، والسِّلُّ “[[8]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” الشهادةُ سبعٌ سوى القتل في سبيل الله: المَبطونُ شهيدٌ، والغَريقُ شهيدٌ، وصاحبُ ذات الجَنْب شهيدٌ، والمطعونُ شهيدٌ، وصاحبُ الحريقِ شهيدٌ، والذي يموت تحت الهدم شهيدٌ، والمرأة تموت بجمْعٍ شهيدٌ “[[9]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِل في سبيلِ الله فهو شهيد، ومن ماتَ في سبيلِ الله فهو شهيد .. “[[10]] مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن طلبَ الشَّهادةَ صادِقاً، أُعْطيَها، ولو لم تُصِبْهُ ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” من سألَ اللهَ الشَّهادةَ بِصِدقٍ، بلَّغَهُ الله منازِلَ الشُّهداءِ، وإن ماتَ على فراشِه ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَنْ سألَ اللهَ القتْلَ في سبيلِهِ صادِقاً مِنْ قلْبِهِ أعطاهُ اللهُ أجرَ الشَّهيدِ “[[11]]. وذلك لأنَّ الأعمالَ بالنيَّات، وأنَّ لكلّ امرئٍ ما نوى، فمن نوى القيام بطاعة، وكان صادِقاً في نيته، ثم حال بينه وبين فعل الطاعة حائل قاهر .. ناله أجر الطاعة كاملاً وإن لم يفعلها .. فالحمد لله على كرمه، وجوده، وجزيل عطائه، ورحمته.
كما في الحديث، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” لقد تركتُم بالمدينة أقواماً ما سِرتم مَسيراً، ولا أنفقتم من نفقةٍ، ولا قطعتم من وادٍ، إلا وهم معكم فيه “، قالوا: يا رسولَ وكيف يكونون معنا، وهم بالمدينة؟ فقال:” حبسَهم العذرُ ” البخاري. هم معهم في الأجر سواء؛ لصدقهم في الخروج معهم للجهاد في سبيل الله، لكن حبسهم ومنعهم العذر.
لكن أفضل الشهداء ممن تقدم ذكرهم قتيل المعركة؛ الذي يُقتلُ في سبيل الله، مقبلاً غير مُدْبِر، كما في الحديث:” أفضلُ الشهداءِ مَن سُفِكَ دَمُه، وعُقِرَ جَوادُه “[[12]].
وفي رواية: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد سُئِلَ أيُّ القَتْلِ أشرف؟ قال صلى الله عليه وسلم:” مَن أُهرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوادُه “[[13]].
وعن نعيم بن هَمَّار رضي الله عنه: أن رجلاً سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أي الشُّهداء أفضل؟ قال: الذين إن يُلْقَوا في الصَّفِّ لا يَلْفِتون وجوهَهُم حتى يُقتَلوا؛ أولئك ينطلقون في الغُرَف العُلا من الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حسابَ عليه “[[14]].
ومن سادة الشهداء كذلك، رجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله، كما في الحديث، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمام جائر، فأمره ونهاهُ، فقتلَهُ “[[15]]. فرب كلمة حقٍّ يصدع بها المسلم في وجوه الطغاة الآثمين، تزيد من حيث الأثر والنفع تلاحم السيوف، وهدير الرصاص. 
أحكام تتعلق بالشهيد الذي يُقتَل في سبيلِ الله: للشهيد الذي يُقتَل في سبيل الله أحكام خاصة به، لا يُشركه فيها غيره من أموات المسلمين، منها: أنه لا يُغسَّل، وإنما يُدفن مضرجاً بدمائه، لقوله صلى الله عليه وسلم:” ادفنوهم في دمائهم ـ يعني يوم أحد ـ ولم يُغَسِّلْهم ” البخاري.
ومنها: أنه يُدفن في أرضه، أرض المعركة إن أمكن، ولا يُحملن إلى مسقط رأسه، كما جرت العادة في هذا الزمان، ويُكَفَّن بثيابه التي قُتل وهي عليه، كما في الحديث عن ابن عباس قال: أمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أحد بالشُّهداء أن يُنزَعَ عنهم الحديد والجلود، وقال:” ادفنوهم بدمائهم وثيابهم “[[16]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” زَمِّلوهم بثيابهم “[[17]].
وفي رواية عند النسائي:” زَمِّلُوهم بدمائهم؛ فإنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ في الله، إلا أتَى يومَ القيامةِ جُرحُه يَدمي، لونُهُ لونُ دَمٍ، وريحُهُ ريحُ المِسْكِ “[[18]].
وعن جابر بن عبد الله، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ بقتلى أحد، أن يُرَدوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقِلوا إلى المدينة. وقال صلى الله عليه وسلم:” ادفنوا القتْلَى في مَصارِعهم “[[19]].
ومنها: أن الصلاة عليه غير واجبة، ولو صُلي عليه فلا حرج، لثبوت الفعلين عن النبي صلى الله عليه وسلم: الفعل والترك؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى على بعض الشهداء، وترك الصلاة على بعضهم الآخر، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسَّلوا.
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قد صلى على عمه حمزة رضي الله عنه، ولم يصلِّ على غيره من شهداء أحد، كما في الحديث الذي يرويه أنس بن مالك:” أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بحمزة وقد مُثِّل به، ولم يُصل على أحدٍ من الشهداء غيره “[[20]]؛ يعني شهداء أحد.
ويُقال كذلك: أن شهداء المسلمين في حروب الردة، وغزوة مؤتة، والقادسية، واليرموك، وغيرها من الغزوات كانوا بالآلاف .. ومع ذلك لم يُنقل لنا عن الصحابة ـ أو بعضهم ـ أنهم كانوا يصلون على الشهداء، مما دلَّ أن ترك الصلاة على الشهيد هو الأقرب للسنة، وفعل السلف، وأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشهداء، كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لفضل صلاته ودعائه .. ولحاجة الميت ـ وإن كان شهيداً ـ لدعائه وصلاته صلى الله عليه وسلم، فدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ليس كدعاء غيره من المسلمين، وصلاته على المؤمنين ليس كصلاة غيره، كما قال تعالى:) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً (النور:63. وقال تعالى:) وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة:103. والله تعالى أعلم.
تنبيه: ما تقدم من أحكام دنيوية تُحمَل على قتيل المعركة فقط؛ أما من طُعِن في المعركة ثم حُمل إلى خارج ساحتها، وقُدِّر له أن يعيش زمناً أو أياماً .. ثم بعد ذلك أدركته المنية خارج ساحة المعركة .. فهذا شهيد الآخرة .. لكن لا تُحمل عليه الأحكام الدنيوية الخاصة بالشهيد؛ الآنفة الذكر .. وكذلك الشهداء الآخرين: المبطون، والمطعون، والذي يموت بالهدم أو الحرق وغيرهم ممن تقدم ذكرهم .. فهؤلاء أيضاً لا تُحمل عليهم الأحكام الدنيوية المتعلقة بشهيد المعركة .. وإنما   يُكفَّنون، ويُغسَّلون، ويُصلى عليهم، حالهم في ذلك حال غيرهم من أموات المسلمين.
شروط الشهادة: للشهادة في سبيل الله شروط، إن اختل منها شرط رُدَّت الشهادة، وخرج صاحبها من قائمة وصفة شهداء الآخرة .. الذين يستحقون مقام ودرجة الشهداء عند الله عز وجل، وهي:
أولاًً: أن يكون الشهيدُ مسلماً موحداً: فلو كان مشركاً، أو كافراً مرتداً ثم انطلق للجهاد فقُتِل .. لا يكون شهيداً، ولا ينتفع بشيء من جهاده؛ لأن الشرك يحبط مطلق العمل ويُبطله، كما قال تعالى:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء:48. ولقوله تعالى:) وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام:88. وقال تعالى:) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (الفرقان:23.
ولقوله صلى الله عليه وسلم:” لا يقبلُ اللهُ من مُشركٍ أشرَكَ بعد إسلامه عملاً “[[21]].
ولقوله صلى الله عليه وسلم:” ليأخُذنَّ الرجلُ بيدِ أبيه يومَ القيامةِ يريد أن يُدخله الجنة، فيُنادَى: إنَّ الجنَّة لا يدخلها مشرك، إن اللهَ قد حرَّمَ الجنَّةَ على كل مشركٍ، فيقول: أي رب! أي رب! أبي؟ قال: فيتحوَّل ـ أي أبوه ـ إلى صورةٍ قبيحةٍ، وريحٍ مُنتنةٍ فيتركه “[[22]].
ولقوله صلى الله عليه وسلم:” إن السيفَ لا يمحو النفاقَ “[[23]].
ولقوله صلى الله عليه وسلم للرجل المشرك الذي أراد أن يغزو معه ـ وكان يُذكر بالجرأة والنجدة ـ:” تؤمن بالله ورسولِه؟”، قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم:” فارجع؛ فلن أستعين بمشرك ” مسلم.
وقال رجلٌ مُقنَّعٌ بالحديد: يا رسولَ الله، أُقاتلُ أو أُسْلِم؟ قال:” أسْلِمْ ثم قاتِلْ “. فأسلمَ فقاتلَ فقُتِلَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” عَمِلَ قليلاً وأُجِرَ كثيراً ” متفق عليه.
ولا يلزم من هذا الشرط انتفاء الذنوب والخطايا التي هي دون الكفر والشرك عن الشهيد .. لا .. فهذا لا نقوله .. ولا يقول به أحدٌ من أهل العلم .. فالمسلم الموحد مهما عظمت ذنوبه .. ما لم ترق إلى درجة الكفر والشرك .. فإنه ينتفع من جهاده واستشهاده .. وحسناته، وذنوبه ومعاصيه لا تمنع عنه صفة وحكم وفضل الشهيد لو ختم الله له بالشهادة في سبيله .. كما في الحديث:” ورجلٌ فَرِقَ على نفسه من الذنوبِ والخطايا، جاهدَ بنفسه ومالِه في سبيلِ الله، حتى إذا لقي العدوَّ قاتل حتى يُقتل، قتلك مُمَصْمِصَةٌ محَت ذنوبَه وخطاياه، إن السيفَ محَّاءٌ للخطايا، وأُدخِلَ من أي أبواب الجنة شاء “[[24]].
وفي ذلك رد على الذين يشترطون في المجاهدين أن يكونوا على درجة عالية من الالتزام والصلاح والتقوى .. خالية حياتهم وأعمالهم من الذنوب والخطايا .. أو أن يكونوا كالرعيل الأول من الصحابة في الالتزام والتقوى والعمل .. ليقبل جهادهم .. وأنهم لن يُجاهدوا إلا مع أناس هكذا ينبغي أن تكون صفاتهم .. فهذا الشرط إضافة إلى بطلانه ومخالفته للنص .. فإن مؤداه إلى تعطيل الجهاد .. وصدِّ الناس عن الجهاد في سبيل الله .. وتمكين العدو من بلاد المسلمين .. لأن شرطهم هذا تعجيزي يستحيل تحقيقه؛ فالرعيل الأول من السلف الصالح جيل فريد لن يكرره التاريخ ثانية وإلى يوم القيامة .. فمن أين للأمة أن تأتي أو تلد مثل هذا الجيل الذي شهد له النص بأنه خير الأجيال، وخير القرون على الإطلاق، وإلى يوم القيامة؟!
ما تقدم لا يعني ولا يُفهم منه الاستهانة بجانب التقوى والالتزام والصلاح .. وبالجانب التربوي .. وضرورة أن يعمل الشباب المجاهد على الارتقاء بأنفسهم إلى مستوى أخلاق وتعاليم وقيم الإسلام .. فهذا جانب هام جداً .. لا يجوز الزهد به أو إهماله .. وهو من الإعداد المطلوب شرعاً .. وهو عامل هام من عوامل النصر والتمكين .. لكن لا نجعله شرطاً للجهاد .. كما لا نجعله شرطاً لقبول شهادة المجاهد .. لدلالة النص على خلافه، والله تعالى أعلم.
ثانياً: الإخلاص: أن تكون الشهادة في سبيل الله؛ خالصة لوجهه الكريم، ابتغاء مرضاته، والفوز بالأجر العظيم، لا يُراد منها سمعة ولا رياءً .. فالإخلاص شرط لكل عملٍ تعبدي، كما قال تعالى:)  فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (الكهف:110.
وقد تقدَّم معنا الحديث، عن أبي أُمَامةَ الباهِلي قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيتَ رجلاً غَزَا يَلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ ما لَه؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” لا شَيءَ لَهُ “، فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ له رسولُ الله:” لا شيءَ له “، ثم قال:” إنَّ الله لا يقبَلُ مِن العمَلِ إلا ما كانَ له خالِصاً وابتُغِيَ به وَجْهُهُ “[[25]].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسولَ الله، رجلٌ يريدُ الجهادَ، وهو يريدُ عَرَضَاً من الدنيا؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” لا أجْرَ له “. فأعظمَ ذلك الناسُ، فقالوا للرجل: عُدْ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلعلَّكَ لم تُفْهِمْهُ. فقال الرجلُ: يا رسولَ الله رجلٌ يريدُ الجهادَ في سبيلِ الله، وهو يبتغي عرَضاً من الدنيا؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” لا أجْرَ له “. فأعظمَ ذلك الناسُ، وقالوا: عُدْ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ له الثالثةَ: رجلٌ يريدُ الجهادَ في سبيلِ الله، وهو يبتغي عرَضاً من الدنيا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:” لا أجْرَ له “[[26]].
وعن أبي موسى الأشعري، قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: عن الرجلِ يُقاتلُ شَجاعةً، ويُقاتلُ حميَّةً، ويُقاتِلُ رياءً، أي ذلك في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” مَن قاتلَ لتكونَ كلِمَةُ اللهِ هي العليا، فهو في سبيلِ الله “[[27]]مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” إنَّ أولَ الناس يُقضى عليه يومَ القيامة رجلٌ استُشهِدَ، فأُتي به، فعرَّفَه نِعَمَهُ، فعرَفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتى استُشهدتُ. قال: كذَبْتَ، ولكن قاتلتَ لأن يُقال: هو جريء، فقد قيلَ، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النَّار .. ” مسلم.
وفي رواية:” فيقولُ: أي ربِّ أُمِرتُ بالجهادِ في سبيلك، فقاتلتُ حتى قُتِلتُ. فيقول اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذَبتَ، ويقولُ اللهُ له: بل أرَدْتَ أن يُقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقيد قيل ذلك “[[28]]. 
وقال صلى الله عليه وسلم:” والذي نفْسِيِ بيَدهِ لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله، واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ في سبيلهِ، إلا جاءَ يومَ القيامَةِ، واللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المِسْكِ ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” فمن عَمِلَ منهم بعملِ الآخرةِ للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيبٍ “[[29]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” القتلى ثلاثة ـ منهم ـ: ورجلٌ منافقٌ جاهدَ بنفسه ومالِه، حتى إذا لقي العدوَّ قاتلَ في سبيلِ الله عز وجل حتى يُقتل، فذلك في النار؛ إنَّ السيفَ لا يمحو النفاقَ “[[30]].
ثالثاً: أن يكون قتاله واستشهاده على السُّنَّةِ: أي تتحقق فيه صفة المتابعة، فيُغلِّب الانقياد والمتابعة للشريعة، على حب التشفي والانتقام .. والهوى .. فيراعي الحدود والعهود .. فلا يغدر ولا يخون .. أما من يغلِّب الهوى .. وحب التشفي والانتقام على الحكم الشرعي .. فيضع السيف حيث ينبغي شرعاً أن يرفعه .. ويرفعه حيثما ينبغي شرعاً أن يضعه .. فيَقتل من صان الشرع حرماتهم .. ويسلم منه من أذن الشرع في قتالهم .. فمن كان هذا منهجه في القتال ثم قُتل عليه .. يفقد صفة المجاهد في سبيل الله .. كما يفقد صفة وحكم الشهيد في سبيل الله .. وما أعد الله تعالى للشهيد من مقام عظيم.
مثال هذا النوع من القتال .. قتال الخوارج الغلاة .. الذين وضعوا السيف في أهل الإسلام .. وممن صان الشرع حرماتهم .. كما جاء وصفهم في الحديث:” يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قَتلَ عاد ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قومٌ يُحسنون القِيلَ ويُسيئون الفعلَ، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميَّة، لا يرجعون حتى يرتدَّ على فوقِهِ، هم شرُّ الخلقِ والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، مَن قاتلهم كان أولى بالله منهم “[[31]].
وعن معاذ بن أنس الجهني، قال: غزوتُ مع نبي الله صلى الله عليه وسلم غزوةَ كذا وكذا فضيَّقَ الناسُ المنازلَ، وقطعوا الطريقَ، فبعثَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي في الناس أنَّ من ضيَّق منزلاً أو قطَعَ طريقاً فلا جِهادَ له “[[32] ].
 هذا فيمن يُضيق على الناس منازلهم، ويقطع عليهم طريقهم ـ ولو كان ذلك بسبب الغزو والجهاد ـ فكيف فيمن لا يراعي فيهم عهداً ولا ذمة .. ولا حرمة لمؤمن .. إلا ما لامس هواه .. فهذا لا يُمكن أن يُصنّف من المجاهدين .. ولو قُتل ـ على هذا المنهج ـ لا يُمكن أن يُصنَّف من الشهداء، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” من آذى مؤمناً فلا جهادَ له “[[33]].
ونحوهم المرجئة الغلاة الذين انطلقوا إلى آيات وأحاديث قيلت في المؤمنين الموحدين فحملوها على الطغاة الكافرين المجرمين .. فمنعوا من قتالهم وجهادهم .. وأوجبوا على المسلمين طاعتهم والدخول في موالاتهم ونصرتهم على من خالفهم وعاداهم من المؤمنين الموحدين .. فمن قُتل أو مات على هذا المنهج الباطل الخبيث فهو كذلك ليس بمجاهد .. ولا شهيد .. ولا ممن يُقاتلون في سبيل الله .. وإنما ممن يُقاتلون في سبيل الطاغوت!
قال تعالى:) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (النساء:76.
ومن الاستشهاد على السنَّة .. أن لا يستعجل المرء على الله فيقتل نفسه بنفسه .. وأن لا يستشرف مواطن الهلكة والقتل .. كالمستعجل على الله .. من غير مصلحة راجحة ترتد على الإسلام والمسلمين .. والجهاد والمجاهدين .. ومن يأبى إلا أن يفعل .. فيُقتَل على هذا الوصف .. فهو ليس بشهيد .. بل هو على خطر عظيم، قال تعالى:) وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (النساء:29. وقال تعالى:) وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة:195.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” من ركِبَ البحرَ عندَ ارتجاجه فماتَ؛ فقد بَرِئت منه الذِّمَّة “[[34]]. وذلك لأنه قد استشرفَ موطن هلكة وخطر .. فخاطر بنفسه .. وأوردها موارد الهلكة والخطر .. من غير مصلحة راجحة!
وقال صلى الله عليه وسلم:” لا يَنبغي للمُؤمنِ أن يُذِلَّ نَفسَهُ ” قالوا: وكيف يُذِلُّ نفْسَهُ؟ قال:” يتَعَرَّض مِنَ البلاءِ لِمَا لا يُطِيقُ “[[35]].
رابعاً: أن يكون الغرض الذي يُستشهد دونه مشروعاً: قد أذن اللهُ تعالى لعباده أن يُجاهدوا، ويُستشهدوا دونه؛ كمن يُقتَل دون دينه أو دون عِرضه، أو دون مالِه، أو دون دمه، أو دون أهله، أو دون حرمات المسلمين، أو دون مظلمته أو مظالم المسلمين .. فمن قُتِل دون أو دفاعاً عن هذه الأشياء ـ أو غيرها مما أذن الله تعالى أن يُقاتَل دونها ـ فهو شهيد، كما في الحديث:” مَن قُتِل دونَ مالِه فهو شهيد ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِلَ دون دمِه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينِه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد “[[36]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِل دون مالِهِ مظلوماً فله الجنَّةِ “[[37]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتل دون مَظلمته فهو شهيد “[[38]].
أما من يُقاتِل فيُقتَل دون أغراض غير مشروعة، لم يأذن الله تعالى بالقتال دونها؛ كأن يُقتَل المرء دون الطواغيت الظالمين، ودون عروشهم وأنظمتهم، وقوانينهم، ودون الكفر والشرك والظلم .. أو دون أمورٍ يكون فيها ظالماً لا مظلوماً .. أو دون رايات جاهلية .. أو يُقتَل عصبية وحميةً لقومٍ أو قبيلة أو أرض .. فمن يُقتل دون شيءٍ من هذه الأغراض فهو ليس بشهيد .. بل هو في النار.
قال صلى الله عليه وسلم:” مَن قاتلَ تحت رايةٍ عُمِّيَّةٍ؛ يَغضبُ لِعصَبَةٍ، أو يدعو إلى عَصَبَةٍ، أو ينصرُ عصَبَةً، فقُتِل، فقِتلةٌ جاهليَّةٌ، ومَن خَرَجَ على أمَّتي يضربُ بَرَّها وفاجِرَها، ولا يتحاشَى من مُؤِمِنها، ولا يَفِي لذِي عهدٍ عهدَه، فليس مني ولَستُ منه ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” مَن قُتِلَ تحت رايةٍ عُمِّيَّةٍ؛ يَنصرُ العصَبيَّةَ، ويَغضَبُ للعصبيَّةِ، فقِتْلَتُهُ جاهِليَّة “[[39]].
خامساً: أن يُقتَل مُقبلاً غير مُدبرٍ؛ فار من الزَّحف والجهاد: أما من يُقتَل وهو مدبر فار من الزحف ـ حتى لو قتل في ساحات المعركة ـ فهو ليس بشهيد .. بل له وعيد شديد .. لأنه قد مات على كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال تعالى:) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (الأنفال:16.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” اجتنبوا السبعَ الموبقات “، وعدّ منها:” التولي يوم الزحف ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” اجتنبوا الكبائر السَّبع ” منها ” والفرارُ من الزحف “[[40]].
وعن أبي قتادة، أن رجلاً قال: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيلِ الله، تُكَفَّرُ عني خطاياي؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” نعم؛ إن قُتِلتَ في سبيل الله وأنت صابرٌ مُحتسِبٌ، مُقبِلٌ غيرُ مُدبِرٍ “. ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” كيف قُلت؟”. قال: أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيل الله، أتُكَفَّرُ عني خطاياي؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” نعم؛ إن قُتِلتَ وأنتَ صابرٌ مُحتسبٌ، مُقبِلٌ غيرُ مُدبِرٍ، إلا الدَّين، فإن جبريل قال لي ذلك ” مسلم.
تأمل في المرتين كيف أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يؤكد على قوله وشرطه للانتفاع من الشهادة ” مُقبِلٌ غيرُ مُدبِرٍ “.
وقال صلى الله عليه وسلم:” الشهداء الذين يُقاتلون في سبيلِ الله في الصفِّ الأول، ولا يَلتفِتُونَ بوجوههم حتى يُقتَلوا؛ فأولئك يُلقونَ في الغُرَف العُلا من الجنَّةِ، يضحكُ إليهم ربُّكَ، إنَّ اللهَ تعالى إذا ضَحِكَ إلى عبدِه المؤمن فلا حسابَ عليه “[[41]]. فتأمل صفتهم ” ولا يَلتفِتُونَ بوجوههم حتى يُقتَلوا “؛ كناية على الثبات، وعدم الفرار والإدبار.
وفي الأثر، عن ابن عمر، أنه كان في غزوة مؤتة، فقال:” فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، فعددنا به خمسين طعنةً وضربةً، ليس منها شيء في دُبِره ” البخاري. أي ليس منها شيء من جهة ظهره .. كناية على شدة ثباته .. وإقباله على العدو بصدره .. وأنه لم يُعطِهم ظهرَه مطلقاً .. أنعم به من بطل مجاهد .. رضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين.
وعن مجاهد، عن يزيد بن شجرة  ـ وكان يزيد بن شجرة ممن يصدق قولَه فعلُه ـ خَطَبنا .. وكان يقول إذا صفَّ الناسُ للقتال: فُتِّحَت أبوابُ السماءِ، وأبوابُ الجنَّة، وغُلِّقت أبوابُ النَّار، وزُيِّنَ الحورُ العِين واطَّلَعْنَ، فإذا أقبل الرجلُ، قُلْنَ: اللهمَّ انصره، وإذا أدبرَ احتَجَبنَ منه، وقلنَ: اللهم اغفر له، فأنهِكوا وجوهَ القومِ فدىً لكم أبي وأمي، ولا تُخزوا الحورَ العِين … “[[42]].
تنبيه: يُستثنى مما تقدم ذكره مَن كان فراره على شكل انسحاب وتكتيك تقتضيه الحاجة والمعركة .. يريد بعده أن يُعاود الكرة والقتال، أو أنه يريد أن ينحاز إلى فئة من المسلمين ليتقوى بهم على جهاده .. فمثل هذا الانسحاب والانحياز لا حرج فيه إن شاء الله .. ولو قُتِل المجاهد في ساعة انسحابه وتحيزه .. أرجو أن يكون شهيداً بإذن الله، لقوله تعالى:) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ (الأنفال:16. فاستثنى من الفرار الذي يستحق صاحبه الوعيد الشديد، المتحرّف؛ أي المنعطِف الذي ينعطف ثانية ليعاود الكرة والجهاد، والمتحيز إلى فئة ليتقوى بهم في جهاده ضد العدو .. فمن كان فراره على هذا الوجه والصفة، فلا حرج عليه إن شاء الله.
تعريف الشَّهيد: نستخلص مما تقدم التعريف التالي للشهيد ـ ونعني من الشهداء؛ شهيد المعركة ـ  فنقول:” هو المسلم الذي يُقتَل في سبيلِ الله، على السُّنَّةِ، مُقبِلاً غير مُدبِر، ولغَرَضٍ مشروع “.   
فضل الشهيد، وما له من مكرمة وفضل وأجر: فمن حقق في نفسه شروط الشهادة الخمسة الآنفة الذكر أعلاه، فهذا هو الشهيد الذي يستحق مقام الشهداء يوم القيامة .. وعليه تُصرف نصوص الكتاب والسنة التي تبين فضل الشهداء، وما لهم عند الله تعالى من فضل، ومكرمة، وأجرٍ عظيم.
منها، قوله تعالى:) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (البقرة:154.
وقوله تعالى:) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (آل عمران:170.  
وقوله تعالى:) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة:111.
وفي الحديث، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إنَّ في الجنَّة مائة درجة، أعدَّها اللهُ للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ” البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم:” ما من عبدٍ يموتُ، له عند الله خيرٌ، يسُرُّه أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشَّهيد؛ لما يرى من فضلِ الشهادةِ، فإنه يسُرُّه أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتَل عشرَ مراتٍ، لما يرى من الكرامة ” متفق عليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لما أُصيب إخوانكم، جعل الله أرواحَهم في جَوفِ طيرٍ خُضرٍ، تَرِد أنهارَ الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهب، معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم، قالوا: من يُبلَّغ إخواننا عنا أنا أحياءٌ في الجنَّة نُرزَق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلُوا عن الحرب؟ فقال الله تعالى: أنا أُبلغهم عنكم. فقال عز وجل:) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً(  إلى آخر الآية”[[43]].
وعن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: ) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك ـ أي رسولَ الله ـ فقال:” أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ مُعلَّقةٌ بالعرْشِ، تَسرحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديلِ، فاطَّلَع إليهم ربهم اطِّلاعةً، فقال: هل تَشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي ونحن نسرَحُ من الجنَّةِ حيث شِئنا؟ ففعل ذلك ربهم ثلاث مراتٍ، فلما رأوا أنهم لن يُترَكُوا من أن يُسألُوا قالوا: يا رب! نريد أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نُقتَلَ في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجةً تُرِكوا ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:” رأيتُ الليلةَ رجُلين أتياني، فصَعَدا بي الشَّجرَةَ، فأدخَلاني داراً هي أحسَنُ وأفضَلُ، لم أرَ قطُّ أحسنَ منها، قالا لي: أما هذه الدارُ فدارُ الشُّهَداءِ ” متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:” للشهيدِ عندَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ له في أَوَّلِ دُفعَةٍ من دَمِه، ويُرَى مَقعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ويُجَارُ من عذابِ القبرِ، ويأمَنُ من الفَزَعِ الأكبَر، ويُحَلَّى حُلَّةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجُ مِنَ الحورِ العيِن، ويُشَفَّعُ في سبعين من أقاربِه “[[44]].
وفي رواية، قال صلى الله عليه وسلم:” إن للشهيد عندَ الله سبعَ خصالٍ: أن يُغفرَ له في أول دُفعة من دمِه، ويرى مقعدَه من الجنَّة، ويُحلَّى حُلَّة الإيمان، ويُجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزَعِ الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجة من الحورِ العِين، ويُشَفَّع في سبعين إنساناً من أقاربه “[[45]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” الشَّهيدُ يَشفَعُ في سبعين من أهلِ بيته “[[46]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” الشَّهيدُ لا يجدُ مَسَّ القتْلِ إلا كما يجدُ أحدُكم القرصَةَ يُقرَصُها “[[47]].
وفي رواية:” الشهيدُ لا يجدُ ألمَ القتلِ إلا كما يجدُ أحدُكم مَسَّ القَرصَةِ “[[48]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” أولُ ما يُهراقُ دمُ الشهيد، يُعفَرُ له ذنبه كله إلا الدَّيْنَ “[[49]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” القتلُ في سبيلِ الله يُكفِّرُ كُلَّ شيءٍ، إلا الدَّين ” مسلم.
وقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! ما بالُ المؤمنين يُفتَنُون في قبورِهم إلا الشَّهيد؟ قال:” كفَى ببارِقة السيوفِ على رأسِه فتنة “[[50]].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:” أنه سألَ جبرائيل عن هذه الآية:) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ (الزمر:68. مَن الذين لم يَشأ اللهُ أن يُصعِقَهم؟ قال: هم شهداء الله “[[51]].
وقال صلى الله عليه وسلم:” القتلى ثلاثةٌ: رجلٌ مؤمنٌ جاهدَ بنفسِه ومالِه في سبيل الله؛ حتى إذا لقي العدوَّ قاتلهم حتى يُقتَل؛ فذلك الشهيدُ الممتَحَنُ في جنةِ الله تحت عَرشِه، لا يفضلُه النَّبيونَ إلا بفضلِ درجةِ النُّبوةِ. ورجلٌ فَرِقَ على نفسه من الذنوبِ والخطايا، جاهدَ بنفسه ومالِه في سبيلِ الله، حتى إذا لقي العدوَّ قاتل حتى يُقتل، قتلك مُمَصْمِصَةٌ محَت ذنوبَه وخطاياه، إن السيفَ محَّاءٌ للخطايا، وأُدخِلَ من أي أبواب الجنة شاء؛ فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعةُ أبواب، وبعضُها أفضلُ من بعض. ورجلٌ منافقٌ جاهدَ بنفسه ومالِه، حتى إذا لقي العدوَّ قاتلَ في سبيلِ الله عز وجل حتى يُقتل، فذلك في النار؛ إن السيفَ لا يمحو النفاقَ “[[52]].
ـ  تنبيهات ومسائل هامة:
المسألة الأولى: اعلم أنه لا يجوز أن يُجزَم لمُعيَّنٍ بأنه شهيد، حتى لو كان ظاهره أنه قُتل في سبيل الله، وذلك للمحاذير التالية:
منها: أن الحكم على شخصٍ مُعيَّنٍ بالشهادة، وأنه شهيد عند الله يعني الحكم له بالجنة، وهذا خوض في الغيب بغير علم، فالشهادة على شخصٍ معين بأنه شهيد، وأنه في الجنة فهي ليست لأحدٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبيَّ لا يتكلم ولا يشهد على أحدٍ بأنه شهيد أو من أهل الجنة إلا بوحي، كما قال تعالى:) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم:3-4. وهذه ليست لأحدٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
فلو جاز لأي أحدٍ أن يقول: فلان شهيد، وهو من أهل الجنة .. لما وجد حينئذٍ فرق بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخاصية .. ولكان حكمه كحكم النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بأنهم شهداء، وأنهم من أهل الجنة .. ولما حصلت حينئذٍ ميزة لمن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل الجنة .. وهذا قول باطل نقلاً وعقلاً لا يتجرأ عليه إلا من هان عليه دينه!
ومنها: لاحتمال أن يكون هذا المُعيَّن قد أخلَّ بشرط من شروط قبول الشهادة، لا يعلم ذلك عنه إلا الله تعالى، وبخاصة أن من شروط الشهادة ما هو متعلق بالقلب؛ كشرط الإخلاص .. وما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، لذا جاء في الحديث:” مَثَلُ المجاهدِ في سبيلِ اللهِ، والله أعلمُ بمن يُجاهِدُ في سبيلِه، كمثل الصائم القائم … ” متفق عليه. فردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم علم من يُجاهد في سبيل الله على صفة الصدق والإخلاص لله عز وجل وحدَه؛ لأن الإخلاص ـ وموطنه القلب ـ لا يعلمه إلا الله تعالى.
ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم:” والذي نفْسِيِ بيَدهِ لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله، واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ في سبيلهِ، إلا جاءَ يومَ القيامَةِ، واللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المِسْكِ ” متفق عليه.
          وأخرج البخاري في صحيحه تحت باب بعنوان ” لا يقولُ: فلانٌ شهيد “، عن سهل بن سعد الساعِدي رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم التقى والمشركون فاقتتلوا، فلما مالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى عسكَرِه، ومالَ الآخرون إلى عسكرِهم، وفي أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتَّبَعَها يضربُها بسيفِه، فقالوا: ما أجزأَ مِنَّا اليومَ أحدٌ كما أجزأ فلانٌ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ” أما إِنَّهُ من أَهلِ النار “. فقالوا: أيّنا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: أنا صاحِبُهُ، قال فخرجَ معه كُلَّما وقف وقَفَ معه، وإذا أسرعَ أسرَع معهُ، قال: فجُرِحَ الرجل جرحاً شديداً، فاستَعجَلَ الموتَ، فَوَضَعَ نَصلَ سَيفِهِ بالأرضِ، وذُبابهُ بَينَ ثَدييهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلى سَيفِهِ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَخَرَج الرَّجُلُ إلى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهَدُ أَنَّكَ رَسولُ الله، قال:” وما ذاكَ “. قال الرَّجُلُ: الذي ذكرتَ آنفاً أنَّه مِن أهل النار، فأعظمَ الناسُ ذلك، فقلتُ: أَنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثُمَّ جُرح جُرحاً شديداً، فاستعجل الموت فَوَضَعَ نصل سَيفِه في الأرض، وذبابهُ بينَ ثَديَيه، ثُم تحامَل عَليه فَقَتل نفسه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ” إنَّ الرجُلَ لَيعمَلُ عَمَلَ أهل الجنة، فيما يَبدو للناس، وهو من أهل النَّار، وإن الرجل لَيَعملُ عَمَل أهل النَّار، فيما يَبدو للناس، وهو من أهل الجنة “[[53]] متفق عليه.
          فهذا رغم جهاده وشدة بأسه في الجهاد .. ورغم ثناء الصحابة عليه بالخير، وأنه من أهل الجنة لما رأوا من ظاهره .. إلا أنه لما أخلّ بشرط من شروط الشهادة؛ فاستعجل الموت، فقتل نفسه بنفسه .. حكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل النار.
          وعن أبي هريرة قال: خَرَجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خَيبر، ففَتَحَ اللهُ عَلَينا، فَلَم نَغنَم ذَهَباً ولا وَرِقاً؛ غَنِمنا المتاع والطعام والثياب، ثُمَّ انطَلَقنا إلى الوادي، ومع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَبدٌ له، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِن جُذَامٍ، يُدعى رِفاعة بنَ زيدٍ مِن بني الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلنا الوادي قَامَ عبدُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَحُلُّ رَحِلَهُ فَرُمِيَ بسهمٍ، فكان فيهِ حَتفُهُ، فَقُلنا: هَنيئاً له الشهادةُ يا رَسولَ الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” كَلاَّ، والذي نفس محمد بيدِه! إن الشَّملَةَ لتَلتَهِبُ عَلَيه نَاراً أخّذها من الغنائم يوم خَيبر لَم تُصِبها المقاسِمُ ” مسلم.
          فهذا رجل قد أفسد على نفسه الشهادة بشَملة غلَّها من الغنائم .. ولم يكن الصحابة يعرفون عنه ذلك، إلى أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
          وفي الحديثين الآنفي الذكر أعلاه أن الحكم على المعين بأنه شهيد كالحكم عليه بأنه في الجنة، ومن أهل الجنة، لذا جاء جواب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه في النار، وأن الشَّملَة التي غلَّها تلتهب عليه ناراً، ولم يقل لهم: لا؛ ليس شهيداً .. لأنه ليس كل من لم يكن شهيداً يلزم أن يكون في النار أو من أهل النار، لكن كل من هو في النار يلزم منه أن لا يكون شهيداً .. فالجواب أنه في النار، أو أنه يُعذَّب بالنار .. يلزم منه نفي الاثنين معاً: الشهادة، وأن يكون في الجنة أو من أهل الجنة، وهذا النفي لا يُحمَل مطلقاً على التأبيد .. من دون النظر إلى القرائن الشرعية الأخرى التي توضح المراد منه.   
وكذلك فقد تقدم معنا الحديث الدال على أن من الناس من يُجاهد نفاقاً ـ ومن ينضم إلى قوافل المجاهدين ليتجسس عليهم وعلى عوراتهم لصالح العدو ـ وأن السيف لا يمحو النفاق، والنفاق مقره القلب لا يعلمه إلا الله.
ومنها: أن الحكم على معين بأنه شهيد ومن أهل الجنة فيه تزكية على الله، والله تعالى يقول:) فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (النجم:32.
فهذه الأوجه مجتمعة هي التي تمنع من أن يحكم على معين بأنه شهيد .. فإن قيل: بما نحكم على قتلانا إذاً .. وما هو التعبير الصحيح بحقهم؟
أقول: فإن كان لا بد من أن نشير إلى شخص معينٍ بالشهادة .. فنقول: نحسبه شهيداً ولا نزكيه على الله .. نرجو أن يكون شهيداً .. نسأل الله تعالى أن يجعله من الشهداء .. ومع الشهداء .. ولا نجزم، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” من كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقلْ: أحسبُ فلاناً، والله حَسيبُه، ولا أزكي على الله أحداً؛ أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه ” متفق عليه.
أما إن كان الحكم عاماً مجملاً لا على التعيين؛ لا حرج حينئذٍ من أن يطلق حكم الشهادة على مجموع قتلى المسلمين؛ فيُقال: قتلى المسلمين الذين قاتلوا في سبيل الله في فلسطين .. أو أفغانستان .. أو الشيشان .. أو العراق .. أو الصومال .. هم شهداء .. أو يُقال شهداء معركة كذا وكذا .. أو قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار .. فهذا الإطلاق العام المجمل .. لا حرج فيه لورود النص الدال عليه، ولغياب المحاذير الآنفة الذكر أعلاه الخاصة في الشخص المعين عندما يُحكمُ عليه بأنه شهيد.
قال ابن حجر في الفتح 6/106: وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحدٍ بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يُقال ذلك على طريق الإجمال ا- هـ.
ثم اعلم أن الحكم لله الواحد الأحد، كما قال تعالى:)  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ (يوسف:40. ليس لأحدٍ سواه؛ فمن حكم الله عليه بأنه شهيد فهو الشهيد .. ولو أطبق أهل الأرض كلهم على وصفه بخلاف ذلك لما تغير من الحقيقة شيئاً .. ومن يحكم الله تعالى عليه بأنه ليس بشهيد أو أنه في النار .. فهو في النار .. ولو أطبق أهل الأرض كلهم على وصفه بأنه شهيد .. وأنه بطل .. وأضفوا عليه الأوسمة والألقاب .. لما تغير من الحقيقة شيئاً.
وبالتالي فلا يحزنْكَ وصف الطواغيت الآثمين وأبواقهم وسحرتهم .. وعملائهم .. لقتلى الطاغوت بأنهم شهداء .. وأنهم في الجنة .. وأنهم أبطال ونشامَى .. وقتلى المجاهدين الذين قُتلوا في سبيل الله بأنهم ضالون .. وفي النار .. وإرهابيون .. وتكفيريون .. وغير ذلك من الألقاب التي ابتدعوها من عند أنفسهم الأمارة بالسوء .. فحكمهم هذا مردود عليهم .. لا قيمة ولا أثر له، وهو لا يغير من الحقيقة شيئاً.
تأمل قصة حبيب النجار الذي ورد ذكره في سورة ياسين .. فبعد أن صدع بالحق في وجوه الملأ من قومه الكافرين .. ودعاهم إلى الإيمان بالله تعالى .. واتباع المرسلين .. قاموا عليه قَومَة رجل واحد .. فضربوه، ورجموه، وحرَّقوه .. ووطئوه بأقدامهم .. وتفنَّنوا في تعذيبه وقتله .. حتى قيل أن أمعاءه قد خرجت من دبره … وهم في غيهم وحقدهم وفرحهم هذا .. وبعد أن خرجت الروح من جسدها إلى بارئها .. قال تعالى ـ مباشرة، وفي الحال ـ:) ادْخُلِ الْجَنَّةَ (؛ أي أنت شهيد .. لا عليك .. قد فزت بالشهادة ونعيمها وكراماتها .. ولا يضرنَّك ما يفعله المجرمون بجثتك .. ولا استهزائهم بك .. ولا شتمهم لك .. قال حبيب النجار ـ بعد أن دخل الجنة، وبعد ما رأى من الخيرات والمسرات والكرامات، وقومه لا يزالون يلهون بجثته، ويمثلون بها، وينفثون أحقادهم فيها ـ:) يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (؛ فيقلعوا عن غيهم وضلالهم وكفرهم ويؤمنوا بما آمنت به! 
المسألة الثانية: يوجد فرق بين تمني الشهادة، وأن يُحدّث المرء نفسه بالشهادة، وأن يسأل الله تعالى أن يختم حياته بشهادة في سبيله خالصة لوجهه الكريم، وبين استشراف مظان الموت والهلكة ـ من غير مصلحة راجحة ـ لنيل الشهادة .. واستعجالاً في طلب الشهادة. فالأول جائز والآخر لا يجوز .. وكثير هم الذين يخلطون بين الأمرين!
تمني الشهادة .. وأن يُقتل المرء في سبيل الله .. وارد ومشروع، ينبغي لكل مؤمن أن يحرص عليها، ويحدث نفسه بها، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” والذي نفسي بيده، ودَدتُ أنِّي أقاتلُ في سبيلِ الله فأقتَل، ثم أحيا ثم أقتَلُ، ثم أحيا ثم أقتَلُ، ثم أحيا ثم أقتَل، ثم أحيا ” فكان أبو هريرة يقولُهنَّ ثلاثاً، أشهدُ بالله. متفق عليه.
وفي رواية لمسلم:” والذي نفس محمد بيده! لوددتُ أن أغزوَ في سبيل الله فأُقتَل، ثم أغزو فأُقتَل، ثم أغزو فأُقتل “.
وقال صلى الله عليه وسلم:” ولأنْ أُقتَلَ في سبيلِ الله، أحبُّ إليَّ من أن يكون لي أهل الوبَرِ والمَدَر “[[54]].
بينما استشراف مظان الموت والهلكة .. من غير مصلحة راجحة .. استعجالاً في طلب الشهادة .. فهذا قولاً واحداً لا يجوز؛ ومثاله: من يستهين بأمنياته .. وبالأسباب .. فيكشف نفسه وصدره .. لسهام وذخائر العدو ليقتلوه ـ وهو لا يزال في أول عطائه ـ  فيصبح صيداً سهلاً للعدو .. وما أفرحهم بمثل هذا النوع من الصيد السهل .. أو أن يقتحم مواقع وطرق الهلكة .. من غير ضرورة .. ولا مصلحة راجحة .. وإنما حمله على فعل ذلك قلة الصبر، والاستعجال في طلب الشهادة .. أو أن يفجر نفسه بنفسه ـ كما في العمليات المسماة خطأ بالاستشهادية! ـ من غير نكاية تُذكر في العدو .. استعجالاً في طلب الشهادة .. وكأقصر طريق ـ كما يزعمون ـ إلى الجنة .. فهذه الصور ومثيلاتها كلها لا تجوز، وهي منافية للنصوص التي تُلزم بالأخذ بالأسباب والإعداد على قدر الطاقة والاستطاعة، كما قال تعالى:) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (الأنفال:60. وقال تعالى:) وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة:195. وقال تعالى:) وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (النساء:29.
وقال تعالى:) وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ (النساء:102. هذا التشديد في أخذ الحذر .. وتكرار الأمر بأخذ الحذر .. كل ذلك حتى لا يُصبح المسلم المجاهد صيداً سهلاً للعدو ) فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً (.
ثم أن عقيدة التوكل على الله .. وعقيدة أن الله تعالى ناصر من ينصره .. لا تمنع من الأخذ بأسباب النصر والظفر .. أو أن يأخذ المؤمنون حذرهم عند مواجهة أعدائهم.
فإن أهمل المرء هذا التوجيه الرباني .. فلم يأخذ بالحذر .. استعجالاً على الله تعالى في طلب الشهادة .. فهو آثم .. وممن ألقوا بأيديهم .. وأنفسَهم بأنفسهم إلى التهلكة!
وقد تقدم معنا قوله صلى الله عليه وسلم:” بادرني عبدي بنفسه، حرَّمتُ عليه الجنَّة ” البخاري. وقد ذكرنا أن الحديث وإن كان له سبب إلا أن العبرة بعموم اللفظ .. فكل من استعجل على الله .. فتسبب لنفسه بالموت عن إهمال أو تقصير أو لسبب كان يمكن له دفعه لو شاء .. لكنه لم يفعل استعجالاً على الله تعالى .. فله نصيب من الحديث أعلاه ” بادرني عبدي بنفسه “.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ؛ إما محسناً فلعلَّه يزدادَ خيراً، وإما مسيئاً فلعلَّه أن يَسْتَعْتِب ” متفق عليه. أي يتوب فيرجع.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ من ضُرٍّ أصابَه ” متفق عليه.
حتى العدو قد نُهينا عن تمني لقائِه .. وقتاله .. فإن حصل اللقاء .. سألنا الله تعالى النصر والثبات، وما ذلك إلا لأن المسلم له رسالة عظيمة في هذه الحياة هي أكبر من أن تُحصَر في استشراف مظان الموت وحسب، كما في الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” أيها الناس لا تتمنوا لقاءَ العدو، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحتَ ظلالِ السيوف ” متفق عليه.
فإن قيل: أين أدلة الانغماس …؟
أقول: أدلة الانغماس حق؛ لكن كلها مقيدة بقيد وشرط أن يرتد انغماس المنغمس في العدو على الإسلام والمسلمين، والجهاد والمجاهدين بمصلحة راجحة .. وكل من قال من أهل العلم بأدلة الانغماس اشترط في انغماس المنغمس أن يرتد انغماسه بالمصلحة الراجحة على الإسلام والمسلمين .. أما القول بالانغماس لمجرد الانغماس .. ولمجرد أن يُقتل المنغمس على يد عدوه من دون مصلحة راجحة .. فهذا لا يقول به دليل صحيح .. ولا عالم معتبر .. والنقل والعقل قد دلا على خلافه.
ثم اعلم أن نفاد الصبر نوعان: نفاد الصبر على الضراء، وما ينزل بالمرء من بلاء .. فيجزع .. فيستعجل على الله تعالى بقتل نفسه .. ونفاد صبر على فراق المحبوب، وما أعده الله تعالى للشهيد من نعيم عظيم ومقيم .. وتحمل ألم الشوق والحنين والفراق .. فيحمل صاحبه على الاستعجال على الله .. فيطلب الموت من غير طرقه الشرعية .. أملاً بأن يحظى بالمحبوب .. وهذا من الجزع والاستعجال على الله تعالى .. وقلَّ من يتنبه له!
كلا الفريقين اشتركا في صفة نفاد الصبر الباعث على قتل النفس .. والاستعجال .. على اختلاف بينهما في السبب الباعث على نفاد الصبر: فالأول نفد صبره على الضراء .. والآخر نفد صبره على فراق المحبوب .. وتحمل مشاق وتبعات طول الانتظار .. لكن كلاهما قد اشتركا في صفة قتل النفس بسبب نفاد الصبر!
وكان أنس رضي الله عنه يقول:لولا أني سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول:” لا تتمنوا الموتَ “، لتمنيت. البخاري. وهو من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .. فكيف بنا في هذا الزمان .. الذي أصبح الناس لما هم فيه من بلاء وضنك في العيش يتمنون الموت ولا يجدونه، كما في الحديث:” لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه ” متفق عليه.
وفي رواية لمسلم:” والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على قبر الرجل فيتمرَّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلا البلاء “.
وهذا مدعاة لمن يتصدرون الفتاوى في هذا الزمان الذي اشتد فيه البلاء ـ والناس في ضنكٍ من العيش .. والقهر والذل .. لا يُطاق .. وقلَّ الصبر، إن لم يكن قد نفد ـ أن يتقوا الله في العباد، وأن لا يجرئوهم على قتل أنفسهم بأنفسهم ـ في عمليات انتحارية محدودة الأثر، غير مأمونة النتائج والضحايا ـ تحت مسميات الاستشهاد .. وما هي من الاستشهاد في شيء، والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد المنعم مصطفى حليمة 
” أبو بصير الطرطوسي ” 
19/11/1432 هـ. 16/10/2011 م 



[1] انظر كلمة ” شهد ” في النهاية.
[2] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع الصغير: 3948.
[3] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الترغيب: 1407.
[4] أخرجه أحمد، والطبراني، وغيرهما، صحيح الجامع: 3950.
[5] صحيح الجامع الصغير: 3953. وذات الجنْب: قال في النهاية: هي الدملة الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب ـ فوق الأضلاع ـ وتنفجر إلى داخل، وقلما يسلم صاحبها “ا- هـ. قلت: ونحوها التورمات السرطانية التي تنتشر داخل الجسد، وتؤدي إلى وفاة صاحبها .. فأرجو أن يكون هذا المرض داخلاً  في معنى ” ذات الجنب “، والله تعالى أعلم.
[6] رواه أحمد والطبراني، صحيح الترغيب: 1394. وقوله ” فأَرَمَّ القومُ “؛ أي سكتوا، وقيل سكوت مع خوف. وقوله ” يقتُلُها ولدها جُمْعاً “؛ أي تموت وولدها في بطنها، فيموتا معاً.   
[7] رواه الطبراني، صحيح الترغيب: 1395.
[8] رواه أحمد، صحيح الترغيب: 1396. وقوله ” الصابر المحتسب “؛ أي الذي يُقتل في سبيل الله صابراً محتسباً.
[9] رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، صحيح الترغيب: 1398.
[10] قوله ” ومن ماتَ في سبيلِ الله “؛ أي من خرج للجهاد في سبيل الله .. فمات في الطريق .. أو مات بغير سبب القتال، فهو شهيد.
[11] صحيح سنن الترمذي: 1350.
[12] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة: 1504.
[13] صحيح سنن أبي داود: 1286.
[14] أخرجه أحمد، وأبو يعلى، صحيح الترغيب: 1371.
[15] أخرجه الحاكم وغيره، صحيح الجامع: 3675.
[16] أخرجه أحمد في المسند، وقال أحمد شاكر في التخريج 4/47: إسناده حسن.
[17] أخرجه أحمد، أحكام الجنائز، للشيخ ناصر، ص60.
[18] صحيح سنن النسائي: 2950.
[19] صحيح سنن النسائي: 1893- 1894. قلت: سنة دفن الميت حيثما يموت، وفي البلدة التي يموت فيها تشمل الشهيد وغيره، للحديث الذي يرويه عبد الله بن عمرو، قال: ماتَ رجلٌ بالمدينة، ممن ولِدَ بها، فصلى عليه رسولُ الله r ثم قال:” يا ليتَهُ ماتَ بغيرِ مولِدِه “، قالوا: ولِمَ ذاكَ يا رسولَ الله؟ قال:” إنَّ الرجلَ إذا ماتَ بغير مولده، قِيسَ له من مولِدِه إلى مُنقَطَعِ أثَرِه في الجنة ” صحيح سنن النسائي: 1728. وفي ذلك ترغيب على الهجرة والجهاد .. وهذا بخلاف ما جرت عليه عادة الناس في هذا الزمان .. حيث تراهم يتكلفون الأموال الطائلة من أجل نقل موتاهم إلى بلادهم ومسقط رأسهم ليدفنوا فيها .. هذا غير الأذى الذي يسببونه للميت بسبب تأخير دفنه .. ووضعه في الثلاجات لأيام .. وربما لأسابيع .. ثم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً!
[20] صحيح سنن أبي داود: 2690.
[21] أخرجه البغوي في شرح السنة 15/150، وقال: حديث حسن.
[22] صحيح موارد الظمآن: 61.
[23] رواه أحمد، والطبراني، وابن حبان، صحيح الترغيب: 1370. والحديث له تتمة عظيمة سنأتي على ذكرها إن شاء الله.
[24] التخريج السابق أعلاه. وقوله r:” إن السيفَ محَّاءٌ للخطايا ” صيغة مبالغة؛ أي شديد وكثير وسريع المحاء للخطايا.    
[25] صحيح سنن النسائي: 2943. وقوله ” يَلتمسُ الأجرَ والذِّكر “؛ أي خلَط الإخلاص؛ وهو طلب الأجر والثواب من الله تعالى، مع نية أخرى فيها رياء؛ وهو أن يُذكَر من الناس بالشجاعة والبطولة على جهاده، فهذا أيضاً مما يُفسد العمل؛ لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
[26] أخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم، صحيح الترغيب والترهيب: 1329. وقوله عَرَضاً؛ أي قليلاً مما يُقتنى من مال ومتاع الدنيا. وقوله ” يريدُ الجهادَ في سبيلِ الله، وهو يبتغي عرَضاً من الدنيا “؛ أي انطلاقته صحيحة، وغايته صحيحة؛ وهي في سبيل الله .. لكن شابها قصد آخر؛ وهو إرادة عرض من الدنيا الذي يأتي عن طريق الغنائم .. فالغنائم وإن كانت حلالاً لأمة محمد r .. إلا أنها لا يجوز أن تكون هي المقصد أو الغرض من وراء الجهاد في سبيل الله .. كما أنها؛ أي الغنيمة ـ لتأثيرها الخفي على الإخلاص، وإن لم تكن هي المقصد من وراء الغزو والجهاد ـ  تُنقص الثلثين من أجر المجاهد يوم القيامة، كما في الحديث:” ما من غازيةٍ تغزو في سبيل الله فيُصيبون الغَنِيمةَ إلا تَعَجَّلوا ثُلُثَي أجْرِهم من الآخرةِ، ويبقى لهم ُ الثُّلُثُ، وإن لم يُصيبوا غنيمةً تَمَّ أجرُهُم ” مسلم. وهذا كله والغنيمة ليست هي القصد أما إن كانت هي القصد أو كان لها حظ في القصد .. فإن الأجر يبطل كلياً، والعياذ بالله.
[27] أي ليس شيئاً مما تقدم ذكره ـ الذي يُقاتل شجاعة، أو حمية، أو رياءً ـ في سبيل الله،  وصاحبها يستحق صفة المجاهد في سبيل الله، إلا ” مَن قاتلَ لتكونَ كلِمَةُ اللهِ هي العليا، فهو في سبيلِ الله “.
[28] أخرجه الترمذي، وابن حبان، وابن خزيمة في صحيحه، صحيح الترغيب: 22.
[29] رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، صحيح الترغيب: 1332. 
[30] رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي، صحيح الترغيب: 1370. قوله ” قاتلَ في سبيلِ الله “؛ أي خرج وهو كاره ـ وحتى لا يُعرف نفاقه ـ مع المجاهدين الذين خرجوا للقتال في سبيل الله .. فأدركه القتل وهو معهم .. فظاهره أنه يُقاتل في سبيل الله .. بينما حقيقة باطنه الكذب والكفر والنفاق .. ومثل هذا فإن جهاده لا ينفعه .. ولا يمحو عنه وزر النفاق والكفر .. لأنه غير صادق ولا مخلص في جهاده .. ولأن الحسنات يمحين السيئات إلا الكفر والنفاق الأكبر .. فإنها لا تمحه.
[31] صحيح سنن أبي داود: 3987.
[32] صحيح سنن أبي داود: 2289.
[33] أخرجه أحمد، وغيره، صحيح الجامع الصغير: 6378.
[34] أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 828.
[35] صحيح سنن الترمذي: 1838.
[36] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 6445.
[37] أخرجه النسائي، صحيح الجامع: 6446.
[38] أخرجه النسائي وغيره، صحيح الجامع: 6447.
[39] أخرجه مسلم والنسائي، صحيح الجامع الصغير: 6442. الراية العُمِّيَّة: من العمَاء؛ وهي الراية التي لا تُعرَف فيها وجهة الحق من الباطل، ولا تميز بين الحق والباطل، ولا بين ما يجوز وما لا يجوز .. فأصحابها يُقاتلون كالعميان وكحاطب ليل .. لا يميزون ـ في قتالهم ـ بين الحق والباطل .. وهي راية لكل قتال باطل؛ غير مشروع لم يأذن به الله، فكل من قاتل قتالاً باطلاً أو لغرضٍ باطلٍ لم يأذن به الله فهو يُقاتل تحت راية عميَّة جاهلية. والقتال عصبية أو لعصبية؛ هو القتال الذي يكون لذات الشيء ـ من دون الله تعالى ـ في الحق والباطل سواء؛ كمن ينصر قبيلته أو قومَه، أو حزبه أو بلده .. أو حاكمه .. في الحق والباطل سواء؛ لأنها قبيلته أو بلده أو أنهم من بني قومه، وحزبه .. أو لأنه حاكمه .. فهو ينصرهم لذواتهم؛ لأنهم هم هم .. وليس لأنهم على الحق تجب نصرتهم شرعاً!
[40] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، السلسلة الصحيحة: 2244. 
[41] رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد، وأبو يعلى، صحيح الجامع: 3740.
[42] رواه الطبراني، وغيره، صحيح الترغيب: 1377.
[43] رواه أبو داود، والحاكم، صحيح الترغيب: 1379. وفي معنى ” ينكلوا ” قال المنذري: أي يجبنوا ويتأخروا عن الجهاد. وقوله ” لما أُصيب إخوانكم “؛ المراد منهم القرَّاء السبعون من الأنصار الذين قُتِلوا غدراً ببئرِ معونة؛ على يد من ذهبوا معهم ليعلموهم القرآن!
[44] صحيح سنن ابن ماجه: 2257. والفزع الأكبر؛ يوم بعث الناس من القبور للحساب. وقيل: يوم يُعرض الناس على النار، ويُذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.
[45] رواه أحمد والطبري، صحيح الترغيب: 1374.
[46] أخرجه ابن حبان، صحيح الجامع: 3747.
[47] أخرجه النسائي وغيره، صحيح الجامع: 3746.
[48] أخرجه الطبراني في الأوسط، صحيح الجامع: 3745.
[49] أخرجه الطبراني في الكبير، السلسلة الصحيحة: 1742.
[50] رواه النسائي، صحيح الترغيب: 1380.
[51] رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد، صحيح الترغيب: 1387.
[52] رواه أحمد، والطبراني، وابن حبان، صحيح الترغيب: 1370. وقوله ” الشهيدُ الممتَحَنُ “؛ أي المُنقَّى والمُصفَّى والمُهذَّب من كلِّ آثار الخطايا. وقوله ” فَرِقَ على نفسه “؛ أي خاف على نفسه من ذنوبه وخطاياه. وقوله ” قتلك مُمَصْمِصَةٌ “؛ قال المنذري في الترغيب:” هي الممحِّصة المكفّرة “. قلت: والحديث فيه فوائد عدة، منها: أن الحسنات ـ وبخاصة منها حسنات الجهاد ـ يذهبن السيئات، وأن لحسنة الجهاد أثر عظيم في زوال الذنوب وآثارها، دلَّ على ذلك قوله r:” إن السيفَ محَّاءٌ للخطايا “. ومنها: أن من كان من ذوي الجهاد والبلاء في الله ينبغي أن يتوسع له في التأويل عند ورود العثرات والكبوات، والشبهات. ومنها: أن حسنة الجهاد مهما عظمت فإنها لا تنفع صاحبها إن كان قابعاً على النفاق أو الكفر والشرك؛ فالشرك يُحبط العمل كله، ويحرم صاحبه من الانتفاع بشيء من حسناته يوم القيامة، بما في ذلك حسنة الجهاد، كما قال تعالى:) وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام:88. وقال تعالى:) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الزمر:65. وقال تعالى:) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (الفرقان:23. وفي ذلك عِظة لأولئك الذين ينطلقون للجهاد ولم يحققوا التوحيد في أنفسهم .. ولم ينخلعوا ويتبرأوا من الشرك وعبادة الأوثان والطواغيت بعد!
   
[53] قوله ” شاذَّةً ولا فاذَّةً “، قال ابن حجر في الفتح 7/540: الشاذَّة ما انفرد عن الجماعة، وبالفاء مثله ما لم يختلط بهم، والمعنى أنه لا يلقى شيئاً إلا قتله، وقيل المراد بالشاذ والفاذ ما كبر وصغر، وقيل الشاذ الخارج والفاذ المنفرد ا- هـ.
[54] صحيح سنن النسائي: 2900.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*