جديد الموقع

إلى الذين يكثرون من جلد تاريخهم الإسلامي تحت عنوان وزعم إنكار الاستبداد!

        فريق منا ــ لغرضٍ في نفسه، وبعضه مفتون بالديمقراطية المعاصرة ــ يُكثر من جلد النظام السياسي الذي عُرف عبر التاريخ الإسلامي، بعد الخلفاء الراشدين، من العهد الأموي، مروراً بالعهد العباسي، وانتهاء بالعهد العثماني .. على اعتبار أنه كان نظاماً مستبداً عائلياً وراثياً .. وأن الاستبداد ليس من ديننا .. ويعتبره مشكلة المشكلات، وآفة الآفات، والإثم الذي لا يعلوه إثماً إلا الشرك!

        ولهؤلاء نقول: هوناً ما؛ أمّا أن الاستبداد السياسي ليس من ديننا فهذا صحيح .. ولكن عندما نريد أن نقاضي التاريخ الإسلامي، ونشتغل قضاةً على الأئمة والخلفاء الذين حكموا المسلمين عبر التاريخ الإسلامي المديد من بعد الخلفاء الراشدين المهديين، حتى مرحلة سقوط ونهاية الخلافة العثمانية .. ومن ثم نلتزم جادة العدل والحق في حكمنا، لا بد من أن نضع في أذهاننا الاعتبارات التالية:

        أولاً: أن الأرض كلها؛ بما في ذلك بلاد الفرس، والروم، والقبائل العربية، والأعجمية كانت محكومةً من قبل استبداد العائلة، التي تتوارث الحكم والملك .. وكانت الشعوب ــ بما فيها الشعوب العربية ــ تنقاد لنظام حكم العائلة أكثر من غيره من الأنظمة، وينتظم عقدها، ويتحد شملها، ويستقر أمنها تحت حكم العائلة أكثر من غيره من النظم .. بل لم تكن وقتئذٍ نظم معلومة وحاكمة غير النظم الملكية الوراثية.

        حتى في زماننا المعاصر كثير من الدول والمجتمعات تفضل حكم العائلة الملكية الوراثية، وتنقاد له، ما لا تنقاد لغيره من الأنظمة، وتجد فيه من العدل، والرحمة، والأمن والاستقرار لحياتها ما لا تجده في الأنظمة الجمهورية الشمولية .. حتى أن من الدول الأوربية والأسيوية الديمقراطية، لا تزال إلى يومنا هذا تحتفظ للعائلة المالكة فيها حقها ومكانتها، وخصائصها في الحكم، حيث ترى فيها صمام أمان من غلواء وطيش الأحزاب .. وصّمام أمان لوحدة البلاد .. علماً أن كثيراً من هذه العوائل المالكة لها تاريخ عريق قديم في الظلم والاستبداد!

        ثانياً: في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين .. كانت المدينة المنورة ومن فيها، لمكانتها الرفيعة العظيمة، ومكانة من فيها من عظماء وكبار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، كانوا بمقدورهم أن يحسموا تعيين الخليفة الحاكم عن طريق الشورى بين المسلمين ممن هم في المدينة، خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام، والمسلمون في بقية الأمصار ــ لمكانتهم العظيمة، وسبق صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ــ يدينون لاختيارهم الموفّق بالسمع والطاعة والولاء.

        هذه الخاصية، والمركزية للمدينة المنورة ضعفت بعد الخلفاء الراشدين .. حيث انتشر الصحابة وذووا النفوذ ــ من أهل الحل والعقد ــ في كثير من الأمصار .. بحيث لم يعد بمقدورها منفردة، ولا أي مصر من أمصار المسلمين العديدة، والمتباعدة الأطراف، أن يحسم منفرداً مسألة تعيين الإمام العام الخليفة على المسلمين وبلادهم عن طريق الشورى بين المسلمين .. وبالتالي فإن دولة الإسلام الشاسعة المترامية الأطراف، كانت بين خيارين: إما أن يختار الخليفة شورة بين المسلمين في جميع أمصارهم .. وهذا يستغرق وقتاً طويلاً ــ ربما أشهراً ــ وبخاصة مع فقدان وسائل التواصل والاتصالات السريعة .. وهذا يعني تهديداً صريحاً لأمن ووحدة بلاد المسلمين، يُفضي إلى تقسيم البلاد، وقيام إمارات متفرقة متنازعة!

        الخيار الآخر: أن تنحصر قيادة الدولة الإسلامية في عائلة معروفة، كالعائلة الأموية، أو العباسية، أو العثمانية .. يسهل فيها اختيار الخليفة الحاكم، بوقت وجيز جداً، تؤمَن معه فتنة فرط عقد المسلمين، وتقسيم دولتهم، وتتحقق معه وحدتهم ووحدة كلمتهم، وأراضيهم مهما اتسعت رقعتها .. وهذه مصلحة راجحة لا يُستهان بها، عندما تُقارن بمفسدة الاستبداد، ترجح عليها .. وهي التي حملت معاوية رضي الله عنه على أن يجعل الحكم ملكياً وراثياً من بعده.

        والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن دولة الإسلام ستتسع رقعتها، ويتمدد سلطانها إلى أن يُصبح الحكم فيها ملكاً عضوداً وراثياً، وقد أشار إلى ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “أولُ ما يُغَيِّرُ سُنَّتِي رجلٌ من بني أُمَيَّةَ” السلسلة الصحيحة:1749. قال بعض أهل العلم: هو معاوية فكان أول من غير سنة النبي صلى الله في الحكم القائم على الشورى، إلى الحكم الملكي الوراثي، لكن كان حكمه ملكاً ورحمة، كما في الحديث الآخر: “أوَّلُ هذا الأمرِ نُبوَّةٌ ورحمةٌ، ثمَّ يكونُ خلافةً ورحمةً، ثمَّ يكونُ مُلكًا ورحمةً، ثمَّ يتكادمون عليه تكادُمَ الحُمُرِ ..” السلسلة الصحيحة:3270. فقوله “ملكاً ورحمة” يراد به معاوية رضي الله عنه، وكل ملك جاء من بعده، كان في حكمه رحيماً رفيقاً بالمسلمين، قريباً من سيرة الخلفاء الراشدين.

        وقال صلى الله عليه وسلم: “تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ . ثم سكت . . ” أخرجه أحمد، وغيره.

        وقوله “ملكاً عاضّاً“؛ أي ملكاً شديد الحرص على الملك والحكم، كالعاض عليه، يحمله على التعسف والظلم. أما “الملك الجبري“؛ هو النظام والملك الذي يجبر الناس ويكرههم على ما لا يريدون، ولا يحبون بالظلم والقهر والبطش، فيتسلّط بالجبروت!

        ثالثاً: أن مع هذا الاستبداد في نظام الحكم، تحققت مصالح عظيمة للإسلام والمسلمين؛ من فتوحات، وأمنٍ وأمان، ودعوة إلى الإسلام، ونشر للعلوم النافعة بين الناس .. فدخلت الشعوب في الإسلام أفواجاً وطواعية .. وكثير من الخلفاء كانوا يتسمون بالرحمة، والتقوى، والصلاح والجهاد، فعمرت بهم البلاد، وسعدت بهم العباد .. وهذا جانب لا ينبغي أن نغفل عنه عندما نريد أن نحاكم ونقاضي التاريخ!

        ولو كانت الأمور في ذلك الوقت على طريقة الديمقراطية المعاصرة، كما يريد هؤلاء الناقمين على تاريخهم، لربما كان أحدهم اسمه حنّا، أو طنوس، أو جورج .. أو ربما كان ينتمي إلى حركات القرامطة الباطنيين الملعونين .. فليحمد الله على نعمة الإسلام، حتى لو وصل إليه عن طريق الاستبداد السياسي!

        رابعاً: ما تقدم أعلاه لا يعني أنني أشرعن للاستبداد، لا؛ وإنما أردت منه أن أحمل هؤلاء النّاقمين على تاريخهم على الاعتدال، وأن يحسنوا قراءة التاريخ جيداً، ويحسنوا التأويل لتلك الحقبة الماضية، كما يحسنوا التأويل لكثير من خلفاء وأئمة المسلمين، الذين يشهد لهم العدو بالعدل، والرحمة، والتّقدم، قبل الصديق.

7/1/2017

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*