جديد الموقع

آية توضَع في غير موضعها [فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ]

بسم الله الرحمن الرحيم
          قال تعالى: [وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] الحجرات:9.
          جرت العادة عند بعض الفصائل الشامية ــ كما هو حاصل الآن في الغوطة الشرقية ــ إذا تقاتل فصيلان .. تداعى شيوخ كل فصيل ليحكم على الفصيل الآخر بأنه هو الظالم الباغي، وأن فصيله هو المظلوم المبغى والمجني عليه .. ثم يقومون بتعبئة عناصر الفصيل على قتال الفصيل الآخر .. مستدلين بالآية الكريمة الواردة أعلاه [فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي]، فيفني الفصيلان بعضهما البعض، وبخاصة إن كانا متكافئان في القوة، كما هو الحال بين جيش الإسلام، وفيلق الرحمن …!

          وفي أحسن الأحوال ــ بل وأسوأها وأشدها وأنكاها ــ عندما يقوم شيوخ كل فصيل ــ تعصباً لفصيلهم ــ بإقناع واستعطاف من يستطيعون إقناعه من الفصائل الأخرى بأن فصيلهم هو الفصيل المظلوم المبغي عليه .. عساها تقف بجواره ومعه ضد الفصيل الآخر الذي أيضاً قد يجد من ينصره ويؤازره من الفصائل المسلحة .. فيكون القتال حينئذٍ بين فصائل، وفصائل .. إلى أن تتقاتل فصائل الثورة بعضها مع بعض، وتفني بعضها بعضاً .. فيضيعون وتضيع بضياعهم الثورة وأهدافها .. ويمكنون للنظام النصيري المجرم من رقابهم ورقاب ذويهم، ومن يُقاتلون دونهم من مسلمي ومستضعفي أهل الشام .. ويا لفرحة، وشماتة العدو بهكذا نتيجة!
          ثم هم بعد كل ذلك تراهم يستدلون زوراً وجهلاً على فعالهم الخاطئة بالآية الكريمة الواردة أعلاه [فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ..]، وعلى مبدأ وطريقة عليهم يا عرَب …!!
          وهذا فهم خاطئ وظالم للآية الكريمة، وذلك من أوجه:
          أولها: أن الطائفتين أو الفصيلين المتقاتلين هما خصمان لبعضهما البعض .. والخصم لا يُرجى منه إنصاف خصمه .. كما لا يجوز لأحدهما أن يكون خصماً وحكماً في آنٍ معاً .. لذا لتحديد الباغي منهما، وما له وما عليه، لا بد من تشكيل هيئة قضائية مستقلة عن أطراف النزاع يكون قراراها ملزماً ومحترماً، تحكم في المتنازعين، وتنظر في دعاويهما .. وتبين مَن الظالم الباغي منهما، ومن المظلوم.
          وسبب نزول الآية الكريمة يزيد هذا المعنى وضوحاً، أخرج أحمد وغيره، عن أنسٍ قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم، لو أتيت عبد الله بن أبي ــ رأس النفاق ــ؟ فانطلق إليه نبي الله صلى الله عليه وسلم وركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك “، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم: [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا].
          قال ابن كثير في التفسير: وذكر سعيد بن جبير:” أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر بالصلح بينهما “. فكان الحكَم والمصلح هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس أحداً من طرفي النزاع.  
          ثانيها: الخطوة الثانية تكون بتحقيق [فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا]، وذلك بحمل الطائفتين المتنازعتين على النزول عند حكم الله تعالى والرضى به .. وبيان ما لهما وما عليهما .. وهذه الخطوة ” الإصلاح ” ينبغي أن تُعطى حقها من حيث الوقت، وإفراغ الجهد .. فإن أبت الطائفتان التوقف عن القتال، والانصياع لحكم الله تعالى .. تكون حينئذٍ الطائفتان باغيتان .. فإن رضيت ووافقت إحداهما على النزول والرضى بحكم الله تعالى .. والأخرى أبت إلا أن تستمر في القتال .. تكون الأخرى حينئذٍ هي الفئة الباغية.
          أي أن تحديد الفئة الباغية لا يكون خلال تقاتل الطائفتين .. وقبل الإصلاح .. لا؛ وإنما يكون بعد تشكيل قضاء مستقل .. وبعد الإصلاح بينهما .. وإفراغ الجهد والطاقة في الإصلاح .. والتي تأبى الإصلاح، والقبول بحكم الله .. تكون حينئذٍ هي الفئة الباغية .. ويكون بغيها بسبب عدم توقفها عن القتال، وعدم إجابتها لحكم الله وأمره، واستمرارها بالعدوان.
          قال ابن جرير في التفسير: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل [فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى]  يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلاً بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما [فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي]  يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله ا- هـ. 
          ثالثها: بعد أن يتحدد الباغي منهما، باستمرار عدوانه، وعدم انصياعه لحكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم .. تأتي مرحلة قتالها .. لكن من الذي يقاتلها؟ 
          يقاتلها طرف ثالث متمثل بالإمام أو الحاكم المسلم المتنفذ ومعه جميع المؤمنين .. أو من ينوب عنه، من ذوي الشوكة والمنعة ممن يقدرون على إيقاف الباغي عن بغيه، وأطره إلى الحق بأقل مفسدة من مفسدة بغي الباغي ذاته .. وقولي: بأقل مفسدة من مفسدة بغي الباغي ذاته .. هو شرط .. وإلا نكون ممن يزيل مفسدة صغرى بمفسدة كبرى .. وضرر أصغر بضرر أكبر، وهذا بخلاف ما يقضي به النقل والعقل.
          أخرج ابن جرير الطبري في التفسير بسنده، عن ابن عباس رضي الله عنه قال:” فإن الله سبحانه أمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله.
          وقال ــ أي ابن جرير ــ: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هذا أمر من الله أمر به الوُلاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس، وأمرهم أن يصلحوا بينهما، فإن أبوْا قاتلوا الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، فإذا رجعت أصلحوا بينهما، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة، فأصلحوا بين أخويكم.  قال: ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام ا- هـ.
          فتأمّل قول ابن عباس:” فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم “. وقول ابن زيد:” ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام “. وهذا حق لأنه لو استشرف العامة وكل أحد لقتال الفئة الباغية من غير سلطان ولا شوكة .. لزاد الطين بلة .. وتعدد البغي والبغاة .. وتشعبت الأهواء والأغراض .. ولربما أصبحنا أمام بغاة وطوائف باغية .. وليس طائفة واحدة.
          لكن نقول: في حال عدم وجود الإمام العام، ووجود من ينوب عنه من ذوي الشوكة والمنعة .. وكان قادراً على إيقاف مفسدة بغي الباغي من غير مفسدة .. أو بمفسدة أو ضرر أقل من مفسدة وضرر الباغي .. فهذا وجه جائز .. تؤيده وتقره نصوص الشريعة التي جاءت بدفع الضرر والأذى قدر المستطاع، كما قال تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] التغابن:16.
          وقال صلى الله عليه وسلم:” فإذا أمرتُكم بشيٍء ــ وفي رواية: بأمرٍ ــ فأتوا منهُ ما استطعتم ” متفق عليه. وحدود الاستطاعة أن لا يؤدي إزالة المنكر إلى منكر أكبر، ولا إزالة الضرر إلى ضرر مثله أو أكبر، ولا إزالة المفسدة بمفسدة مثلها أو أكبر منها .. فالضرر ــ وكذلك المنكر ــ عندما يُزال بلا ضرر، أو بضرر أقل .. ومفسدة أقل، لا خلاف على مشروعية زواله.
          رابعها: فإن فاءت وعادت الطائفة الباغية إلى رشدها، فأوقفت عدوانها، ورضيت بحكم القضاء الشرعي والمستقل .. هنا يتوجب وقف قتالها مباشرة .. والعودة بها والطائفة الأخرى إلى الخطوة الأولى من جديد وهي الإصلاح بالعدل، كما قال تعالى: [فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]. فالقتال لم يُشرع لذاته أو للثأر والانتقام، لا؛ وإنما لحمل الطائفة الباغية على أن توقف بغيها، وترضى بحكم القضاء الشرعي والمستقل .. فإن تحقق هذا الغرض .. تعين وقف القتال ولا بد.
          وقوله تعالى: [بِالْعَدْلِ] ؛ لأن العدل تطيب به النفوس، وتذهب الأحقاد والضغائن، ويأخذ كل طرف حقه من غير أن يكون ظالماً ولا مظلوماً.
          وخلاف العدل، الظلم .. والصلح بالظلم؛ يعني بقاء أسباب النزاع والاقتتال قائمة .. ويعني بقاء جذور المشكلة .. وأن تبقى النفوس مشحونة بالأحقاد والكراهية .. والشعور بالغبن والظلم .. مستعدة للانقضاض من جديد عندما تتوفر الظروف المواتية .. وهذا وصف لا ينهي المشكلة .. وإنما يبقيها قائمة وقابلة للاشتعال في أي وقت آخر تتوفر فيه الظروف المناسبة .. وهو مالا يحبه الله تعالى ولا يرضاه [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]. 
          ــ تنبيه هام: بقي أن نشير إلى أمرٍ هام؛ وهو في حال قتال الفئة الباغية من قبل الحاكم المتنفذ، أو من ينوب عنه من ذوي الشوكة والمنعة .. في دار الحرب .. وكان العدو الأكبر والأخطر والأشد ظلماً وكفراً، محدقاً بالديار، وعسكر المسلمين .. وسيستفيد من هذا التقاتل الداخلي بين المسلمين .. وبطريقة قد تؤدي إلى استيلائه على الديار، واستئصال عسكر المسلمين ومن وراءهم من المستضعفين .. كما هو الحال في مثال الغوطة الشرقية .. ففي هذه الحالة الفقه يقضي بإيقاف وتأجيل قتال الفئة الباغية إلى أن تتوفر الظروف المواتية، والتي تسمح بهكذا عمل بأقل ضررٍ ممكن .. ومن دون احتمال وقوع المخاطر والأضرار الآنفة الذكر أعلاه. 
          فمن أهل العلم من نقل الإجماع على أن الحدود الشرعية لا تُقام في دار الحرب خشية أن يفر المحدود إلى العدو المحارب، فيفتتن في دينه .. وحتى لا يتقوى به العدو على قتال ومحاربة المسلمين .. فيكون تأجيل قتال الفئة الباغية .. دفعاً للمحظور المشار إليه من باب أولى.
          قال القرطبي في التفسير:” لو أن علياً تعاطى القود منهم ــ أي من قتلة عثمان رضي الله عنه ــ لتعصبت لهم قبائل وصارت حربا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق، ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة “ا- هـ.
          فإذا كان الخليفة العام لجميع المسلمين ــ كما يقول القرطبي ــ  يجوز له أن يؤجّل القصاص، وقتال الفئة الباغية، إلى حين آخر يراه مناسباً أكثر .. إذا كان تنفيذ القصاص أو قتال الفئة الباغية سيترتب عليه فتنة، وتشتيت الكلمة، وتفريق الصف .. فمن باب أولى في مثالنا في الغوطة الشرقية ــ مع غياب الإمام أو الحاكم العام ــ أنه يجوز ذلك، بل يجب .. دفعاً للفتنة، والإنهيار، وضياع البلاد والعباد في قبضة الطاغوت، ونظامه النصيري المجرم.  
          هكذا نفهم الآية الكريمة الواردة أعلاه .. وهكذا ينبغي أن نفهمها ونتعامل معها .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
15/5/2016
www.abubaseer.bizland.com

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*