جديد الموقع

فَنُّ البِرِّ

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وبعد.
          عندما يبلغ الأبوان الكِبر؛ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا .. ويضعف عظمهما عن خدمة أنفسهما بأنفسهما .. هنا لا يكفي بحقهما البر وحسب، كما أن الابن البار لا يرضى بأن يقتصر عمله على البر أو الخدمة وحسب .. وإنما يتفنّن في البر، فيبدع صوراً من البر والإحسان، قد لا يتنبّه لها من يقتصر عمله على مجرد البر، الذي يقدمه كل ولد بار لوالديه أو أحدهما.

          فمن صور هذا التفنّن والإبداع في الإحسان والبر .. عندما تتعامل مع أمك الطاعنة في السن مثلاً:
          1- أن تتعرّف على حاجتها، قبل ومن دون أن تسألها .. من خلال دِقة المراقبة، والملاحظة .. والتعرف على النواقص .. فإن من الأمهات ــ حياء أو رفقاً بالأبناء، ودفعاً للحرج ــ من يمتنعن عن الإعراب عن حاجياتهن .. فضلاً عن المطالبة بها.
          2- أن تشعرها أنها هي صاحبة الفضل دائماً .. حتى وأنت تقوم بخدمتها .. فالشكر لله أن أمد بعمرك، لخدمتها .. والشكر لها موصول أن سمحت لك أن تخدمها، وتدنو منها.   
          3- أن تتعرّف إلى أحب العبارات إلى نفسها .. فتخاطبها بها .. وتمازحها بها.
          4- أن تملئ أذنيها بالمدح، والإطراء المباح .. كقولك لها: يا أحلى أم في العالَم .. ويا أجمل أم في العالَم .. يا ست الحبايب، وست الكل .. وتظهر إعجاباً كبيراً بمشيتها وهي تجر برجليها على الأرض، وتتكئ على عكازتها.
          5- أن تتعرّف إلى ما تكره من العادات، والسلوكيات ــ حتى لو كانت مباحة ــ فتجتنبها أمامها .. وتجتهد أن لا تريها ــ أو تسمعها ــ شيئاً من ذلك.
          6- أن تريها من نفسك ما تُحِب ــ هي ــ من لباس، أو زينة مباحة .. ونحو ذلك.
          7- أن تَطعم الطعام معها بين الفينة والأخرى .. وحيثما هي تحب .. واحذر أن تشعرها أنك تنظر إليها وهي تأكل أو تشرب .. فهذا قد يحرجها!
          8- وأنت تؤاكلها، تجتهد بلطف أن تقرّب لها البعيد من الطعام .. وتسهل عليها الصعب منه .. من دون أن تشعرها أنك تراقبها.
          9- لا تغفل عن مسح ما يتبقى من فضلات طعامها .. ومن ثم أكله .. بعد استئذانها .. فهذا يفرحها .. ويشعرها أنها، نظيفة، لا يأنف من فضلاتها أحد .. والأعظم من هذا أن تتناول فضلاتها بملعقتها.
          10- إياك أن تأكل لقمة تشعر أن أمك تحبها، ونفسها فيها ..!
          لكن أحياناً الأم ــ كعادتها ــ تؤثر ولدها على ما تُحب .. فتدفع له تلك اللقمة أو أفضل ما تحب وتشتهي من الطعام .. وهذا موقف محرج للإبن أو البنت .. فماذا أنت صانع؛ إن أكلتَ ما قدمَت لك، تكون قد أكلتَ ما تشتهي أمك وتحب .. وإن رددتَ ما قدمَت لك .. فقد تحزنها .. وتظهر في موقف كمن يرد عطيتها، وهديتها ..؟!
          الأم تريد أن تمارس دورها المعتاد كأم عطوف ومعطاءة حتى في أشد لحظات ضعفها .. والولد يريد أن يبر أمه فلا يتناول ما تحب وتشتهي .. فكيف المخرج .. إنه حقاً لموقف محرج .. وقد حصل ذلك معي أكثر من مرة .. فكنت ــ بفضل الله ــ أنهي الموقف بأن أقسم “اللقمة” إلى نصفين: نصف أطيّب بها نفسها فآكله، ونصف تُطيب هي نفسي فتأكله .. فيتحقق بتلك القسمة المطلوب، والخيرين معاً .. والحمد لله رب العالمين.
          11- إن نزل بك عسر، أو ضيق، أو فقر، أو بلاء .. فاجتهد ما استطعت أن لا تشعرها به .. فإن ذلك يحزن قلبها عليك .. ويُضاعف همها .. ثم هي قد تمتنع عن الاستعانة بك فيما هي تحتاجه حاجة ماسة .. على اعتبار أنك مبتلى .. أو مريض .. أو فقير .. لا تريد أن تتثاقل عليك .. فتزيد من فقرك، وبلائك. 
          أشعرها دائماً أنك لأجلها ميسور .. وفي صحةٍ جيدة، وظرفٍ يسمح لك أن تلبي حاجياتها، وطلباتها في أي وقت هي تشاؤه أو تحتاج فيه.
          12- إن جالستها، فلا تقم من مجلسها، وتتركها حتى تشعر أنها هي تحب ذلك، وتسمح به .. كذلك عند الحديث معها، فلا تكن أنت من ينهي الحديث، وإنما هي التي تنهي الحديث .. فلو أنهيت الحديث من طرفك، فقد توصل إليها رسالة خاطئة وأنت لا تدري؛ وهي أنك مللت حديثها .. وتريد أن تستريح منه، ومنها!
          13- أظهر اهتماماً واحتراماً بالغين بحديثها، وكلامها ــ مهما كان حديثها غير مهم لك ــ فلا تقطع كلامها بكلامك أو كلام غيرك .. ولا ترفع صوتك فوق صوتها .. ولا تصرف وجهك عنها إلى غيرها، وهي تتحدث إليك.
          14- لا تَمدَح أمامها من تكرَه، ولا تذم من تُحب.
          15- إن أخطأَتْ .. فلا تصحح خطأها أمام الناس .. وإنما برفق .. وبشعور الولد الغيور على مصلحتها، ودينها، وآخرتها .. تصحح لها الخطأ عندما تنفرد بها؛ بعيداً عن أعين ومسامع النّاس.
          وإن كان ولا بد من إصلاح الخطأ في المجلس، وأمام الناس .. فتعتذر لخطئها .. وتتوسع لها في التأويل والعذر .. بألطف وأرفق العبارات .. والمخارج.
          16- أظهر غيرة صادقة عليها .. واهتماماً بالغاً بأحوالها .. وصحتها .. ودوائها .. وغذائها .. ولباسها .. وطريقة حياتها .. وبرنامجها اليومي .. فهذا مما يفرحها .. ويشعرها أنك تهتم بها.
          17- أمك ــ يا هذا ــ تريد منك ثلاثة أشياء، وهي من حقوقها عليك: الرفق .. والاحترام .. والاهتمام .. فانظر أين أنت من هذه المعاني.
          هذا بعض ما وددت التذكير به في هذه المقالة التي أسميتها “فَنُّ البِرِّ” .. وما قلناه عن الأم .. يُقال عن الأب، ويُصرف له، وبخاصة في الكبر، عندما يهن العظم منه.
          قال تعالى:[وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً]الإسراء:23.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
أبو بصير الطرطوسي
3/9/2015
www.abubaseer.bizland.com

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*