جديد الموقع

الجواب عمَّا جاء من كلام في حوار أبي عبد الله الشامي الناطق باسم جبهة النصرة

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
          فقد اطلعت على مقالة لأخينا الشيخ أبي عبد الله الشامي، النَّاطق باسم جبهة النصرة، بعنوان حوار مع الشيخ أبي بصير الطرطوسي 1″، فأجيب عما ورد فيها من جانبين: جانب شخصي، وجانب فكري، سياسي، منهجي.
          أولاً: الجانب الشخصي: لم يحصل لي شرف اللقاء بأخي أبي عبد الله، لكن أود أن أقول له: أنني أحبه في الله، لما لمست عنده من غيرةٍ صادقةٍ على أمته ودينه، وإن كنت أعتقد أنه قد أخطأ الطريق والوسيلة .. وهو ما سأبينه في الجانب الآخر من جوابي إن شاء الله.

          ومعنى آخر أحبه لأجله؛ أنه أديب في خطابه، خلوق في رده .. وهذه صفة حسنة تُحسَب له، قد بتنا نفتقدها ــ وللأسف ــ عند كثير ممن يصنفون أنفسهم على التيار السلفي الجهادي ..!
          قال:” طعن الشيخ فينا رغم أن طعنه بلغ حد وصفنا بأننا صنيعة المخابرات ..”ا- هـ.
          قلت: لم يصح عني شيء من ذلك .. وإنما كان لنا رأي بالنسبة للحدَث .. للفعل .. للعمل كعمل .. للتفجير الأول في ” منطقة الميدان ” الذي تبنته النصرة في الشام في السنة الأولى من الثورة الشامية .. فقلت:” أن هذا العمل، وهو التفجير في منطقة الميدان في دمشق .. كان مُداناً من الجميع .. على أنه من صنيعة الطاغوت ونظامه …”ا- هـ.
          فأنا تحدثت عن العمل كعمل، ونظرة الناس إليه .. ونحن لم نتثبت يومئذٍ من وراءه أصلاً .. فالحدَث بأسلوبه قد فاجأ الجميع .. لكن هذا شيء .. وأن يُقال: أنني قلت عن جبهة النصرة أنها صنيعة المخابرات شيء آخر، ومختلف ..!
          ألا يوجد فرق بين القولين والأمرين يا أبا عبد الله ..؟!
          ثم في أسفل تعليقي على الحدث، عقبت فقلت:” أقول ذلك، وإنِّي لأرجو أن أكون مخطئاً في جميع تحفظاتي الواردة أعلاه .. فأنا حينئذٍ الأسعد والأفرح بالإخوان .. وبكل مجاهد مخلص يُجاهد في سبيل الله .. وليعلم الجميع أنه ما حملني على تدوين تلك الملاحظات أعلاه .. غرض أو خلاف شخصي مع أحد أو جهة من الجهات .. وإنما فقط خشيتي وغيرتي على الثورة الشامية، وأهلها، وأبطالها ومجاهديها .. ومستقبلها .. من أن تُؤتَى من قِبلنا، ومن جهة غفلتنا وحماستنا .. من حيث لا نحتسب ولا ندري .. فإن أصبت فمن الله تعالى وحده .. وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله ” ا- هـ.
          أبعد كل ذلك ــ يا أبا عبد الله ــ ترميني بأنني رميت النصرة بأنها صنيعة المخابرات ..؟!
          ونقول أيضاً: قد نفيت مراراً، وتكراراً هذا الاتهام ــ وهو الارتباط بالنظام والمخابرات ــ عن النصرة في أكثر من لقاء لي عبر الأثير .. وأرسلت عبر الأثير ــ والعالم كله يسمع ــ أكثر من مرة سلامي ومحبتي واحترامي للنصرة، ولأخينا الشيخ أبي محمد تحديداً … فهذا كله لم يصلكم، ولم تسمعوا به، ووصلتكم تلك الكذبة المفتراة علينا ..؟!
          لا بأس .. لا تثريب عليك يا أخي .. يغفر الله لي، ولكم.
          ثانياً: الجانب الفكري، والسياسي، والمنهجي: قد أطنب وتوسع الأخ في الحديث عن الكفر العالمي .. وعن دوره في محاربة الإسلام والمسلمين .. وأنه كيف زرع دويلة اليهود في فلسطين .. وعن سايكس بيكو .. وأنه الحامي للأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين .. وأن اسقاط ومواجهة أي طاغوت أو نظام قطري في المنطقة، يمر عبر مواجهة واسقاط الكفر العالمي .. والنظام العالمي أولاً .. إن طبيعة معركتنا بهذا الشكل، وبهذا الحجم، إن عدونا الحقيقي الذي لا يقبل بالتحييد هو منظومة الكفر العالمي بمجلس أمنه وأممه المتحدة وغيرها من المنظومات العالمية.
          وأن الأمة قد جرّبت الجهاد على أساس قطري ففشلت، ولم تثمر شيئاً .. نظراً لأنها كانت قاصرة عن رؤية العدو الحقيقي ومخططاته .. وبالتالي لا بد من الجهاد العالمي .. فإذا أردنا أن نسقط نظاماً من الأنظمة الحاكمة .. لا بد من مواجهة واسقاط الكفر العالمي .. والمنظومة العالمية .. التي ترعى وتحمي الكفر الوطني .. وهذا ما تنتهجه القاعدة .. وتتبناه.
          إن فهمنا هذا لمعادلة الصراع السابقة والتي على أساسها نبني قواعد المواجهة واستراتيجيتها مختلف كما هو واضح بيننا وبينك …. الخ.
          هذا ملخص كلامه باختصار .. إذ هي الفكرة الأساسية التي يدندن حولها الأخ في حواره .. وأرد عليه من خلال النقاط التالية:
          1- قلنا من قبل، ونعود فنقول هنا: العداء والتضاد والتباين الفكري العقدي والثقافي بين الأمم والشعوب قائم وموجود .. بين أمة الإسلام وغيرها من الأمم والملل .. قائم وموجود، قد قررته النصوص الشرعية، والواقع المعايش .. فهذا لا خلاف عليه .. ولا ينكره أحد .. لكنه ــ شرعاً وعقلاً ــ لا يعني، ولا يلزم منه العداء العسكري، أو الصدام العسكري مع كل الأمم .. والدول .. والجيوش، والشعوب، قي زمن واحد، وبلا استثناء! 
          لم يُعرَف عن أمة الإسلام ــ منذ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ــ أنها خاضت معركة عسكرية ضد العالَم، كل العالَم في زمن واحد .. بل لا يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاتل عدوين في آن واحد، أخذاً بالأسباب .. ورفقاً ورحمة بالمؤمنين.
          بل كان صلى الله عليه وسلم يُفرق بين المشركين .. حتى لا يجتمعوا ضده .. فيحالف بعضهم .. ويصالح ويسالم بعضهم .. ويعتزل بعضهم .. ويستأمن ويعاهد بعضهم .. ويهم أن يعطي بعضهم بعض العطاء والمال .. ليفرق جمعهم .. وسهامهم عن المسلمين .. وكذلك كان الصحابة من بعده .. والتابعون لهم بإحسان.
          ولمّا نشبت حرب بين الروم ــ مثال الكفر العالمي كما يعبر عنه الأخ ــ وبين الفرس المجوس .. كان تعاطف الصحابة رضي الله عنهم مع الروم، ولما انتصر الروم على الفرس كما وعد الله .. فرح المؤمنون بنصر الله .. ونزل في ذلك سورة اسمها سورة ” الروم “.
          وهذا كله من قبيل أن الآخرين ليسوا سواء في العداوة .. فالتفريق فيما بينهم وارد .. والتسوية بين الجميع في الحرب والعداء، ليس بصواب ولا رشيد.
          هذا الاستعداء العسكري العالمي وفي زمن واحد .. لم يُعرَف حتى في كتب الفقه والعلم والتاريخ .. فلم يُعرَف إلا مؤخراً في فقه وأدبيات القاعدة، وحسب!! 
          حتى فيما بين دول منظومة الكفر العالمي ــ كما يسميهم الأخ ــ فهم فيما بينهم أحلاف .. وتكتلات .. وتجمعات متفرقة ومختلفة .. تكتل شرقي .. وتكتل غربي .. وتكتل وسط .. وتكتل يجنح إلى التكتل الشرقي، وتكتل يجنح إلى التكتل الغربي .. تجمع بين هذه التكتلات وتفرق فيما بينها المصالح والمكاسب .. [ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ]الحشر:14. وكل منها يناور .. ويُحاور .. ويشد ويرخي .. ويعتمد مقولة ” عدو عدوي صديقي “، ليتحصل من الطرف المقابل ــ أو الأطراف المقابلة ــ على أكبر قدر من المصالح .. وهذا واقع يمكن الاستفادة منه في صراعنا مع ذوي الكفر المغلظ المتمثل في النظام النصيري المجرم.
          فإن قيل: لا؛ لا يمكن الاستفادة منه …!
          أقول: طبعاً؛ إذا أردت أن تعلن الحرب على الجميع، لن تستفيد منه .. بل قد توحد سهامهم على ما بينهم من تباين واختلاف عليك!
          لم يُعرَف عن دولة من الدول ــ عبر التاريخ كله ــ مهما أوتيت من قوة .. ومهما انتابها شعور بجنون العظمة .. أنها خاضت حرباً مع جميع العالَم .. أو أعلنت عن استعدائها العسكري لما سواها من الدول .. إلا هتلر المجنون والمتهور .. فقد فعل شيئاً من ذلك، فانتهى الصراع باتفاقيات أذلته وأذلة بلده، وشعبه، وكل من تحالف ووضع يده معه!
          كل الأمم .. وكل الدول .. تناور .. وتحاور .. وتصالح .. وتشترط، وتفاوض .. وتجري تحالفات هنا وهناك .. من أجل تحصيل أكبر قدر من المصالح لشعوبها، ودفع أكبر قدر من الشر والضرر عنها .. إلا المسلمون .. لا يحق لهم أن يفعلوا شيئاً من ذلك، على مذهب القاعدة .. ومذهب أخينا أبي عبد الله!
          2- بناء على ما تقدم نتوجه بالسؤال للأخ، فنقول له: أهل الشام في صراع مع النظام النصيري المجرم، ومع حلفائه من روافض العالم، إيران، وحزب اللات وغيرهم .. وهي معركة لا تخفى شراستها وشدتها .. وتضحياتها .. وآلامها .. والعدو محيط بنا من الجهات الأربع .. فهل يمكن أن نجري صلحاً آمناً مع بعض دول الكفر العالمي .. أو مع بعض دول الجوار المحيطة بالشام .. ونرسل لهم رسائل تطمينية، بأن معركتنا في الشام مع النظام النصيري الطائفي وحلفائه .. وليست معهم .. لنتفرغ للطاغوت، وجرائمه؟
          الأخ بين جوابين لا ثالث لهما:
          إما أن يقول: لا؛ لا يجوز .. ولا يُسمح بشيء من ذلك، كما تنص على ذلك أدبيات القاعدة .. وكما تقدم من كلامه!
          فيًقال له: أنت بهذا الجواب قد خالفت المنقول والمعقول، وما تقتضيه السياسة الشرعية من جلب للمصالح، ودفع للمفاسد .. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” سَتُصالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أنْتُمْ وهُمْ عَدُوًّا من ورائِهِمْ، فَتَسْلَمُونَ وتَغْنَمُونَ “[صحيح الجامع:3612]. وفي رواية:” عدواً من ورائكم “.
          هذا العدو الأقرب والأخطر، والأشد كفراً لا يمكن دفعه ولا الوصول إليه إلا بعد عقد صلح آمن مع الروم ــ الذين يمثلون في مصطلح الأخ الكفر العالمي ــ يمكن المسلمين من دفع ذلك العدو المحيط بهم.
          فالنص قد أشار إلى جواز ذلك، وأن ذلك كائن لا محالة بإذن الله .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد استحسن هذا الفعل من أمته .. بينما القاعدة تجرمها، وتؤثمها ــ ولربما حاربتها ــ لو فكرت مجرد تفكير بشيء من ذلك!
          وإن قال: نعم يجوز .. وممكن .. فلا يوجد ما يمنع من ذلك!
          أقول له: بل غير ممكن .. ويوجد ما يمنع من ذلك .. وهو أدبيات القاعدة التي تنص على تهديد ومواجهة العالَم كل العالَم.
          وإن كان ولا بد، لا بد ابتداء من التخلي عن أدبيات القاعدة التي تستعدي جميع العالَم .. وتزعّره على المسلمين في الشام .. وغير الشام!
          3- الذي يقرأ كلمات الأخ عن مواجهة وقتال الكفر العالمي، ودول العالَم برمتها .. يظن أنه دولة عظمى يملك العتاد، والسلاح ويصنّعه .. وجميع مقومات المواجهة .. التي تمكنه من مواجهة العالَم، كل العالَم والانتصار عليه .. وبالتالي لا رجعة عن مواجهة وقتال جيوش العالَم كلها، واسقاط المنظومة الدولية، وفي زمن واحد.
          بينما الحال بخلاف ذلك تماماً .. يعرفه الجميع .. فواقع الحال أبلغ بكثير من الكلام .. ومما يمكن أن نقوله أو نوصّفه .. وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ” البخاري. وفي رواية:” ومَنْ تَحَلَّى بِما لَمْ يُعْطَ ، فإِنَّهُ كلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ “.
          ثم ما قيمة الإعلان عن الاستعداء العالمي، والحرب العالمية الكونية، وكثرة الكلام حول ذلك .. وحظنا منه لا يعدو حظ من يحمل عوداً ليحركش بها أعشاش الدبابير لتلسعه .. ولا يزيد بعمله هذا المسلمين والمجاهدين في الشام إلا ضعفاً، ومشقة، وخناقاً، وعسراً .. بينما الطاغوت النصيري يزداد قوة وحياة، ورسوخاً، ونمده بحبل من الناس؟!
          قال صلى الله عليه وسلم:” لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال: يتعرّضُ من البلاء لما لا يُطيق “[صحيح سنن الترمذي:2254].
          وقال صلى الله عليه وسلم:” من شاقَّ شَقَّ اللهُ عليه “[صحيح سنن ابن ماجه:1897].
          وقال تعالى:[ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ]البقرة:195.
          وقال تعالى:[ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ]التغابن:16.
          وقال تعالى:[ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ]البقرة:286.
          4- ليس كل دول العالَم مغرمة بالطاغية بشار الأسد وبنظامه .. إذ كثير من الدول .. وبعضها من دول المنطقة والجوار .. تناصبه العداء .. ولها مصلحة في سقوطه وزواله .. وقد أبدت تعاطفاً صادقاً مع الشعب السوري، وثورته .. ولما قامت الثورة في سوريا .. أجرم الطاغوت بحقها، وبحق أبنائها .. فوضعت بعض دول الكفر العالمي للطاغية خطوطاً حمراء لا يُسمح له من اقترابها، أو تجاوزها .. وأتبعت ذلك بجملة من التهديدات له ولنظامه!  
          فدخلت القاعدة على الخط، وفرضت نفسها على الثورة الشامية، وجهاد أهل الشام .. وأعلنت عن استراتيجيتها العالمية في المواجهة، وأن سقوط نظام الأسد، يبدأ أولاً بسقوط أمريكا، ودول الغرب، مروراً بدول الشرق، والهند والسند، وجميع دول المنطقة والمنظومة الدولية، إلى أن تصل إلى دمشق .. ومواجهة أي طرف منهما هو مواجهة للطرف الآخر!
          ثم أتبع وجود القاعدة، وجود جماعة الدولة ” داعش “، التي خرجت من عباءة القاعدة .. فزادت الطين بلة .. وعاثت في الأرض فساداً … فماذا حصل؟
          حصل أن تحولت الخطوط الحمراء التي وضعها المجتمع الدولي ــ عفواً الكفر العالمي ــ للنظام السوري إلى خطوط خضراء .. وإشارات خضراء .. تسمح له بالمرور والتجاوزات، وأن يفعل مزيداً من الجرائم، والمجازر.
          فالنظام النصيري على سوئه وجرائمه .. بالنسبة للمجتمع الدولي .. لم يعلن حربه على دولة من الدول، ولا على المنظومة العالمية، والأممية .. وإنما أعلن حربه على الإرهاب .. وبالتالي فهو أقرب للكفر العالمي، والمنظومة الدولية .. من الإرهاب العالمي، كما يُصنفونه!
          هذا واقع لا بد من أن نكاشف به الأخوة في القاعدة .. ولا بد لهم من أن يعترفوا به .. ويصححوا المسار .. فقد غيبوا بتدخلهم معنى أن شعب وأهل الشام قد انتفضوا وثاروا على الطاغوت ونظامه، يثأرون لدينهم، ولحقوقهم، وحرماتهم، وحريتهم، وكرامتهم .. هذا المعنى قد غاب ــ أو غُيّب ــ عن المشهد وللأسف .. علماً أن الشعب السوري الأعزل ــ رجالاً وشيوخاً، ونساء، وأطفالاً ــ يدفعون الضريبة الأكبر لهذه الثورة!
          قالوا: أصلاً بشار الأسد مجرم وقد فعل جرائم كذا، وكذا قبل وجود القاعدة ..!
          يُقال لهم: صدقتم، ولكن دخول القاعدة على الخط، ومن ثم خوارج داعش .. أعطته مزيداً من المبررات والأعذار أمام المجتمع الدولي والمحلي .. ليرتكب مزيداً من الجرائم والمجازر بحق الشعب السوري الأعزل .. على اعتبار أنه يواجه الإرهاب العالمي .. وهذا لا يخفى على مراقب منصف.
          5- حديث الأخ عن مواجهة الكفر العالمي، والمنظومة الدولية .. ذكرني بحديث جبهة الصمود والتصدي أيام زمان ــ التي كان يترأسها الهالك الملعون حافظ الأسد ــ عن الامبريالية العاليمة ــ والتي تعني بالمصطلح القاعدي الكفر العالمي ــ وعن ضرورة مواجهة الامبريالية العالمية .. وأن الطريق إلى تحرير فلسطين يمر أولاً عن طريق اسقاط الامبريالية العالمية، والدول الرجعية المتواطئة مع الامبريالية العالمية .. وكان لكلامه رواجاً في حينها، كما كان غطاء لكثير من أخطائه وجرائمه، إذ كان الرد عليه، أو مواجهة أخطائه .. يجعلك مباشرة في خانة الصحوات، والخونة، والعملاء للامبريالية العالمية!
          مع الفارق الكبير بين القاعدة، وجبهة الصمود والتصدي .. إلا أن حديثهما عن الكفر العالمي، والإمبريالية العالمية متشابهان!
          كان الطاغية الهالك حافظ الأسد يُخيف ويتهدد دول المنطقة، إذا لم تدخل معه في الحرب الكلامية على الإمبريالية العالمية .. وها هم الأخوة في القاعدة يهددون الجماعات الإسلامية الأخرى، ويستخفون بها .. ويرمون بعضها بالخيانة والعمالة .. إن لم تدخل مع القاعدة في استراتيجية مواجهة الكفر العالمي، والنظام الدولي العالمي .. ولو بالكلام!
          ثالثاً: قد تكلم الأخ على بعض فصائل الجيش الحر، كجبهة ثوار سوريا، وحركة حزم، وغيرهما من الجماعات والفصائل .. بعبارات تفيد التخوين، والتكفير .. ثم سألنا لماذا لا نقول رأينا فيها؟!
          أقول: ليس بما ذكرت يا أبا عبد الله ــ يريدون الصلح، غرف موك .. وبوك ــ تكفّر الجماعات، والفصائل، ويُحكم عليها بالكفر والردة .. ثم تُشرِع في انتهاك حرماتها!
          هذا الحكم مرده لأهل العلم؛ فتُشكل محكمة شرعية كفؤة قادرة على النظر في مثل هذه الأمور .. فيرفع إليها ما يُثار عن هذه الجماعة أو تلك .. أو هذا الشخص أو ذاك .. وما تحكم به المحكمة الشرعية .. يكون حكمها هو النافذ، الذي يجب العمل به.
          وغير ذلك مردود بالنقل، والعقل .. حيث أن الكل ــ وللأسف ــ يتكلم على الكل .. والكل يتهم الكل .. إلا من رحم الله .. ولو أردنا أن نحمل اتهام كل أحد أو كل جماعة نحو الجماعة الأخرى على وجه الجد والتصديق .. لما سلم أحد من أهل الشام من الطعن والتجريح .. ولا سلمت جماعة من الطعن، والتشكيك، والتكفير .. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إذا هلك أهل الشام فلا خير فيكم “. وماذا بعد التكفير والتخوين لأهل الشام، ومرابطيهم، ومجاهديهم، من هلاك!  
          في خلافكم مع جماعة حزم وغيرهم .. قد دعوناكم، وغيرنا من علماء الشام .. إلى تشكيل محكمة شرعية مستقلة، تنظر فيما تنازعتم فيه، ومدى صحة ما يقوله وينسبه كل طرف نحو الطرف الآخر من دعاوى .. فقبلوا .. ورفضتم، وأعرضتم ونأيتم .. مستخفين بنا وبغيرنا من أهل العلم .. وإلى الساعة لا يزال قابعاً في غياهب سجونكم السرية، الأخ أبو عبد الله الخولي، أحد أمراء حزم، المشهود له من كثير من أبناء ومجاهدي الشام، بالفضل، والسبق في الجهاد، وحسن الخلق .. فلا أحد يستطيع أن يتدخل، ولا أن يسأل عنه، أو يتبين!
          لماذا …؟!
          ثم كيف تريدني أن أصدق كل ما تقولونه عن الآخرين من غير محكمة شرعية .. وأنتم تنسبون لي قولاً، وترددونه، وتصرون عليه وكأنه من المسلمات التي لا تقبل النقاش .. أنا براء منه .. ما قلته .. بل صدر عني عكسه وضده .. كما بينت أعلاه في أول هذا المقال؟
          لا يُقبل منكم، ولا من غيركم ــ يا أبا عبد الله ــ أن ترفعوا شماعة التخوين والعمالة، بوجه كل من يحلو لكم الاعتداء عليه، وعلى مقراته، وأسلحته .. ثم بعد ذلك .. من غير بينة ظاهرة .. ولا قرار من محكمة شرعية مستقلة .. تريدوننا أن نتابعكم ونوافقكم على ما تفعلونه!
          من جملة خلاف أهل الشام ومجاهديهم مع خوارج داعش؛ هذا الجانب الخطير .. حيث تراهم يكفرون ويخونون، ويصحونون ويشيطنون من يشاؤون .. من غير بينة تُذكَر، وإنما يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً .. بل أحياناً تراهم يكفرون بالحسنات، وبما لا يوجب التبديع أو التخطئة فضلاً عن التكفير .. ثم بعد ذلك يترجمون غلوهم في التكفير بالسطو على حرماتهم ودمائهم ومقراتهم .. ولا يسمحون لأحد أن يتدخل .. أو يتبين .. فهم الخصم والحكم معاً .. وإنا لنعيذكم من أن تتخلقوا بهذه الأخلاق!
          رابعاً: قد ورد في حوار الأخ أبي عبد الله اعتراضات وتساءلات .. أحسب أنني قد أجبت عنها في مقالتي:” مناقشة الشبهات والردود حول مقالتنا بخصوص الانضمام إلى جبهة النصرة “. ومقالة:” وقفات مع مقالة ” حبل الله كيف نفهمه ” لأبي قتادة الفلسطيني “، ما يغني عن الإعادة هنا .. فمن أراد الوقوف عليها فليراجع المقالتين الآنفتي الذكر، إن شاء.
          خامساً: في الختام أقول لأخي أبي عبد الله، وللأخوة في القاعدة .. قد بان للجميع أن استراتيجيتكم في تحرير الشام، وأهل الشام، من الطاغوت النصيري المجرم، ونظامه .. تمر من خلال قتال واسقاط دول الكفر العالمي، ابتداء بأمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وجميع دول الغرب .. مروراً بالصين وجميع دول الشرق .. ودول الجنوب والشمال .. إلى أن تصلوا في النهاية إلى دمشق .. فتعملوا على اسقاط النظام الأسدي في دمشق .. وإنه ــ كما ترون ــ طريق طويل وشاق .. يطيل من بقاء الطاغوت ونظامه، ويمده بالقوة والحياة  .. كما يُطيل من معاناة أهل الشام .. وهي استراتيجية غير ممكنة، ومستحيلة .. ما أنزل الله بها من سلطان، وما سبقكم إليها من أحد .. إلا اللهم بعد نزول عيسى عليه السلام .. فساعتئذٍ تتبدل المشاهد والصور، وتتبدل الأحكام.
          بينما استراتيجية أهل الشام ومجاهديهم، تقوم على مواجهة النظام الأسدي المجرم، ومن يقف معه من إيران وحزب اللات .. فإن قدّر الله النصر والفتح .. وهو كائن بإذن الله .. فحينئذٍ ستُقام دولة إسلامية عادلة راشدة على التراب السوري، تراعي وتحفظ الحقوق، والحرمات، وتحكم بالعدل .. وتبين للناس ما لهم وما عليهم .. وتضمّد الجراح .. وتشرع في البناء والتأسيس .. وتتعامل مع دول المنطقة، ودول العالَم بنديّة، واحترام متبادل، وفق ما تقتضيه المصالح المتبادلة، والعمل بالسياسة الشرعية .. باستقلالية تامة .. من غير تبعية ولا عمالة لجهة من الجهات .. وبما لا يتعارض مع ثوابت ومبادئ ديننا الحنيف .. فنسالم من سالمنا .. ونصالح من صالحنا .. ونهادن من هادننا .. ونشكر من ساعدنا، ووقف بجوارنا .. ونحارب ونعادي من حاربنا وعادانا .. ولا نتشبع بما لم نعط، وبما ليس فينا ولا نقدر عليه .. ولكل حادث حينئذٍ له حديثه.  
          وكما ترون فالاستراتيجيتان لا تتوافقان ولا تلتقيان .. كل منهما في اتجاه معاكس للآخر .. والاقتراح الراشد أن تدخل إحداهما في الأخرى طواعية وعن رضى، تدخل الاستراتيجية المستحيلة غير الممكنة في الاستراتيجية الممكنة، والمقدور عليها .. فتجتمع الكلمة، وتتراص الصفوف، ويشد بعضها بعضاً .. ويكمل بعضها بعضاً .. وإلا فالصدام ــ الذي نكرهه، ونبغضه، ونحذّر منه ــ حاصل لا محالة، وللأسف .. وحتى لا يحصل هذا المكروه الذي لا نحبه ولا نرضاه .. وحتى لا يرمي حينئذٍ كل طرف الطرف الآخر بالخيانة والعمالة .. ويقع الندم على ما فرطنا بحق أنفسنا وأهلنا وشعبنا، وثورتنا، وديننا، وشهدائنا، ولات حين مندم .. حتى لا يحصل هذا كله، نصحناكم، ولا نزال ننصحكم بأن تفكوا ارتباطكم بالقاعدة، وباستراتيجيتها .. وأن تدخلوا في استراتيجية أهل الشام، ومجاهديهم .. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالشام، وبأهل الشام، وجند الشام خيراً .. وأمر بالالتحاق بهم .. وما خاب ولا خسر من عمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، واختار ما اختاره له.
          اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .. اللهم آمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
24/4/2015
www.abubaseer.bizland.com

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*