جديد الموقع

وقفات مع مقالة “حبل الله كيف نفهمه” لأبي قتادة الفلسطيني

بسم الله الرحمن الرحيم
          الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
          فقد وقفت على مقالة للشيخ أبي قتادة الفلسطيني، عمر محمود بعنوان “اقلوا عليهم [2]، حبل الله كيف نفهمه”، فوجدته قد بدأ فيها بمقدمات صحيحة، لينتهي ــ وللأسف ــ إلى نتائج وتقريرات خاطئة .. لها انعكاساتها السلبية على الواقع، وعلى حياة الناس، وبخاصة أنه يتوجه بمقالته هذه إلى الفصائل المسلحة المجاهدة والعاملة على أرض الشام.

          هذا الأسلوب المتشابه في الكتابة الذي يعتمد المقدمات الصحيحة .. والأدلة الصحيحة .. لتوضع في غير موضعها الصحيح .. ويُستدل بها على نتائج وتقريرات خاطئة .. يشكل فهمه على كثير من الشباب، والقرّاء .. لذا وجدت نفسي مشدوداً لتسجيل هذه الملاحظات، والوقفات .. إبراء للذمة، ونصحاً لشباب الأمة، وللشيخ صاحب المقالة .. سائلاً الله تعالى التوفيق والإخلاص والسداد، وأن يجعل من كلماتنا مفتاح خير مغلاق شر، إنه تعالى سميع قريب مجيب.
          قال: “ولذلك واجب على من أتى إلى هذا العمل الجليل ــ أي الوحدة والاعتصام ــ أن يأتي إليه لأنه أمر الله تعالى، لا لأن فيه مصلحته العاجلة”ا- هـ.  
          قلت: بل يأتي به للأمرين معاً؛ لأن الله تعالى قد أمر به، ولأن في تنفيذه لأمر الله تعالى مصلحته العاجلة والآجلة .. لا تعارض بينهما .. فالله تعالى لا يأمر بشيء إلا ما كان فيه مصلحة البلاد والعباد، العاجلة منها والآجلة .. فحيثما توجد المصلحة، والمصلحة الراجحة، فثمَّ أمر الله، وثم شرعه سبحانه وتعالى، وحيثما يوجد الضرر، وتوجد المفسدة .. والمشقَّة والشقاء .. فثمَّ أمر وشرع الهوى، والطاغوت .. والله تعالى لا يحب الفساد، ولا المفسدين.  
          قال تعالى: [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]البقرة:179. فالقصاص من شرع الله تعالى، ننفذه طاعة لله لأن الله تعالى أمرنا به، ولأن فيه حياة آمنة راشدة وسعيدة، وفيه مصلحة راجحة للبلاد والعباد .. لا تعارض بين الأمرين.
          وقال تعالى: [وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً]الجن:16. وقال تعالى: [وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ]هود:52. وقال تعالى: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً]نوح:10-12. فالله تعالى يرغّب عبادة بدينه وعبادته وتوحيده؛ لأن في ذلك قوتهم، ومصلحتهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة .. ومثل هذا في القرآن الكريم كثير.
          قال: “وما حصل من عدم الوصول للمقاصد الكلية من إقامة الخلافة والحكومة الإسلامية في هذه المواطن ــ أي المواطن التي حصل فيها جهاد في زماننا المعاصر ــ ليس بسبب العمل لها خارج سُنّتها الظرفية بل لأن سُنّتها الظرفية لم تحضر لها، وفرقٌ بين الأمرين لمن تأمّله، وذلك حين يأتي أحدهم ليزعم أن الدعوة لإقامة الشرع والخلافة معوق لإزالة «الباطل الجزئي»، يكون هو المعوق حقاً، وهو الجاهل بدين الله تعالى ..
          فإن قيل لِمَ لَم يحصل هذا المقصد الكلي، قلت: لغياب الظرف السُنَني لهذا الفعل، ففرقٌ إذاً بين عدم حصوله لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما يريد البعض، وبهذا يتضحُّ الفرق في هذا الباب بين من يريد استغلال الدين لمقاصد دنيوية، وبين من يتعامل مع الدين بحسب مقاصد الشرع كما أرادها سبحانه وتعالى من عبيده”ا- هـ.
          قلت: يقرر الشيء وضده معاً؛ مرة يقول: عدم الوصول للمقاصد الكلية من إقامة الخلافة ليس بسبب العمل لها خارج سنتها الظرفية .. ومرة يقول: لم يحصل المقصد الكلي ــ أي الخلافة ــ لغياب الظرف السنني لهذا الفعل، وغياب سنته الملائمة ..؟!
          ثم كيف يعمل لها ويكثر من الدندنة حولها مع غياب الظرف السنني لهذا الفعل، وغياب السنن الملائمة لها …؟!
          ليس بمثل هذه الفلسفة والغموض، والتشابه في تركيب الألفاظ المبهمة حمالة الأوجه والمعاني، تقرر وتُبحث المسائل الكلية العامة ..!
          قال: “ففرقٌ إذاً بين عدم حصوله لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما يريد البعض”ا- هـ.
          قلت: لا أحد يترك الدعوة إلى الخلافة، ولا إلى أي أمر من الأمور المعلوم من الدين بالضرورة .. بل ونبشر بما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم من نصر وتمدد لهذا الدين، حتى لا يبقى بيت مدر، ولا وبر إلا ودخله، كما جاء في الحديث .. والكل يحب أن تكون للمسلمين خلافة ودولة جامعة .. فهذا أمر لا خلاف عليه ولا ينازع فيه مسلم .. ولكن الذي يوصي به النقل والعقل .. أن تُؤتَى البيوت من أبوابها الشرعية الصحيحة .. وأن تُذكَر المسائل وتبحث في زمانها ومكانها المناسبين .. وأن نحدث الناس بما يعرفون؛ حتى لا يُكذّب الله ورسوله .. وأن لا نستعجل الأشياء قبل أوانها، فنعاقَب بحرمانها!
          أيما شعار إسلامي ــ الخلافة، الدولة، الشريعة ــ نضعه في غير موضعه، وغير زمانه المناسبين .. ونأتيه من غير أبوابه الشرعية الصحيحة .. نسيء إليه، ونصيبه بمقتل، وننفر الناس عنه.
          بل أيما فكرة تُطرح على مسامع الناس في غير وقتها ولا مكانها المناسبين .. يعتبر ذلك من سوء الأدب، وخوارم العقل! 
          حزب التحرير .. كم تكلم عن الخلافة .. وفي كثير من الأحيان بلا مناسبة تراه يتكلم عن الخلافة .. إلى درجة أنه عُرف بالخلافة والخلافة عُرفت به .. لا يوجد تجمع معاصر يتكلم عن الخلافة أكثر منه .. فهو يستحق بجدارة أن يُسمى”حزب الخلافة”، ومع ذلك لا يوجد تجمع ولا حزب معاصر أساء للخلافة أكثر منه.
          وها هو البغدادي؛ صاحب خوارج داعش .. يتشبع بما لم يُعط، وبما ليس فيه .. كلابس ثوبي زور .. فأتى البيوت من غير أبوابها .. ولا مشورة من الناس .. فزعم أنه الخليفة الراشد في زمانه .. يقتل ويستبيح حرمات كل من تصل إليه يده إن لم يبايعوه على الخلافة ويقروا له بأنه خليفة الله في أرضه .. فأساء للخلافة وللدولة الإسلامية إساءة بالغة أكثر بكثير مما يسيء إليها الأعداء التقليديين ذاتهم!
          وترى كثيراً منا يُعلّق أفعاله الخاطئة والظالمة .. على شعارات إسلامية حقّة .. ليعطي لنفسه المبرر والمسوغ فيما يفعل .. وأنه ما حمله على البغي والظلم، والعدوان .. والشطط .. سوى الرغبة في إقامة الخلافة .. والشريعة .. وبالتالي لا تُكثروا الملامة عليه .. فيُسيء للخلافة والشريعة إساءة بالغة .. وما أكثر الأمثلة الدالة على ذلك!
          إذاً ليست العبرة في كثرة الدندنة حول مسألة من المسائل .. وبمناسبة وبلا مناسبة .. واختبار الناس فيها .. والحكم على الناس من خلالها قبل وقوعها .. وإنما المهم أن يمهد لهذه المسائل زمانها ومكانها المناسبين قدر المستطاع .. ويمهد لها بأسبابها الشرعية الصحيحة .. من غير ضجيج، ولا تزعير، وضرب للطبول .. حينئذٍ وحسب .. تُرجى الفائدة من طرح هذه المسائل .. ويُسعى لها سعيها، والناس يُصغون ويستفيدون.
          قال صلى الله عليه وسلم: “بشّروا ولا تنفروا” مسلم.
          وفي الأثر عن علي رضي الله عنه، قال: “حَدِّثُوا الناسَ بما يَعْرِفُونَ، أَتحبون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه” البخاري.
          وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “ما من رجلٍ يُحدثُ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم”.
          ثم بعد ذلك نقول: إن لمرحلة الاستضعاف أحكامها، وإطلاقاتها، وأعمالها .. ومرحلة القوة أحكامهات، وإطلاقاتها ، وأعمالها .. لا يخلط بينهما ــ ويجعلهما سواء ــ إلا جاهل أو سفيه.
          قال تعالى: [إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً]آل عمران:28. وذلك في حالة الاستضعاف.
          قال ابن كثير في التفسير: أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته ا- هـ.
          وقال ابن جرير الطبري: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل ا- هـ.  
          قال صلى الله عليه وسلم: “مَنرأى مِنكُم مُنكرًا فليغيِّرهُ بيدِهِ، فإن لَم يَستَطِع فبِلسانِهِ، فإن لم يستَطِعْ فبقَلبِهِ، وذلِكَ أضعَفُ الإيمانِ” مسلم. فهذه خيارات ثلاث في إنكار المنكر، كلها شرعية، تلزم أصحابها .. من ألزم الأخير منهم بما يلزم الأول، فقد خالف النقل والعقل، وركب موجة التهور والسّفَه! 
          هذه هو دين الله .. أو هو من دين الله .. بينما أبو قتادة يلزمك في جميع أحوالك وظروفك أن يكون سقف طلباتك دائماً عالياً، تحلق في الفضاء .. لا ينزل عن درجة مستوى المطالبة بالخلافة .. وإزالة جميع دول، وأنظمة، وجيوش الكفر في العالَم .. ودفعة واحدة .. أو دَع .. فإن لم تفعل .. ولم تستطع أن تفعل .. فأنت من المعوقين حقاً، ومن الجاهلين بدين الله .. كما يقول: “من زعم أن الدعوة لإقامة الخلافة معوق لإزالة «الباطل الجزئي»، يكون هو المعوق حقاً، وهو الجاهل بدين الله تعالى ..”!
          والباطل الجزئي الذي يعنيه؛ كإزالة طاغية الشام ونظامه النصيري المجرم .. أو نحوه من الطغاة المجرمين .. فهذا عنده باطل جزئي!
          قال: “ففرقٌ إذاً بين عدم حصوله ــ أي حصول الخلافة ــ لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما يريد البعض، وبهذا يتضحُّ الفرق في هذا الباب بين من يريد استغلال الدين لمقاصد دنيوية، وبين من يتعامل مع الدين بحسب مقاصد الشرع كما أرادها سبحانه وتعالى من عبيده”ا- هـ.
          قلت: هكذا يرتب النتائج، ويحكم على المسلمين، وعلى دينهم .. فأنت مجرد كونك لم تبتدئ عملك ودعوتك، وجهادك بالدعوة إلى الخلافة .. وتحت أي ظرف .. قد يكون لانعدام الاستطاعة .. أو للاستضعاف .. أو تراها خطوة مستعجلة لم تستوفي سننها، وظروفها بعد .. أو لأي سبب شرعي آخر .. فأنت حكمك عند أبي قتادة مطعون في دينك وعدالتك، وممن يريدون استغلال الدين لمقاصد دنيوية ..!!
          هكذا تُرمَى التهم على الآخرين .. وهكذا يُطعن ويُشكك بدين الآخرين .. وهكذا يبدأ التأصيل للغلو .. ليرتع من معينه الخوارج الغلاة!
          يُحارب الغلاة من وجه .. ويغذيهم، ويمدهم بالحياة من أوجه عدة!
          قال: “ولذلك لا يجوز الوحدة قط مع رافعي شعار الدين مع «المقاصد الجزئية» … ثم تقع هذه الجماعات في الكفر الأكبر والردّة وهي تعلن أن قتالها ليس من أجل الشريعة ولا إقامة حكم الله في الأرض، وهذه بإجماع أهل الإسلام ردّةٌ عن دين الله لا يشك فيها طالب علم. هذه جماعاتٌ ليست إسلامية وإن تزيّنت باسم الإسلام، وبالتالي لا يجوز الوحدة معها ولا الالتقاء في سبيلها ..”ا- هـ.
          قلت: يبني على خطئه السابق، والنتيجة الخاطئة السابقة، نتائج خاطئة أخرى، لا تقل خطورة عن سابقتها.
          منها: أنه يوجه خطابه هذا للفصيل الذي يواليه من مجموع الفصائل المجاهدة المتواجدة في الشام، وهو فصيل القاعدة .. يخاطبه بأنه لا يجوز له أن يتحد مع بقية الفصائل المجاهدة المتواجدة في الشام ضد الطاغوت النصيري المجرم؛ لأنها جماعات مشكوك في دينها وعدالتها، وهم ممن يجاهدون دون مقاصد جزئية .. وفي هذا التوجيه من الإغراء والفتنة والتحريش ما فيه بين الإخوان ممن هم في الميدان، وعلى الثغور يحملون السلاح!
          بمثل هذا الفكر الاستعلائي، والتوجه المغالي في التكفير سطا خوارج داعش على حرمات ودماء، ومقرات مجاهدي الشام ..!
          ومنها: يُقال له: هذه الجماعات الشاميّة بجهادها دون المقاصد الجزئية .. مسلمة عاصية .. أم كافرة مرتدة؟
          ولا بد له من أن يختار أحد القولين.
          فإن قال: هي مسلمة عاصية .. يُقال له: يجوز بالنقل، والعقل، والإجماع الاتحاد مع الجماعات المسلمة العاصية من أجل دفع عدوان ذوي الكفر والإجرام والظلم المركب والمغلظ المتمثل في الطاغوت النصيري المجرم، ونظامه الفاسد الطائفي المستبد.
          كل جيوش المسلمين ما بعد الخلفاء الراشدين كان يتخللها الصالحين والطالحين، الأتقياء، والعصاة المذنبين .. يتخللها  كل من ينتمي من الأمة لأهل القبلة، بغض النظر عن درجة التزامه الديني.
          قال ابن تيمية في الفتاوى 28/506: من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع معسكر كثير الفجور فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يكن إقامتها جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه ا- هـ.
          وإن قال: لا؛ بل هي كافرة مرتدة .. كما يُستفاد من كلامه أعلاه .. نقول له: هنيئاً لخوارج وغلاة داعش بك .. فما خرجت بقولك هذا، عن قولهم قيد أنملة .. بل لربما زدت عليهم.
          مرة ثانية، نقول للشيخ: اتقِ الله في الشام، وفي مسلمي أهل الشام .. لا يُقبل منك أن تنكر على خوارج داعش غلوهم وجرائمهم من وجه .. ثم أنت توافقهم .. وتمدهم بالحياة .. وتؤصل لهم من أوجه عدة أخرى.
          ومنها: عندما نخاطب الفصائل والفرقاء العاملة المجاهدة في الشام بهذا الخطاب التفريقي .. الاستعدائي .. فهو إضافة إلى أنه يخالف النص الشرعي الذي يوصي بالتوحد والاتحاد .. ويبين أن المسلمين كالرجل الواحد والجسم الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والقلق والحمى .. فإنه لا يُفرح إلا الطاغوت النصيري المجرم .. فالطاغوت من جهة يجمع الجموع من جميع الأمصار على اختلاف مللهم ومذاهبهم وتوجهاتهم .. من أجل محاربة أهل الشام، ومسلمي الشام .. بينما يوجد منا من يوصي المسلمين والمجاهدين بعدم الاتحاد .. في ظرف ما أحوج الشام والثورة الشامية المباركة فيه لاتحاد أبنائها!
          الطاغوت يُقاتل مسلمي ومجاهدي الشام بجميع ملل الكفر والزندقة في الأرض .. وأبو قتادة يريد أن يواجه هذا الكم الكبير من الباطل عن طريق النخبة من أبناء القاعدة وحسب ..!  
          ومنها: أنه قد أخطأ خطأ كبيراً، عندما أخرج الجهاد دون المقاصد الجزئية من معنى الجهاد في سبيل الله .. والمجاهدون دون المقاصد الجزئية من معنى ومسمى المجاهدين في سبيل الله.  
          فالإسلام قد جاء لحماية مقاصد جزئية عدة، منها: النفس، والعقل، والعِرض، والمال .. والذود عنها، والقتال دونها في سبيل الله .. فالقتال دون ــ أي دفاعاً ــ عن هذه المقاصد التي لا تستقيم الحياة من دونها طاعة لله ولرسوله .. لا يخرج عن معنى الجهاد في سبيل الله .. ولا يخرجها من معنى الجهاد في سبيل الله إلا كل جاهل ركبه الغلو والتنطع.
          جهاد دفع العدو الصائل كله قائم من أجل مقاصد جزئية .. قال تعالى: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ]الحج:39. فهذا جهاد من أجل مقصد جزئي، وهو رفع الظلم عن المسلمين .. وهو رغم أنف الغلاة الذين يوزعون الشهاد، والجنة والنار على من يشاؤون ــ بنص الكتاب ــ يدخل دخولاً كلياً في معنى الجهاد في سبيل الله! 
          وقال تعالى: [وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً]النساء:75. وهذا أيضاً جهاد من أجل مقصد جزئي، وهو انقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من ظلم وحصار الظالمين المجرمين .. وهو رغم أنف الغلاة الذين يوزعون الشهاد، والجنة والنار على من يشاؤون ــ بنص الكتاب ــ يدخل دخولاً كلياً في معنى الجهاد في سبيل الله!  
          وقال تعالى: [وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ]الحجرات:9. فهذا القتال والجهاد من أجل مقصد جزئي؛ من أجل أن تفيء الفئة الباغية إلى الحق والعدل، وتمسك عن بغيها .. وهو رغم أنف الغلاة الذين يوزعون الشهاد، والجنة والنار على من يشاؤون ــ بنص الكتاب ــ يدخل دخولاً كلياً في معنى الجهاد في سبيل الله!  
          وقال تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ]الشورى:39. وهذا جهاد من أجل مقصد جزئي، وهو الانتصار للنفس ممن ظلمها بالمثل .. وهو رغم أنف الغلاة الذين يوزعون الشهاد، والجنة والنار على من يشاؤون ــ بنص الكتاب ــ يدخل دخولاً كلياً في معنى الجهاد في سبيل الله! 
          وغيرها كثير من الآيات القرآنية التي تدلل على هذا المعنى الآنف الذكر .. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ” متفق عليه. وقوله”دون ماله”؛ أي قاتل دفاعاً عن ماله في سبيل الله.
          وقال صلى الله عليه وسلم: “من أُرِيدَ مالُه بغيرِ حَقٍّ فقاتلَ فَقُتِلَ فهو شَهيدٌ” [صحيح سنن الترمذي:1174].
          وقال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِه فهوَ شهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهله فهوَ شهيدٌ” [صحيح الجامع:6445].
          وقال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظلمَتِه فهوَ شهيدٌ” [صحيح الجامع:6447].
          وعن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قال: “لا تُعْطِه مالَك”، قال: أرأيتَ إن قاتلَني؟ قال: “قاتِلْهُ”، قال: أرأيتَ إن قَتلَني؟ قال: “فأنتَ شهيدٌ”، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلْتُه؟ قال: “هو في النَّارِ” مسلم. 
          قال ابن المبارك: يُقاتِلُ عن مالِه ولو درهمين[صحيح سنن الترمذي: 2/62].
          قلت: والقتال دون المال، والأهل ــ العِرض ــ، ودون النفس، ودون المظالم .. هو قتال وجهاد من أجل مقاصد جزئية .. وهو رغم أنف الغلاة الذين يوزعون الشهاد، والجنة والنار على من يشاؤون ــ بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ يدخل دخولاً كلياً في معنى الجهاد في سبيل الله، وأن المقتول منهم شهيد، وفي الجنة.
          قال: “ثم تقع هذه الجماعات في الكفر الأكبر والردّة وهي تعلن أن قتالها ليس من أجل الشريعة ولا إقامة حكم الله في الأرض، وهذه بإجماع أهل الإسلام ردّةٌ عن دين الله لا يشك فيها طالب علم. هذه جماعاتٌ ليست إسلامية وإن تزيّنت باسم الإسلام، وبالتالي لا يجوز الوحدة معها ولا الالتقاء في سبيلها ..”ا- هـ.
          قلت: وهذا غلو صريح في التكفير، يتكئ عليه خوارج وغلاة العصر .. وهو خطأ كبير لا ينبغي لمثله أن يقع فيه.
          فقد تقدم أن جميع أنواع جهاد دفع العدو الصائل، لا يلزم من صاحبها أن يعلن أنه يُقاتل من أن أجل إقامة حكم الله في الأرض، وإنما من أجل رد العدوان، والظلم، والبغي عن نفسه، وأهله وإخوانه .. وأرضه .. فهذا واقعه، فلا ينبغي له أن يتشبع ويتظاهر بما ليس فيه .. وكذلك من يُقاتل دون ماله، وعرضه، ودمه، ومظلمته .. فهو يعلن أنه يُقاتل في سبيل الله دون حرماته، وحقوقه ومظالمه .. فهذا جهاد شرعي صحيح .. لا حرج على صاحبه كما تقدم بيانه .. فضلاً عن أن يُعتبر ردة عن دين الله بإجماع أهل الإسلام!
          وأنا هنا أصحح عبارته، فأقول: لو قال من قاتل ضد تحكيم الشريعة، وضد أن يُقام حكم الله في الأرض .. هو كافر مرتد بإجماع أهل الإسلام .. لكان كلامه صحيحاً .. أما كلامه أعلاه فلن يجد من يوافقه عليه إلا خارجي جلف جلد، قد هان عليه الولوغ في دين ودماء المسلمين!
          قال: “وهم يستغلون الشعارات الشرعية من أجل مقاصد دنيوية، وهذه قضيةٌ تصوريةٌ مهمة بها يُفَرّق بين الجهاد في سبيل الله تعالى وبين القتال من أجل ما يقاتل كل الناس عنه كالمال والعرض والأرض”ا-هـ.
          قلت: عندما يقول”وهم”؛ فهو يعني كل الفصائل والكتائب الشامية غير القاعدة .. ولربما يعني كل الناس سوى القاعدة، كما تفيد عبارته”من أجل ما يقاتل كل الناس عنه”، وهذه أطم، وأعم .. والله المستعان.
          فكل الناس ــ عدا القاعدة ــ لا يجاهدون في سبيل الله .. وإنما يستغلون الشعارات الشرعية من أجل مقاصد دنيوية، كالقتال دون المال، والعرض، والأرض .. وهذا تعميم ظالم طالما اتكأ عليه الخوارج الغلاة!
          مرة ثالثة، ورابعة يُخطئ عندما يُعارض بين الجهاد في سبيل الله وبين القتال دون المقاصد الدنيوية، كالقتال دون المال، والعرض، والأرض .. ويخرج القتال دون المقاصد الدنيوية من معنى ومسمى الجهاد في سبيل الله!
          بينما من جملة مقاصد الجهاد في سبيل الله الحفاظ على المقاصد الدنيوية التي فيها سلامة حياة الناس وسعادتهم، وقد تقدم الحديث عن ذلك.
          قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ]الأنفال:24.
          قال بعض أهل العلم: أي إذا دعاكم إلى الجهاد الذي فيه حياتكم، وعزكم، وقوتكم.
          قال: إعلانهم أن قتالهم ليس من أجل اقامة الشرع ، ولا هو جهاد إسلامي بل هو جهاد وطني … قتالٍ وطنيٍّ قُطري …”ا- هـ.
          قلت: تتكرر مثل هذه العبارات على ألسنة بعض الغلاة ومنظريهم، ومن يصغي إليهم .. جهاد إسلامي .. وجهاد وطني إقليمي .. فالأول مشروع .. والآخر جهاد وطني وثني غير مشروع … وكأن من يُقاتل دون أوطان المسلمين ليس مجاهداً، وإنما هو من المشركين الوثنيين .. وهذا من الغلو، والجهل، والتدليس، والتلبيس على عباد الله. 
          لا يوجد في شرع الله تعالى المنزّل شيء اسمه جهاد إسلامي .. وجهاد وطني .. إنما يوجد نوعين من الجهاد والقتال: قتال في سبيل الله، وقتال في سبيل الطاغوت .. لا غير، قال تعالى: [الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ]النساء:76.
          ما هو القتال في سبيل الله، ومتى يكون القتال أو الجهاد هو قتال وجهاد في سبيل الله ..؟
          هذا سؤال قد أجاب عنه الحبيب، القائد الأعظم، صلوات ربي وسلامه عليه، فقد جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: “يا رسولَ اللهِ، ما القتالُ في سبيلِ اللهِ؟ فإنَّ أحدَنا يقاتِلُ غضباً، ويقاتِلُ حَمِيَّةً، فقال: مَن قاتَل لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا ، فهو في سبيلِ اللهِ عز وجل” متفق عليه.
          وفي رواية عند أبي داود: أنَّ رجلًا قال: “يا رسولَ اللهِ إنَّ بني سلمةَ كلَّهم يقاتلُ فمنهم من يقاتلُ للدنيا، ومنهم من يقاتلُ يعني نجدةً، ومنهم من يُقاتلُ ابتغاءَ وجه اللهِ فأيُّهم الشهيدُ؟ قال: كلُّهم إذا كان أصلُ أمرِهِ أن تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا”.
          الضابط في التمييز بين قتال وقتال، وجهاد وجهاد ..”أن تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا”.
          فما هي كلمة الله ..؟
          هي كل ما أمر الله تعالى وأذِن بالقتال دونه؛ أي الدفاع عنه، ومن أجل تحقيقه  .. فالله تعالى أمر بالقتال دون الدين، ودون العِرض، ودون الدم والأنفس، ودون المال، ودون المظالم، ودون أوطان المسلمين ــ محضن الحقوق والحرمات ــ، ودون مقاصد الدنيا والآخرة سواء .. التي بها تعمر الأرض بالحياة والخير، ويتحقق الغرض من الاستخلاف، والخلافة .. فهذا كله من كلمات الله تعالى، ومما أمر الله تعالى القتال والجهاد دونه .. فمن قاتل ويقاتل لتكون كلمة الله ــ أي أمر الله على النحو المتقدم  ــ هي العليا، فهو في سبيل الله .. وصاحبها مقاتل ومجاهد في سبيل الله بنص الكتاب والسنة .. رغم أنف الغلاة الذين يوزعون الشهادة والجنة والنار على من يشاؤون، ويحرمون منها من يشاؤون!
          ثم ما مشكلة هؤلاء الغلاة مع الأوطان .. فكل من أعلن أو يعلن أنه يدافع عن بلده ووطنه، ويدفع عنه شر الأعداء، والأشرار .. قالوا: هذا جهاد وطني وثني .. وصاحبه في النار!!
          الوطن هو البيت الكبير للإنسان .. هو محضن الحقوق والحرمات .. ومحضن المقاصد الدينية والدنيوية سواء .. جل الحقوق والواجبات الشرعية ــ بما في ذلك الحكم بما أنزل الله ــ لا يمكن تنفيذها وتفعيلها إلا في أرض ووطن آمن مستقر، حصين ومُهاب .. من هنا نص علماء الإسلام على أن من اعتدى على شبر واحد من أرض الإسلام .. وجب دفعه، وجهاده .. صوناً لحرمات البلاد .. التي بها تُصان حرمات العباد!
          لكن عما يبدو ما أجمع عليه علماء الإسلام .. هو في نظر الغلاة المتنطعين جهاد وطني، وثني غير شرعي .. الله المستعان!
          قال: “ولذلك من الحكمة صِدام الجاهلية ابتداءً والاتكّال على الله تعالى، وترك المناورات في ساحة الخصم حيث هو أكثر قدرةً ووعياً منا على طبيعة الناس والحركات ..”ا- هـ.  
          قلت: هكذا يريد، وهكذا يوجه الذين يُصغون إليه؛ يريد صداماً مسلحاً مع الجاهلية كلها .. مع جيوش وعسكر الجاهلية كلها في الغرب، والشرق .. وفي الشمال والجنوب سواء .. فلا استثناء لبلد .. ولا لدولة من الدول في الأرض.
          هذا الصدام المسلح مع الجاهلية كلها .. لا ينبغي تأخيره .. أو كتمانه في مرحلة من المراحل .. أو التدرج فيه .. بل هو أول ما يجب أن تبتدئ به عملك وجهادك .. وقبل أن تنتهي من مواجهة النظام النصيري المجرم، ومن حلفائه من الروافض الأشرار .. الأقرب إليك والأشد ضرراً عليك .. هكذا يريد الشيخ ممن يُصغون إليه.
          لا مكان عنده .. ولا في قاموس مفرداته التحليقية التصعيدية .. لكلام سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: “الحربُ خُدعة” البخاري.
          ولا لقوله لنعيم بن مسعود: “خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة”.
          ولا مكان عنده لقوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: “اذهب  فأْتني بخبرِ القومِ، ولا تُذعّرهم عليَّ” مسلم.
          ولا لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال: يتعرّضُ من البلاء لما لا يُطيق” [صحيح سنن الترمذي:2254].
          ولا لقوله صلى الله عليه وسلم: “من ضارَّ أضرَّ الله به، ومن شاقَّ شَقَّ اللهُ عليه” [صحيح سنن ابن ماجه:1897].
          ولا لقوله صلى الله عليه وسلم: “وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم” مسلم. 
          ولا لقوله تعالى: [وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]البقرة:195.
          ولا لقوله تعالى: [إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً]آل عمران:28.
          ولا لقوله تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ]التغابن:16.
          ولا لقوله تعالى: [لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا]البقرة:286.
          ولا لقوله تعالى: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى]طه:43-44.  
          فكل هذه النصوص الشرعية وغيرها لا مكان لها في قاموس مفردات أبي قتادة …!
          لم يُعرَف عن النبي صلى الله عليه وسلم قط أنه واجه عدوين ــ فضلاً عن جميع الأعداء ــ في زمنٍ واحد .. أخذاً بالأسباب، ورأفة بالمؤمنين .. بينما أبو قتادة يريد من القلة المجاهدة في الشام على ما تعانيه من ضيق وحصار .. وخناق .. أن تقاتل الجاهلية كلها، بكل جيوشها وعسكرها في الأرض .. في آنٍ معاً .. وإلا فهي متهمة في دينها وجهادها .. وفهمها لمفاهيم الجهاد .. لا غرابة من موقفه هذا، فليس هو من سيدفع ضريبة غلوائه، وتحليقاته، وخربشاته ..!
          قال: “وترك المناورات في ساحة الخصم حيث هو أكثر قدرةً ووعياً منا على طبيعة الناس والحركات ..”ا- هـ.
          قلت: الخصم .. العدو .. أكثر قدرة ووعياً منا على المناورات وعلى فهم طبيعة الناس والحركات .. أما المسلمون .. وطليعتهم من المجاهدين .. فهم دون ذلك .. لا يصلحون لشيء من ذلك .. فهم أغبياء لا يفهمون، ولا يفقهون في المناورات .. فلنترك المناورات لهم .. فهي حلال لهم .. حرام علينا!
          نحن دورنا يقتصر فقط على الطحش .. والهجوم .. والتوحش .. والتفجير هنا وهناك .. أما المناورات .. والتكتيك .. والخداع .. والعمل بمقتضيات السياسة الشرعية .. وتقدير المصالح من المفاسد .. والنظر إلى المآلات .. وتقديم ما ينبغي تقديمه، وتأخير ما ينبغي تأخيره .. فهذا ليس لنا ولا نتقنه ولا نحسنه .. هذا معنى كلامه أعلاه ــ الذي لا يمكن أن يفسر غير هذا التفسير ــ الذي لا ينبغي ولا يليق أن يصدر عن صغار المسلمين!
          قال: “المصيبة هي من يريد أن يجرّ آخرين إلى مرتبته، وهي مرتبةٌ مدحية أجمع أهل العلم عليها، فإن الأخذ بالرخص في هذا الباب مرتبته الجواز، والأخذ بالعزيمة مرتبته الفضل والإحسان .. ونحن ها هنا نتحدث عن قضية الوحدة، فمن طلبها من آخذ العزيمة يجب عليه إن كان صالح النية أن يرتقي لمستواها، لا أن ينزل بالآخر إلى مرتبته، بل يعلّق وحدته على شرطته، وهو أدنى مرتبةً في الشرع .. وهذا أقوله وأنا أراقب البعض وهو يخاف سرقة فهمه لهذا الجهاد من قِبَل جماعاتٍ تدعو للوحدة وهي غير سوية الفهم لمعنى الجهاد الشرعي، فيقال له: مالك ولهؤلاء، اتركهم، ولا تقولن أتقوّى بهم اليوم، بل الواقع أن هؤلاء مرضٌ يكمن في داخلك يَبين ويظهر عند المُعضلات والمشكلات والفتن، حينها تكتشف أنك لم تعتصم بـ«حبل الله»، بل اعتصمت بخيط عنكبوت ..”ا- هـ.
          قلت: وإذا لم يستطع المقصّر أن يلحق بالسابق، أو أن يرقى لمستواه .. وإذا لم يستطع أهل الرخص أن يلحقوا بأهل العزيمة والشدة .. أيُقال للسابق، من أهل العزيمة: اتركهم .. اتركهم يموتون .. اتركهم يضيعون ويتيهون .. اتركهم لينفرد الطاغوت بهم .. اتركهم لا تتحد معهم .. هؤلاء مرضى .. وضرر .. وخيط عنكبوت؟!
          أين أنت من قوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون ــ على اختلاف درجات التزامهم، المقصرون منهم والسابقون ــ تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهُم، يَردُّ مُشِدُّهُم ــ أي قويهم ــ على مُضعِفهم، ومُتَسَرِّعِهم ــ أي المجاهد ــ على قاعِدهم” [صحيح سنن أبي داود:2391].   
          أين أنت من قوله صلى الله عليه وسلم: “ترى المؤمنين ــ على اختلاف درجات التزامهم، المقصرون منهم والسابقون ــ في تراحُمِهم وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى عضواً تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى” متفق عليه.
          ومن قوله صلى الله عليه وسلم: “المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إذا اشتكى رأسَهُ اشتكى كلُّه، وإن اشتكى عينَهُ اشتكى كلُّه” مسلم.
          ومن قوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمُ أخو المسلمِ لا يَظلِمهُ ولا يُسْلِمه” متفق عليه. أي لا يتخلى عنه ولا يتركه للظلم والقهر .. ولا لعدوان المعتدين .. مهما كان من المقصرين، وكان الآخر من السابقين!
          فأين أنت من هذه الأحاديث وغيرها ..!
          أسعد الناس بتنظيراتك، طاغية الشام …!
          الطاغوت يُقاتلنا قتال أمة الكفر والشرك والظلم .. وأنت تريد أن تقاتله قتال العصابة .. أو قتال النخبة من العصابة بعيداً عن الأمة وعن جهاد الشعوب المسلمة ..!!
          تُكثر من الحديث عن السُّنن .. إلى درجة التكلّف .. والاستتار بها .. وأنت في حديثك أعلاه تخالف سنن الصراع .. والنصر .. والتمكين.
          لا تزال تنظّر لجهاد العصابة .. وقد ظننا أن الأحداث والتجارب قد علمتك .. ورفعتك إلى مستوى التنظير لجهاد الأمة، والشعوب المسلمة الحرة، الكريمة ضد أعدائها .. لكن حديثك أعلاه، فجعنا وخيب ظننا، وظن كثير من مجاهدي أهل الشام.
          قال: ويرتبط بهذا أمرٌ آخر؛ وهو قضية المعونات والتبرعات والمساعدات القادمة من هذا الدول، فهذه لارتباطها بالأولى يتحدد المقصود، وهو رفض هذا الأمر بتاتاً دون استثناءاتٍ البتّة .. وأمّا قول البعض: “معونات بلا شروط”، فهذا هذيانٌ وضحكٌ على الذقون كما يقولون، ولم يعد لمثل هذه الكلمات قيمةٌ واقعية، والاستهزاء بمثل هذه الأمور مع انطلائها على البعض يدل أن هذا البعض إمّا خبيثٌ يتغابى، وإمّا جاهلٌ جهلاً مركّبا لا يستحق إمامة جهاد ولا قيادة أُمَّة.
          ولذلك يجب وضع شرطٍ واضحٍ في مثل هذه القضايا وهي كلمةٌ كبيرةٌ بيّنةٌ واضحة: لا، بلا استثناءات ولا شروط …
          وهذا القول إنما هو موجهٌ في الابتداء إلى جماعات الجهاد لا إلى الشعوب المنكوبة ولا أفرادها، فهؤلاء سبيلهم الحاجة، وتُقضى بالوجه الشرعي لمن يقضيها لهم، يؤخذ من كل أحد على وجه الجواز الاصلي كما هو معلوم …
          قلت: عسّر يا معسّر .. شدّد يا مشدد .. ضيق على عباد الله، وشد عليهم الخناق أكثر فأكثر .. فبعد أن حرّم عليهم التوحد .. فها هو يحرم عليهم أن يتلقوا أو أن يقبلوا أي مساعدة من أي دولة من الدول .. قد تلتقي مصالحها مع مصالح مجاهدي وثوار الشام باسقاط النظام النصيري المجرم.
          يا لفرحة طاغوت الشام بتأصيلاتك .. وتعسيراتك .. فلو عمل مجاهدو الشام بتوجيهاتك، وتنظيراتك، لأسلمتهم للطاغوت النصيري لقمة سائغة منذ زمن!
          ألم يستعن النبي صلى الله في هجرته من مكة إلى المدينة بمشرك .. وفي موقعة حنين بسلاح صفوان بن أمية وكان لا يزال على الكفر والشرك .. وكان صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا وعطايا المشركين من غير شرط.
          كما في الحديث الذي أخرجه البخاري، عن النعمان بن بشير، قال: “أَهْدَى ملكُ أَيْلَةَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بغلةً بيضاءَ ، وكساهُ بُرْدًا”.
          قالت عائشة رضي الله عنها: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَقْبَلُ الهديَّةَ ويُثِيبُ عليها” البخاري.
          وقال صلى الله عليه وسلم: “سَتُصالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أنْتُمْ وهُمْ عَدُوًّا من ورائِهِمْ، فَتَسْلَمُونَ وتَغْنَمُونَ” [صحيح الجامع:3612]. وفي رواية: “عدواً من ورائكم”. وهذا يتضمن نوع تعاون واستعانة، وتنسيق .. وهو معنى لا يخفى على أحد.
          ألا يوجد لهذه القواعد الفقهية المتفق عليها بين علماء الإسلام، متسعاً في قاموسك، وفقهك: “الضرورات تبيح المحظورات .. والمشقة تجلب التيسير .. وإذا ضاقت اتسعت”، أم من الخنوثة الفكرية .. والانبطاح .. والإرجاء .. العمل بمقتضاها؟!
          ألم يقبل مجاهدو الأفغان زمن الشيخ عبد الله عزام المساعدات من كثير من الدول .. وعلى رأسهم دولة الباكستان .. ممن لهم خلافاتهم مع روسيا، ولهم مصالحهم في تقليص هيمنة الوجود السوفيتي في المنطقة .. ولم ينكر عليهم أحد!   
          أنت ذاتك ــ يا أبا قتادة ــ: ألم تقبل المساعدات من الحكومة البريطانية .. ولسنوات طوال .. ولما أرادوا تسفيرك لبلدك الأردن رفضت واعترضت، واستأنفت الحكم لدى المحكمة الأوربية .. حتى يحققوا لك مطالبك وشروطك، والتي منها أن لا تتعرض للتعذيب في الأردن .. وقد فعلوا، وحققوا لك مطلبك وشرطك!
          وأنا هنا لا أنكر عليك .. ولكن أسألك ألا يحق لشعب محاصر، تكالبت عليه قوى الشر والظلم من جهاته الأربع، وحلَّت له الميتة منذ زمن بعيد .. بعض ما يحل لك؟!
          تحرم على المستضعفين المحرومين .. ما تحلله لنفسك .. وأنت، أنت؟!
          ثم بعد ذلك تقول: “وهذا القول إنما هو موجهٌ في الابتداء إلى جماعات الجهاد لا إلى الشعوب المنكوبة ولا أفرادها، فهؤلاء سبيلهم الحاجة، وتُقضى بالوجه الشرعي لمن يقضيها لهم، يؤخذ من كل أحد على وجه الجواز الاصلي كما هو معلوم …”ا- هـ.
          فما الفرق بين جماعات الجهاد، وبين الشعوب المنكوبة .. إذا كانوا جميعاً في الحاجة والفاقة سواء .. لماذا حرام على المجاهد أن يقبل المساعدة، والمدني المنكوب حلال له .. أين الدليل الذي يحرم على الأول، ويُبيح للآخر .. علماً أن الشعوب المنكوبة قد تكون عرضة للابتزاز أكثر من المجاهدين؟!
          ولو سلّمنا بقولك هذا .. لترك المجاهدون سلاحهم .. واصطفوا في طوابير الشعوب المنكوبة .. لتحل لهم المساعدات .. بعد أن كانت حرام عليهم بسبب جهادهم ..!!  
          وبعد، أكتفي بهذا القَدر .. فضيق الوقت، وكثرة الأعمال .. لم تسمح لي بتتبع جميع ما ورد في المقالة من تحليقات في الفضاء .. واستعلاء في الخطاب .. واضطراب في التراكيب والألفاظ المتشابهة حمالة الأوجه، والتفاسير .. ولو أردنا أن نتتبع جميع ما ورد فيها، لتضاعف الرد، وتضاعف المقال .. وهذا ما لا نملك الوقت لأجله .. ولكن أحسب فيما تقدم بيانه كافٍ لتنبيه القراء والمتصفحين مما ورد في مقالة الشيخ من أخطاء ومزالق منهجية وشرعية لا يُستهان بها  .. كما هو كافٍ كنصيحة للشيخ ذاته؛ عساه أن يؤوب، وينصف الحق من نفسه .. ويتق الله في الشام، وأهل الشام، ومجاهدي الشام .. والله الموفق والهادي لكل خير.
          [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ]هود:88.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
عبد المنعم مصطفى حليمة
“أبو بصير الطرطوسي”
22/4/2015
www.abubaseer.bizland.com

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*