جديد الموقع

حوار الشيخ أبي بصير الطرطوسي مع موقع صدى الشام الإسلامي حول الأوضاع في الشام

بسم الله الرحمن الرحيم
ــ كلمة الموقع:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وأله، وبعد:
في خضم الأحداث الهامة والمتسارعة على الساحة الشامية، والتي تستدعي الوقوف عندها كثيراً، وسؤال أهل العلم عنها، يسر موقع “صدى الشام الإسلامي” إجراء هذا الحوار مع فضيلة الشيخ عبد المنعم مصطفى حليمة والمعروف بـ”أبو بصير الطرطوسي” بارك الله فيه، حيث سوف نحاوره إن شاء الله حول بعض القضايا المهمة على الساحة الشامية اليوم.

والشيخ أبو بصير الطرطوسي هو من علماء الشام، وله العشرات من المؤلفات والأبحاث الشرعية وكذلك كتب العديد من المقالات ، وله العديد من الدروس واللقائات.
ولقد شارك الشيخ أبو بصير في الثورة السورية الأولى ضد الطاغية النصيري الهالك حافظ الأسد، ولقد نال الشيخ أبو بصير الطرطوسي الأذى الكثير من هذا النظام النصيري.
والشيخ أبو بصير الطرطوسي هو من الداعمين لهذه الثورة الشامية الثانية منذ انطلاقتها، ولقد تنقل فضيلته في أنحاء المناطق المحررة، واطلع على أوضاع الساحة الشامية عن قرب.
ويسعدنا موافقته على إجراء هذا الحوار معه ، سائلين الله – عز وجل – أن يجعل هذا الحوار في ميزان حسناته يوم القيامة، وأن يكون فيه خير ونفع للمسلمين.
أجرى هذا الحوار الأخ/ عبد الرحمن الشامي “المشرف على موقع صدى الشام الإسلامي.
نص الحوار
عبد الرحمن الشامي: بدايةً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله شيخنا الفاضل أبو بصير الطرطوسي.
ــــ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. مرحباً بكم .. وجزاكم الله خيراً على ما تبذلونه من جهد طيب ومبارك في خدمة ونصرة قضايا المسلمين، وبخاصة في شامنا الحبيب.
السؤال الأول: فضيلة الشيخ، مضى على الثورة السورية منذ انطلاقتها ما يقرب من أربع سنوات، وعلى الرغم من الإنجازات التي حققتها هذه الثورة، إلا أنها قد تخللتها بعض الأخطاء والسلبيات، برأيكم ما هي السلبيات التي استطاعت الثورة السورية تجاوزها وإصلاحها؟ وما هي السلبيات التي ما زالت تحملها معها هذه الثورة، وكيف يمكن إصلاحها والتغلب عليها؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. من إنجازات الثورة الشامية أنها حطمت أصنام طواغيت آل الأسد، وبتحطيمها لها حطمت معاني العبودية، والطاعة، والتبعية للطاغوت في نفوس الناس .. فحررت الإنسان من العبودية للطاغوت، وأطلقت له العنان ليعيش حريته، وكرامته، ودينه، وتوحيده من غير إرهاب ولا خوف .. على ما نزلت به من جراحات وآلام، لا بد منها في كل عملية خلاص. 
كما أن الثورة الشامية المباركة، قد عُرفت بأنها الكاشفة، والفاضحة .. فقد كشفت وفضحت زيف وكذب الكافرين والمنافقين والدجالين .. فكشفت وفضحت دجل وكذب المجتمع الدولي .. وأبطلت دعواه بأنه حامي للإنسان، ولحقوق الإنسان!
كما كشفت وفضحت الذين تستروا دهراً وراء شعارات المقاومة والممانعة .. فعرت وفضحت دعوات التشيع ومن كان وراءها .. كما عرت كل باطل كاد أن يُهلك أهل الشام .. ويُبعدهم عن الحق، والصراط المستقيم .. وهذه مكاسب لا تقدر بثمن.
كما أنها عرت وفضحت المتسلقين ومرضى النفوس .. ممن يقتاتون بالثورة وآلام أهل الشام .. فلولا الثورة الشامية لما تم كل ذلك …!
وفضح المجرمين .. وبيان سبيلهم .. مطلب من مطالب الحق، كما قال تعالى:[ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ]الأنعام:55.   
وإن كنا نألم .. فإن النظام النصيري وأعوانه وشبيحته .. يألمون أكثر مما نألم .. على الفارق الكبير بيننا وبينهم .. فنحن نرجو من الله ما لا يرجون .. فقتلانا في الجنة .. وقتلاهم في النار .. وسلوانا أننا نقاتل في سبيل الله .. ومن أجل قضية عادلة .. وسلواهم أنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت .. ومن أجل قضية باطلة ظالمة .. ولا يستويان مثلاً.
أما عن السلبيات التي لا تزال تعاني منها الثورة .. منها غياب التنسيق والتوحد المطلوب فيما بين الفصائل والكتائب الشامية الثائرة المجاهدة .. حيث يظهر في كثير من الأحيان .. سيطرة فكرة ومرض المناطقية على النفوس .. حيث كل فصيل تهمه منطقته وحسب .. بينما المناطق الأخرى من سوريا لا تعنيه، ولا تهمه .. كما تعنيه وتهمه منطقته، وقريته .. وهذا قصور في التصور والعمل .. وأنانية نربأ بالمجاهدين المخلصين أن يقعوا فيها .. ولعل قريباً ــ إن شاء الله ــ يُعلَن عن توحد كبير فيما بين جميع الفصائل والكتائب الشامية بكل  أطيافها ومسمياتها باسم ” مجلس قيادة الثورة “، تحت عنوان مبادرة ” واعتصموا “، تتفادى هذا القصور الذي أشرنا إليه. 
ومن السلبيات التي تُذكَر أيضاً محاولة فصيل جبهة النصرة أن يُقعدِن الثورة السورية .. ويصبغها بصبغة وطابع القاعدة .. والارتباط بالقاعدة .. على ما يتسبب هذا الارتباط .. من ضرر بالغ ومحقق للشام، وأهل الشام، ومستقبل الإسلام في الشام .. ويزعّر عليهم وعلى ثورتهم العالَم كله .. ويصعب عليهم مهمتهم .. ويُدخل الثورة في نفق مظلم لا نهاية له .. وهذا ما لا يخفى على أحد.
جميع أهل الشام ممثلون بعلمائهم ومجاهديهم .. يتكلمون في السر والعلن .. عن ضرر ربط الثورة الشامية بالقاعدة .. وما قد يجر هذا الارتباط عليهم من ضرر محقق .. لا يستفيد منه إلا الطاغوت النصيري ونظامه، وإيران وحزب اللات .. وقد رأينا طلائع هذا الضرر في هجمات وضربات وتكالب التحالف الدولي على الشام وأهل الشام بذريعة القاعدة ومشتقاتها … وكلهم رجاء بأن تتصدق النصرة على الشام وأهل الشام وثورتهم بفك ارتباطها بمسمى القاعدة ..!
هذا أمر كررناه على مسامع النصرة وقادتها أكثر من مرة .. وفي كل مرة يتعاملون مع ندائنا وطلبنا من منظور حزبي، وولاء حزبي ضيق ــ وبشيء من اللامبالاة! ــ مؤثرين الولاء والانتماء لحزب القاعدة على الولاء والانتماء للأمة .. وللشام، ومسلمي أهل الشام .. كنا نربأ بالأخوة في النصرة أن يقعوا بشيء من ذلك.
يخوفهم الشيطان أن بعض عناصرهم المتعصبين لمسمى حزب القاعدة قد تتفلت منهم بسبب فك ارتباطهم بمسمى القاعدة .. وفاتهم أنهم مقابل ذلك سيكسبون ملايين المسلمين من أبناء الشام .. وغير الشام .. ومن يُرضي الله بسخط الناس .. يَرضى اللهُ عنه، ويُرضي عنه الناس .. ولو بعد حين!
السؤال الثاني: في الفترة الأخيرة طرح البعض في وسائل التواصل الاجتماعي، مشروع إقامة إمارة إسلامية في الشام، لكي تجتمع كلمة المجاهدين عليها ولضمان عدم سرقة ثمار هذه الثورة، ما هو رأيكم في هذا المشروع؟ وما هي نصيحتكم فيما يتعلق بهذا المشروع؟ خصوصاً وأنكم أصحاب “كتاب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية”؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. أهل الشام ينشدون قيام دولة إسلامية عادلة راشدة لها مؤسساتها المدنية والعسكرية التي تعينها على أن تنهض بواجباتها الداخلية والخارجية، تشمل جميع ثرى وأرض سوريا بإذن الله .. وإيما مشروع دون هذا المستوى .. فهو ضار ومرفوض .. يفتح الباب لتقسيم سوريا إلى إمارات متناحرة متدابرة عديدة .. بعدد أمراء الحرب .. وربما بعدد الفرق الموجودة .. وهذا محذور لا بد من أن نتنبه له عند الاعلان عن أي خطوة من هذا القبيل.
الخوف والحذر من أن تسرق الثورة لصالح مشاريع باطلة وهدامة .. مشروع .. وحق .. وواجب .. يستدعي منا مزيداً من التكتل .. والوعي .. والتوحّد .. والتشاور .. والعمل .. لكن لا يواجه بإعلانات متسرعة لم تأخذ حقها من الشورى، والدراسة .. وضررها يغلب نفعها.
لا نريد لإخواننا أن يقعوا فيما وقعت به جماعة الدولة ” داعش “، حينما أعلنت عن الدولة .. ومن ثم الخلافة .. من دون أي مشورة .. ولا أخذ للأسباب الاعتبارية والضرورية لهكذا إعلان .. فقاتلت وقتلت على ذلك .. وسفكت الدم الحرام .. وأثارت معارك جانبية داخلية من أجل ذلك، لا تصب إلا في خدمة الطاغوت النصيري ونظامه. 
السؤال الثالث: في ظل الصراع بين جماعة “الدولة الإسلامية” وبقية فصائل المجاهدين في الشام، يرى البعض أن الحسم العسكري مع جماعة “الدولة الإسلامية” غير مجدي، لقوة تلك الجماعة ولأنه سوف يضعف ويستهلك قدرات الطرفين، برأيكم ما هو السبيل الأمثل في التعامل معهم؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. التوجيه أن نكف عن جماعة الدولة وعن قتالهم، ما كفوا عن قتال المسلمين ومجاهديهم .. وما كفوا عن السطو على حرماتهم ومقراتهم .. وما لم يقفوا عقبة كأداء أمام أهداف الثورة الشامية المنشودة.
أما إن أصروا على القتال، وافتعال المعارك .. والتدخل في شؤون الثورة الشامية بطريقة تخدم النظام .. وعلى الغدر ــ وهذا المتوقع منهم لسفاهتهم، وعمالة بعضهم ــ حينئذ لا بد من قتالهم، ورد عدوانهم .. بحسب المستطاع.
العدو الخارجي ــ وكذلك الداخلي المتمثل في النظام النصيري الرافضي ــ لن يستأصلهم .. سيترك منهم بقية للمهام القذرة التي يعجز عنها .. والتي تؤذي أهل الشام ومجاهديهم وقادتهم فيما بعد الفتح والنصر على النظام النصيري .. كما أن النصوص الشرعية تفيد بأن الخوارج الغلاة فرقة باقية كلما ذهب منهم قرن، ظهر قرن .. إلى أن يظهر من بينهم المسيح الدجال، فينصرونه على المسيح الحق عليه السلام ومن معه من المؤمنين!
وبالتالي لا نتوقع إنهاؤهم وزوالهم بالكلية .. ولكن نتوقع إضعاف شوكتهم وقوتهم .. ودحرهم إلى الجحور، والكهوف .. وبصورة تسمح للحياة بالاستمرار والحركة بإذن الله.
السؤال الرابع: لقد تشكلت حكومة سورية مؤقتة في الأراضي التركية، ما رأيكم في هذه الحكومة وما هي الطريقة الأفضل في التعامل مع هذه الحكومة؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. يعنينا من هذه الحكومة، وغيرها من التشكيلات التي تتشكل في الخارج .. ما تقدمه لأهلنا في الداخل من خدمات ومساعدات .. فلا نرفضها على الاطلاق .. ولا نتبناها على الاطلاق .. وإنما نتبنى ما يصدر عنها من خير لأهلنا وللثورة الشامية، ونثني عليه خيراً .. ونتبرأ من باطلها، وما يصدر عنها من أخطاء تتنافى مع متطلبات وأهداف الثورة .. عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم:” فاشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء “، أياً كان هذا المحسن، وكان هذا المسيء.
ما تقدم لا يمنعنا من أن نشير إلى أن الحكومة الحق .. هي التي تتواجد على الأرض وفي الميدان .. تعيش هموم ومشاكل الناس .. وتتمتع بتمثيل غالب الشعب، وجميع ــ أو غالب ــ الكتائب والفصائل الشامية المجاهدة والعاملة على الأرض.
السؤال الخامس: لبنان كانت وما زالت شؤونهم مرتبطة ارتباطاً شديداً بالوضع في سوريا، حيث عانى اللبنانيون مثل إخوانهم السوريين من ظلم وبطش النظام النصيري، ويرى بعض أهل السنة في لبنان أن مصيرهم مرتبط بمصير الثورة السورية، ما هو توجيهكم ونصيحتكم لأهل السنة في لبنان؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. لا شك أن هناك ترابط وثيق ومصيري واستراتيجي بين أهل السنة في سوريا ولبنان .. الإساءة إلى طرف هو إساءة للطرف الآخر منهما .. وآلامهما ومعاناتهما مشتركة تجاه النظام الأسدي النصيري.
وهنا أود أن أشير أنه لم يكن من الحكمة، ولا السياسة الشرعية ــ في هذه المرحلة ــ أن يفتح بعض الفصائل أو العناصر معارك جانبية على الأراضي اللبنانية، للأسباب التالية:
1ـــ فيه تشتيت للقوة وللمعركة الأساس مع النظام النصيري في سوريا ..
2 ـــ فيه ضرر لمئات الآلاف من النازحين المتواجدين على الأراضي اللبنانية .. وقد شاهدنا شيئاً من ذلك.
3 ـــ فيه استعداء لجميع المؤسسات والهيئات العسكرية والمدنية اللبنانية .. وحملها على المواجهة مع الثوار والمجاهدين السوريين .. بعد أن كان كثير منها يقف موقف الحياد .. أو المتفرج .. وربما المتعاطف مع الثورة .. وهذا مطلب من مطالب حزب اللات اللبناني .. حيث كان ولا يزال حريصاً على أن يزج في معركته مع ثوار ومجاهدي الشام جميع المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية .. والأحزاب اللبنانية ..!
4 ـــ كان حزب اللات يؤذي النازحين والمهاجرين السوريين باسم الحزب، والطائفة الشيعية .. وبعد الذي حصل .. أصبح يؤذيهم، ويمارس سياساته الطائفية الاستئصالية البغيضة باسم الدفاع عن اللبنان، وعن جنود، وأمن اللبنان .. فكان هذا الذي حصل بمثابة الهدية له .. وحبل النجاة!
5 ـــ عدم تفهم الشعب اللبناني ــ بكل أطيافه ــ لمثل هكذا عمل .. مما قد ينمي الشعور بالحساسية والتنافر والعداوة فيما بين الشعبين .. وهو مطلب من مطالب النظام النصيري، وحزب اللات!
6 ـــ إضافة إلى أن مثل هذا العمل ــ لخطورته وحساسيته ولانعكاساته على جميع الثورة ــ كان ينبغي أن يخضع للشورى بين الكتائب والفصائل الفاعلة على أرض الشام .. قبل أن يصدر أي قرار .. ولم يحصل شيء من ذلك.
لأجل هذا الذي تقدم قلت، وأقول: لم يكن من الحكمة ولا السياسة الشرعية أن يحدث الإخوان ما أحدثوه على الأراضي اللبنانية، والله تعالى أعلم.
السؤال السادس: مازالت فئة من علماء الشام يؤيدون ويدافعون عن الطاغية النصيري بشار الأسد، وقد يتعذر لهم البعض أن موقفهم هذا هو من باب دفع المفسدة وجلب المصلحة، فبعض هؤلاء العلماء لديهم معاهد شرعية، وبعض الدروس الشرعية، فهل هذا يمكن أن يكون عذر لهم في عدم تكفيرهم ، أم أنه ليس لهم بعذر؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. بعد كل الذي حصل .. فقد بدا كفر وإجرام الطاغوت بشار الأسد ونظامه النصيري للعميان .. وصغار وعوام الناس .. وبالتالي لا يعذرهم شيء مما ورد في السؤال .. سوى الإكراه .. لقوله تعالى:[ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ]النحل:106.
وهؤلاء الذين يقفون مع الطاغوت النصيري، وفي مصافه .. ليسوا علماء .. مهما اتسع صيتهم .. أو تزيوا بزي العلماء .. فالعالم الحق هو الذي يكفر بالطاغوت .. ويشهد بالتوحيد المنافي للولاء للطواغيت، كما قال تعالى:[ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ]آل عمران:18. فجميع أولوا العلم بدون استثناء يشهدون [ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ]، ومن كان يؤمن بالطاغوت .. وينصره .. لا يشهد بحق [ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ]، ومن لا يشهد هذه الشهادة يخرج من زمرة [ أُوْلُواْ الْعِلْمِ ]. إلى زمرة أولي الجهل والهوى!
السؤال السابع: أقامت بعض الفصائل في الشام بعض المحاكم الشرعية، فهل يجوز إقامة الحدود على الناس كحد القتل والسرقة والزنى وغيرها، في ظل واقع الشام اليوم، أم أنه ينبغى على تلك المحاكم تجنب إقامة تلك الحدود؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. انعقد النص ــ ومن أهل العلم من نقل الإجماع ــ على أن الحدود لا تُقام بأرض الحرب، خشية أن يقفذ المحدود ــ الذي استوجب عليه الحد ــ إلى صف العدو .. فينقلب إلى عدو محارب لله ولرسوله وللمؤمنين .. وهذا المحذور متيسر الآن في معركتنا مع الطاغوت وجنده .. لاقتراب خطوط التماس والجبهات بين الفريقين .. كما أن ظروف وإمكانيات الكتائب والفصائل في هذه المرحلة ــ وبصورتها المتفرقة ــ غير قادرة على احتواء مضاعفات وتبعات قيام بعض الحدود .. من حماية للقضاة .. والشهود .. وأهل الحق .. وإيقاف الثأر .. ونحو ذلك .. وقد وقفنا بأنفسنا على شيء من تلك المشاكل!
من متطلبات قيام الحدود وجود الأرض الآمنة .. والسلطة النافذة .. والسلطان الذي تجتمع عليه الكلمة، والقادر على إنفاذ الحدود .. واحتواء مضاعفاتها وآثارها.
ما تقدم لا يمنع من قيام الحد الشرعي على المفسدين قاطعي الطريق الذين يسطون على حرمات وحقوق الناس .. ويكون تأديبهم، وزجرهم مطلباً شعبياً وملحاً .. فتطبيق الحد الشرعي على من كان هذا وصفه .. لا تخفى مصلحته، والله تعالى أعلم. 
السؤال الثامن: يقع من بعض أهل الشام أقوال كفرية كسب الله والإسلام، فهل يجوز إقامة حد الردة عليهم، في ظل واقع الشام اليوم؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. من سبَّ الله أو سب دين الله الإسلام .. وجاهر بذلك .. يُستتاب .. ويُعزَّر .. ويُعلَّم ويؤدَّب .. فإن عاد إلى السب والطعن مرة ثانية يُستتاب أيضاً .. فإن عاد في الثالثة .. يُقام عليه حد الردة .. فإنه زنديق متلاعب!
مع مراعاة ما تقدم ذكره في الجواب عن السؤال السابع الوارد أعلاه .. ومراعاة أن الشعب السوري بمجموعه حديث عهد بكفر النظام النصيري الذي ربَّى الناس ــ طيلة أكثر من خمسين سنة ــ على الطعن والتهكم بالله والدين .. وبالتالي لا بد من أن يأخذ حقه في التعليم والتأديب، والتربية الصحيحة، قبل أن يأخذ حقه في العقوبة، والله تعالى أعلم.
          السؤال التاسع: تلعب تركيا اليوم دور مهم في دعم الثورة السورية، وقد تباينت آراء الفصائل حول كيفية التعامل مع الدولة التركية، فما هي نصيحتكم للمجاهدين في كيفية التعامل مع تركيا، وفق ضوابط السياسة الشرعية؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. الجواب عن هذا السؤال من شقين: شق أخلاقي، وشق سياسي.
أما الشق الأخلاقي .. فإنه يلزمنا نحن الشعب السوري، وجميع الفصائل والكتائب والهيئات العاملة على الأرض السورية .. أن نتقدم بجزيل الشكر لتركيا حكومة وشعباً لما يقدمونه لشعبنا وأهلنا المستضعفين من مساعدات وخدمات إنسانية وإغاثية عظيمة .. وأن نعرف لهم هذا الحق ونشكره .. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
أما الشق السياسي .. فتركيا هي أكثر دول الإقليم والمنطقة وقوفاً مع الشعب السوري، ومع تطلعاته، وثورته، وقضيته، والأهداف التي ينشدها من ثورته .. وهذا يستدعي من الجميع أن يُحسنوا جوارها .. ويحسنوا التعامل والتعايش معها، وأن يُقابلوا الجميل بالجميل.
لا يُسيء لتركيا في هذه المرحلة، وهذه الظروف إلا واحد من اثنين: النظام الأسدي المجرم وشبيحته، أو خارجي مغال جاهل سفيه .. وكلا الفريقين أهلنا وشعبنا وثورتنا برآء منهما.     
السؤال العاشر: يرى بعض المنظرين، أن ثورة أهل سوريا على بشار الأسد كانت خطأ فادحاً، وأن هذه الثورة أثبتت صحت ما يطرحونه، من أن المصلحة تقتضي عدم الخروج على الحاكم، وإن كان ظالماً، وأن المفاسد التي وقعت في الشام كثيرة ، أكثر من المصالح، وهذا كله بسبب الخروج على الحاكم، فما هو قولكم في ذلك؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. مهما ترتب على الخروج والثورة على الطاغوت بشار الأسد ونظامه ــ الذي اجتمعت فيه جميع مظاهر الكفر ونواقض الإيمان ــ من آثار وآلام فهي لا ولن تعدل 1% من آثار الذل، والركون إلى الطاغوت، والرضى به وبنظامه!
هؤلاء الذين يستعظمون ضريبة الإيمان والعزة، والكرامة، والحرية .. نسوا أو تناسوا ضريبة الذل والخنوع، والركون والعبودية للطاغية ونظامه .. كم كانت باهظة ومكلفة .. والتي كانت تُدفع باهظة من الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعزة، والكرامة، والحرية .. وكل ما يملكه الإنسان .. إذ لم يبق عزيز وغال إلا وضحى به الناس كضريبة للركون والسكوت على الطاغوت ونظامه!
كان من قبل جندي نصيري واحد يطوف على القرية .. وعلى القبيلة بكاملها .. فيذلها، ويذل رجالاتها وشيوخها .. ويفعل بأهلها ما يهوى ويريد .. من دون أن ينكر عليه أحد .. أو يتجرأ أحد على مساءلته أو النظر إلى وجهه .. واليوم نطوف أكثر من نصف سوريا .. فنجد أهلها وساكنيها يعيشون كامل العزة والحرية والكرامة .. لا يجرؤ كلب من كلاب الطاغوت وشبيحته أن يدوس شبراً منها .. ولو لم يكن سوى هذا الفارق بين العهدين .. لكفى .. ولكن أنَّى للعبيد أن يفقهوا ذلك؟!
هؤلاء الذين يستعظمون ضريبة الإيمان، والعزة والكرامة .. قد ألفوا الذل والهوان .. وألفوا ضريبة الركون والعبودية للطاغوت .. وهؤلاء لا رأي لهم عندما تثور الشعوب الحرة الكريمة المؤمنة .. تطالب بحريتها، وكرامتها، وعزتها .. وحقوقها!
وهؤلاء هم المرجفون الذين حذّر القرآن من الإصغاء إليهم، وإلى كلماتهم .. وهم موجودون عبر الأزمان .. لا تخلو منهم الأجيال والساحات .. وهم المعنييون من قوله تعالى:[ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ]التوبة:47.
السؤال الحادي عشر: بعد المواجهة التي حصلت بين جبهة ثوار سوريا وجبهة النصرة، طرحت مبادرة لتشكيل لجنة شرعية عليا للفصل بين هذين الفصيلين، على أن يكون فضيلتكم أحد أعضاء هذه اللجنة، فهل تشكلت هذه اللجنة، وماذا قامت به هذه اللجنة لحد الآن؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. هذا صحيح .. لكن في الوقت الذي قبلت بنا جبهة ثوار سوريا، والأخوة في حركة حزم الذين تم الاعتداء عليهم وعلى مقراتهم أيضاً من قبل جبهة النصرة .. وقبلوا بكل ما كنا نطالبهم به .. لم نلقَ أي تجاوب أو تفاعل من إخواننا في النصرة .. كما أننا عجزنا عن التواصل مع عناصر منهم تملك اتخاذ القرار .. وكنا كلما نلتقي مع أحدهم .. كان يعتذر لنا بأنه ليس بيده شيء .. ولا يملك أن يتخذ قراراً!
وإنها لمناسبة لأقول للأخوة في النصرة: إذا كنا في مثل هذه الملمات والمشاكل الكبيرة .. التي تستوجب حلاً سريعاً .. نعجز وغيرنا عن التواصل معكم .. فكيف بعامة الناس أن يتواصلوا معكم .. ويرفعوا مظالمهم ومشاكلهم إليكم من غير مشقة ولا خوف؟
لا بد من إيجاد آليات تسهل التواصل معهم؛ مع من بيده القرار من دون مشقة ولا عنت .. وتسهل مراجعتهم ومكاشفتهم فيما يشكل علينا وعلى الناس من أهل الشام ..!
الغموض، والانكماش .. وعدم الوضوح .. والمكاشفة .. والانفتاح .. وبخاصة في مرحلة نستشرف فيها قيادة الأمة والناس .. لا ينفع .. ولا يستقيم .. ضرره يغلب نفعه .. والشعوب في ثوراتها لا تقبل مثل هذا الغموض، والانكماش!  
السؤال الثاني عشر: ما حكم المشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد المسلمين في الشام، والذي استهدف عدّة فصائل، كان آخرها استهداف حركة أحرار الشام؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين. سبق أن قلنا أن لهذا التحالف مآرب لن تقف عند حدود مقاتلة داعش كما زعموا .. وإنما داعش ما هي إلا شماعة تبرر للتحالف الدولي بقيادة أمريكا التدخل في الشأن السوري، وشأن مستقبل سوريا .. والنظام الذي سيحكم سوريا .. بالطريقة الذي يشاء .. كما تبرر له أن يضرب الفصيل والجماعة الذي لا يرتضيها .. وقد حصل ذلك وللأسف .. في الوقت الذي لم يوجه فيه التحالف ضربة واحدة للطاغوت المجرم وقواته؛ الطاغوت الذي لم يدع نوعاً من الجرائم إلا وارتكبها بحق الشعب السوري المستضعف .. لذا فإن موقفنا واضح منذ البداية، والذي تحدد برفض هذا التحالف، ورفض أي شكل من أشكال التعاون معه، ورفض ما جاء لأجله.
وأيما شخص أو فصيل يرتضي التعاون مع هذا التحالف المشار إليه ويطاوعه على أهدافه، والتي منها محاربة مجاهدي وثوار الشام .. ومحاربة الإسلام والمسلمين .. واستعمار الشام ولو بصورة غير مباشرة عن طريق الأذناب والعملاء .. فهو منهم، حكمه حكمهم .. وشريك لهم في الوزر .. والشام وأهل الشام وثورتهم برآء منه .. كما قال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]المائدة:51.
السؤال الثالث عشر والأخير: لقد تأخر القضاء على النظام النصيري، فما هي نصيحتكم للفصائل الشامية ولعموم أهل سوريا، حتى يعجل الله لنا النصر والتمكين؟
وفي الختام نشكر الشيخ أبو بصير الطرطوسي على إتاحة الفرصة للحوار معه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب: الحمد لله رب العالمين. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد .. كما تعلمون الثورة الشامية لم تعد تواجه النظام النصيري وحاشيته وشبيحته وحسب .. ولو كان الأمر كذلك لسقط منذ زمن بعيد .. وإنما تواجه جميع القوى الدولية والإقليمية التي تقف خلف هذا النظام المجرم .. والتي تدعم هذا النظام ولو بالسكوت عن جرائمه .. فالرضى بالشيء كفاعله .. فهذا من جملة الأسباب التي أخرت النصر والفتح.
لكن هذا الجانب لا يقلقني، كالجانب المتعلق بأنفسنا .. وأمراضنا الداخلية .. هذا الجانب إن أقبلنا عليه بصدق وأصلحناه .. نكون قد خطونا خطوة كبيرة وسريعة جداً نحو النصر، والفتح، والتمكين، كما قال تعالى:[ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ] كل هذا الخير والمن والعطاء مقابل تحقيق [ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ]النور:55.
وقال تعالى:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ]محمد:7.
فالخوف على أنفسنا وصفوفنا وجهادنا من أخطائنا أكثر من الخوف على أنفسنا من عدونا ومن سلاحه .. والعدو يستفيد من أخطائنا ويتقوى بها علينا .. ولا يُنتظر منه غير ذلك.
قال تعالى:[ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ] فماذا كانت النتيجة والعاقبة [ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ]المائدة:14.
ونحن كذلك إن نسينا حظاً من الدين والتوحيد .. يصيبنا ما أصابهم، ويُغري الله فيما بيننا العداوة والبغضاء .. فليس لهم كل مرة، ولنا كل حلوة!
ومن حظوظ الدين التي لا يجوز ولا ينبغي أن ننساها أو نغفل عنها ونفرط بها .. التوحيد .. والتوحّد .. والاعتصام بحبل الله .. وتفعيل الشورى .. والعدل فيما بين الناس .. والجهاد .. والإعداد له على قدر المستطاع .. وأن تسود فيما بين جميع الفصائل والكتائب الشامية المخلصة المجاهدة المحبة .. والثقة .. وحسن الظن .. والاحترام المتبادل .. والنصيحة الصادقة .. وأن توجد فيما بينهم وسيلة للمكاشفة تسهل عليهم مراجعة بعضهم البعض عند مورد الشبهات .. والاتهامات .. فإن فعلنا ذلك نكون قد خطونا خطوة كبيرة وفاعلة نحو النصر، والفتح، والتمكين، بإذن الله .. ولو كره الكافرون.
[ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ]الروم:4-5. وما ذلك على الله بعزيزي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد المنعم مصطفى حليمة
أبو بصير الطرطوسي
22/1/1436 هـ. 14/11/2014 م

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*