جديد الموقع

لن تنتصروا حتَّى تحابُّوا

بسم الله الرحمن الرحيم  
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد طفت على عديد من الفصائل والمجموعات التي تجاهد على أرض الشام .. فنادر ما كان فصيل يثني خيراً على فصيل آخر .. أو يُنصف ما عند الفصيل الآخر من حق، وخير .. علماً أن الفصيل الآخر لا يُعدَم خيراً .. وما إن تسأل مجموعة عن مجموعة أخرى .. إلا وسرعان ما تبدأ التجريح .. والانتقاص .. والغمز .. واللمز .. وسوء الظن .. بالمجموعة الأخرى .. وكأنها تخلو من الحسنات .. أو حتى من حسنة واحدة تستحق المدح لأجلها! 

وهذا لعمر الحق .. سبب كبير .. في تفريق الصفوف .. وتدابر النفوس .. وإطالة المعاناة .. وتأخير النصر.
فإذا كان العدو الكافر .. لا ينبغي أن تمنعنا عداوته ومحاربته، من إنصافه فيما له من حق .. كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]المائدة:8. فكيف بالمسلم ــ وبخاصة المسلم المجاهد ــ فإنصافه، وإنصاف ما عليه من حق .. من باب أولى.
وفي الحديث، فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء“. والمرء قد يُحسن تارة، وُيسيء تارة أخرى .. فيُشهد عليه في الأولى بأنه قد أحسن، وفي الأخرى أنه قد أساء .. وهذا من تمام العدل والانصاف.
وقال صلى الله عليه وسلم: “حَسْبُ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم” مسلم.  
وقال صلى الله عليه وسلم: “إن اللهَ حرَّمَ من المؤمن ثلاثاً: دَمَه، ومالَهُ، وأن يُظنَّ به ظنُّ السُّوءِ” [السلسلة الصحيحة: 3420].
وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تَباغَضُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تدابَرُوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ” متفق عليه.   
وقال صلى الله عليه وسلم: “إياكُم والظن فإن الظنَّ أكذَبَ الحديثِ، ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تَباغَضُوا، وكونوا إخواناً” البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: “وإياكُم والبُغضَةَ؛ فإنها هي الحالقة، لا أقولُ لكم: تحلقُ الشَّعرَ، ولكن تحلق الدينَ” [صحيح الأدب المفرد:197].
وقال صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا يؤمنُ عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه” متفق عليه. فإذا كان الإيمان لا يتحقق على الوجه الصحيح والمطلوب إلا بعد أن يحب العبد لأخيه ما يحب لنفسه .. فمن باب أولى أن لا يتحقق النصر، والتمكين إلا بعد أن يحب العبد لأخيه ما يحب لنفسه.
 وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تدخلوا الجنَّةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحابُّوا” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: “ترى المؤمنين في تراحُمِهم وتوادِّهم، وتعاطُفِهم، كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى عضواً تداعى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى” متفق عليه. فلو لم يُطبق المسلمون من سنة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث لكان النصر والتمكين حليفهم!
فإن قيل: إذا كانت محبة المؤمنين لبعضهم البعض بهذه الدرجة من الأهمية .. فما هي الوسائل، والأمور التي تعين على تحقيق المحبة ــ وتزيدها ــ فيما بين المسلمين؟
أقول: هذا سؤال هام، قد أجابنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجه المسلمين إلى جملة من الأمور تحقق فيما بينهم المحبة، وتزيدها قوة وتمتينا.
منها: أن يُعلِمَ الأخُ أخاه أنه يُحبه في الله .. فهذا مما يُطيّب قلبه، ويقوي المحبة بينهما.
قال صلى الله عليه وسلم: “إذا أحبَّ أحدُكُم أخاه، فليُعلِمه أنه أحبَّه” [صحيح الأدب المفرد: 421].
وفي رواية: “إذا أحبَّ الرجلُ أخاه فليُخبرهُ أنه يحبُّه” [صحيح سنن أبي داود: 4273].
وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا أحبَّ أحدُكم أخاه في الله فليُبيِّنْ له؛ فإنَّه خيرٌ في الإلفةِ، وأبقَى في المودَّةِ” [السلسلة الصحيحة: 1199].
 ومنها: أن يجتنب مماراته ومجادلته في غير حق .. وأن لا يكون لجوجاً عليه في الطلب والمراجعة .. وأن لا يُكثر من سؤال الناس عنه؛ فقد يُصادف مبغضاً حسوداً، يوغر ما بينهما من محبة وود ..  قال صلى الله عليه وسلم: “إذا أحببتَ أخاً فلا تُمارِه، ولا تُشارِه ــ أي لا تكن لجوجاً في مراجعته ومساءلته ــ ولا تسأل عنه؛ فعسى أن توافِيَ له عدواً، فيُخبركَ بما ليس فيه، فيُفرِّق بينك وبينه” [صحيح الأدب المفرد: 424]. 
ومنها: إفشاءُ السلام، على من تعرف، ومن لا تعرف .. قال صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّةَ حتى تُسْلِموا، ولا تُسْلِموا حتى تحابُّوا، وافشوا السلامَ تحابُّوا” [صحيح الأدب المفرد: 197].
وقال صلى الله عليه وسلم: “ألا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفْشُوا السلامَ بينكُم” مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو، أن رجلاً سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خير قال: “تُطعِمُ  الطَّعامَ، وتَقرأُ السَّلامَ على من عَرفتَ ومن لم تعرف” مسلم.
وخيرهما .. وأولاهما بالله .. وأحبهما لله .. وأقربهما منه سبحانه وتعالى الذي يبدأ صاحبه بالسلام .. ويكون السّبّاق في طرح السلام.
قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أوْلى النَّاسِ بالله من بدأَهم بالسَّلامِ” [صحيح الترغيب والترهيب: 2703].  
وفي رواية عند الترمذي: قيل يا رسولَ الله الرجُلانِ يلتقيان أيُّهما يبدأُ بالسَّلامِ؟ قال: “أولاهما بالله تعالى“. أي أقربهما إلى الله وأحبهما إليه. 
ومنها المُصافحةُ .. فالمصافحة سبب في مغفرة الذنوب .. وتساقطها .. وزيادة المحبة فيما بين المتصافحين .. قال صلى الله عليه وسلم: “ما من مُسلِمَينِ يلتقيانِ فيتَصافحَانِ إلا غُفِرَ لهما قبلَ أن يفتَرِقا” [صحيح سنن أبي داود: 4343].
وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا لقي المُسلِمُ أخاهُ المُسلِمَ، فأخذ بيدهِ فصافحَهُ، تناثرت خطاياهُما من بين أصابِعِهِما كما يتناثرُ ورقُ الشَّجَرِ بالشِّتاء” [السلسلة الصحيحة: 2004].
وعن البراء بن عازِب، قال: “من تمام التحيَّةِ أن تُصافِحَ أخاكَ” [صحيح الأدب المفرد: 745]ـ
ومنها: الإهداء والتهادي .. فالتهادي فيما بين الإخوان مما يزيد من المحبة فيما بينهم .. قال صلى الله عليه وسلم: “تهادُوا تحابُّوا” [صحيح الأدب المفرد: 462].
وعن أنسٍ، قال: “يا بُنيَّ تباذَلُوا بينكم؛ فإنه أوَدُّ لما بينكم” [صحيح الأدب المفرد: 463].
ومنها: الدعاء لأخيك المسلم بظهر الغيب .. قال صلى الله عليه وسلم: “دعوةُ المرء المسلم لأخيه ـ بظهرِ الغيب ـ مُستجابةٌ عندَ رأسِه ملَكٌ؛ كلما دعَا لأخيه بخيرٍ، قال الملكُ الموكَّلُ به: آمين، ولكَ بِمِثْلٍ” مسلم.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: “إنَّ دعوةَ الأخ في الله تُستجَاب” [صحيح الأدب المفرد: 486].
ومنها: التبسُّمُ في وجه أخيك المسلم، وأن تلقاهُ بوجه طلق منبسط .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةُ ..” [صحيح الترغيب والترهيب: 2685].
وعن أبي جُريّ الهجيمي، قال: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسولَ الله إنا قومٌ من أهلِ الباديةِ، فعلمنا شيئاً ينفعنا الله به؟ فقال: “لا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً .. ولو أن تُكلِّمَ أخاكَ ووجهُكَ إليه مُنْبَسطٌ …” [صحيح الترغيب والترهيب: 2687].
وفي رواية للنسائي وأحمد، فقال: “لا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً .. ولو أن تَلقَى أخاكَ المسلمَ ووجهُكَ بِسْطٌ إليه“؛ أي منبسطٌ منطلق.
ومنها: الاعتدال والتوسط في زيارة الإخوان من غير إكثارٍ ممل، ولا إقلالٍ مُخِلٍ .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “زُرْ غِبَّاً تَزْدَدْ حُبَّاً” [صحيح الترغيب: 2583].
قال ابن الأثير في النهاية: الغِبُّ من أوراد الإبل؛ أن ترِدَ الماء يوماً وتدعَهُ يوماً ثم تعود، فنقلَه إلى الزيارة وإن جاء بعد أيامٍ، يُقال: غَبَّ الرجلُ إذا جاء زائراً بعد أيام. وقال الحسن: في كل أسبوع ا- هـ. وما زاد عن ذلك يورث الجفاء.
فإن قيل: ما للمتحابين في الله من مثوبة ومقام يوم القيامة ..؟
أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المتحابُّون في الله في ظلِّ العرشِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، يَغبِطُهم بمكانهم النبيُّون والشُّهداءُ .. يقول الرب تبارك وتعالى: حَقَّت محبَّتي على المتحابِّين فيَّ، وحَقَّت محبَّتي على المتناصِحين فيَّ، وحَقَّت محبتي على المُتَباذِلين فيَّ، هم على منابِرَ من نورٍ، يغبطُهُم النَّبيُّون والشُّهداء والصِّديقُون” [صحيح الترغيب والترهيب: 3019].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قالَ الله عز وجل: المُتحابُّون في جَلالي لَهُم منابِرُ من نورٍ، يَغبطُهُم النبيُّون والشُّهداءُ“.
وقال صلى الله عليه وسلم: “إن لله جُلساءَ يومَ القيامة عن يمين العرشِ، وكلتا يدي الله يمينٌ، على منابرَ من نورٍ، وجوهُهم من نورٍ، ليسوا بأنبياءَ ولا شُهداء ولا صدِّيقين”، قيل: يا رسولَ الله من هم؟ قال: “هم المُتحابُّون بجلالِ الله تبارك وتعالى” [صحيح الترغيب والترهيب: 9022].
وأولى المتحابَّين بالله، وأحبهما إليه سبحانه وتعالى، أشدهما حبَّاً لصاحبه .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما تحابَّا الرجلان إلا كانَ أفضلُهما أشدَّهُما حُبَّاً لصاحبه” [صحيح الأدب المفرد: 423].
وقال صلى الله عليه وسلم: “ما من رجلين تحابَّا في الله بظهرِ الغيبِ؛ إلا كانَ أحبُّهما إلى الله أشدَّهما حُبَّاً لصاحِبه” [السلسلة الصحيحة: 3273].
فيا هؤلاء ــ حفظكم الله ــ هذه هي آثار المحبة .. وهذه هي أسبابها .. وهذه هي آثار ومخاطر انتفائها .. وهذا هو مقام وعطاء الله للمتحابين في الله .. فلا تحرموا أنفسكم من هذا الخير، والعطاء العظيمين .. واعلموا أن لا نصر ولا تمكين ــ ولا خروج من هذه المحنة التي نزلت بالشام وأهله ــ إلا بعد أن تتحدوا .. وتتحابوا في الله .. وتترفعوا عن التعصب للمسميات التي أحدثتموها من عند أنفسكم .. وعن ظلم بعضكم بعضاً .. فصواريخ وقذائف، ومتفجرات الطاغوت .. لا تميز بين مسمى ومسمى من مسمياتكم .. فكلكم عنده سواء ..!
غفر الله لنا ولكم .. وسدد خطاكم لما يحبه ويرضاه .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي”
17/7/1435 هـ. 16/5/2014 م.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*