جديد الموقع

إنكار المنكَر السّياسِي بالوسائل السّلميّة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.  
فقد وردتني أسئلة عدة، ومن أطراف عدة .. عن شرعيّة الوسائل السلميّة ــ كالتظاهرات، والاعتصامات، والدعايات، والعصيان المدني ونحوها من الوسائل السلمية ــ وعن الجدوى منها في إنكار المنكَر السياسي، أو إنكار المنكر الصادر عن الحاكم، والسلطة الحاكمة، وبخاصة بعد الانقلاب العسكري المشؤوم الذي شهدته مصر ــ حفظها الله وأهلها من كل سوء ــ حيث لم تنفعْ معه الوسائل السلميّة، كما أنها لم تردعه عن غيّه وظلمه، وعدوانه .. وقد كثرت ــ إثر ذلك ــ الحوارات والمساجلات بين الإخوان حول شرعية إنكار المنكر السياسي بالوسائل السلميّة .. وأيهما أفضل وأجدى نفعاً في إنكار المنكر السياسي؛ اللجوء إلى الوسائل السلميّة، أم اللجوء إلى الوسائل العسكريّة؟

فكان لزاماً علينا أن نجيب، فأقول ــ مستعيناً بالله ــ: المنكَر السياسي؛ الصادر عن السلطة الحاكمة شأنه شأن أي منكر آخر يتعين إنكاره، فمنه ما يُنكَر بالوسائل السلميّة، عندما تتوفر دواعيه، وظروفه، وهو الخيار الأول الذي ينبغي اللجوء إليه، ومنه ما يُنكَر بالقوة والوسائل العسكرية، عندما تتواجد مقتضياته، وتتحقق شروطه .. فلا تعارض بين المنهجين ــ السلمية والعسكرية ــ وبالتالي لا يجوز أن نضرب منهجاً بالمنهج الآخر، كما لا يجوز أن نلغي منهجاً من أجل المنهج الآخر .. فكلا المنهجين مشروعان، يكملان بعضهما البعض، قد دلَّت عليهما نصوص الشريعة.
من الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على إنكار المنكر ــ أيّاً كان نوع هذا المنكر، سواء كان منكراً سياسياً أم غير سياسي ــ بالوسائل السلمية، قوله صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم مُنكراً فليغيرْهُ بيدِه، فإن لم يستطِعُ فبلسانِه، فإن لم يَستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان” مسلم. فتغيير المنكَر ــ بما فيه المنكر السياسي ــ باللسان، يدخل في خانة الوسائل السلمية.
ونحوه الحديث، عن عبادة بن الصامت، قال :”بايعَنَا رسولُ الله على أن نقولَ بالحقِّ أينما كُنَّا لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائم” متفق عليه.   
وقال صلى الله عليه وسلم: “سيِّدُ الشُّهداء حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاهُ فقتَلَهُ”[[1]].   
وقال صلى الله عليه وسلم: “أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ“[[2]].
وقال صلى الله عليه وسلم: “أحبُّ الجهادِ إلى اللهِ، كلمةُ حقٍّ تُقالُ لإمامٍ جائر“[[3]].
فكلمة الحق التي تُقال عند سلطان جائر، وكذلك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، يدخل في خانة الوسائل السلمية .. ثم لو قُتِل الصادع بالحق، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر بسبب صدعه، وأمره، ونهيه فهو شهيد، بل هو مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
وقال صلى الله عليه وسلم: “سيكونُ أُمراءُ من بعدي؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهدَهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدَهم بقلبه فهو مؤمِن، لا إيمانَ بعدَه“[[4]]. وجهادهم باللسان، يدخل في خانة الوسائل السلميّة.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم نَفسَه ” قالوا: يا رسولَ الله كيف يَحقِرُ أحدُنَا نَفْسَه؟ قال:” يَرى أمراً للهِ عليه مقالاً، ثمَّ لا يَقولُ فيه، فيقولُ اللهُ عز وجل يومَ القيامة: ما منعَكَ أن تقولَ فيَّ كَذا وكذا؟ فيقول: خشيةَ النَّاسِ. فيقولُ: فإيَّايَ كُنتَ أحقَّ أن تخشَى“[[5]].
فهو إذا كان لا يملك سوى أن يقول الحق في أمرٍ يتعين عليه أن يقول فيه .. فليقله .. ولا يحقرنّ مقالته ونفسه، ويقول: ماذا تنفع مقالتي .. أو يقول: مقالتي من الوسائل السلمية، التي لا تجدي نفعاً .. هذا لا ينبغي!       
ومما يحسن الاستدلال به على المنهج السلمي في إنكار المنكر، الأحاديث العديدة العامة التي تأمر بالرفق، وتنهى عن العنف والشدة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه” البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي على الرفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، ومَا لا يُعطي على ما سواهُ” مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه” مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: “مَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحْرَمِ الخير” مسلم. وفي رواية: “يُحْرَمِ الخيرَ كلَّه“. والرفق أقرب إلى الوسائل السلميّة منه إلى غيرها.
أما الدليل على جواز اللجوء إلى القوة، والوسائل العسكرية في إنكار المنكر السياسي ــ عندما تتوفر مقتضياته، وتتحقق شروطه ــ فهي أكثر من أن تُحصَر، فكل الآيات والأحاديث التي تأمر وتحض على الإعداد والجهاد، وإنكار المنكر باليد، تصلح أن تكون دليلاً في المسألة.
فإن قيل: متى نعمل بهذا الخيار أو ذاك .. ومتى نقدم أحدهما على الآخر .. وما هو الضابط في ذلك؟
أجيب عن هذا السؤال من أوجه عدة:
منها: أن التعامل مع العدو الداخلي المتمدد والمتداخل في المجتمع وأحيائه أصعب من التعامل مع العدو الخارجي المتمايز، والواضح في عداوته وعدوانه .. وبالتالي حتى يتحقق الحد المطلوب لمواجهة العدو الداخلي، يحتاج لمزيد من الفقه، والبيان، والعمل .. والاعداد .. ما لا يحتاجه العدو الخارجي .. والعجلة في مثل هذه المواضع تورث الخسران والندامة.  
ومنها: الخيار العسكري في التعامل مع المنكر السياسي الداخلي، لا ينبغي اللجوء إليه، إلا بعد نفاد الإصلاح والتقويم والتغيير عن طريق الوسائل السلمية، وبالتالي ينبغي إعطاء الوسائل السلمية حقها وفرصتها في العمل والتغيير ــ ما دامت تثمر وتُعطي نتائجها المرجوة ــ قبل الشروع في أي عمل عسكري .. من قبيل الإعذار، والتماس أقل الضررين.
ومنها: لا ينبغي أن نُعمِل الوسائل العسكرية، أو نلجأ إلى الخيار العسكري في البيئة أو الميادين التي تعمل فيها الوسائل السلمية، أو في البيئة التي لم تستنفد الوسائل السلمية قدراتها وعطاءها بعد .. كما لا ينبغي أن نُعمِل الوسائل السلمية في البيئة أو الميادين التي تنشط فيها الوسائل العسكرية، أو يكون القرار فيها للوسائل العسكرية .. وعدم الانتباه لهذا المعنى يُفسِد ويضر .. وهو كمن يضع الأشياء في غير موضعها، فأنّى لها أن تثمر أو تُعطي عطاءها!
ومنها: عند استخدام الوسائل العسكرية، واللجوء إلى خيار القوة .. ينبغي أن يحصل تقييم دقيق لطبيعة العدو الداخلي المراد التعامل معه .. هل تجدي الوسائل السلمية معه نفعاً أم لا .. وعلى ضوء ذلك يصدر الحكم والقرار من ممثلي المجتمع من أهل الحل والعقد بتبني الخيار الأنسب، والأنجع، سواء كان الخيار العسكري أم الخيار السلمي.
عند اللجوء إلى الخيار العسكري أو استخدام الوسائل العسكرية في استئصال طاغية من الطغاة المجرمين .. لا بد من أن يتقدمه استقراء دقيق أن هذا الطاغية لا يُجدي معه خيار سوى خيار القوة، واللجوء إلى الوسائل العسكرية .. وهو ما حدى بنا أن نقول منذ اليوم الأول من الثورة السورية المباركة ــ يوم أن كانت سلميّة ــ أن الطاغية المجرم القرمطي بشار الكيماوي لا يجدي معه نفعاً، ولا يمكن التفاهم معه أو تغييره إلا من خلال القوة، واستخدام الوسائل العسكرية .. وهذا ناتج منّا عن استقراء دقيق لطبيعة وجينيات وتاريخ هذا النظام الطائفي الظالم البغيض .. والأحداث أثبتت صحة نظرتنا فيه!  
ومنها: عند تبني أحد الخيارين أو المنهجين في التعامل مع المنكر السياسي الداخلي ينبغي أن يراجح بدقة، وتقوى، وفقه بين المصالح والمفاسد، فما رجحت المصلحة منه عُمِل به، وما رجحت مفسدته دفعناه، وتخلينا عنه .. وتقدير المصالح من المفاسد .. في اختيار أي المنهجين أو الطريقين .. وتقديم أحدهما على الآخر .. مرده إلى أهل العلم والاختصاص من الصادقين المخلصين.
فما كان يُزال عن طريق الوسائل السلمية، من الخطأ حينئذٍ اللجوء إلى الوسائل العسكرية .. وما كان لا يُزال إلا من خلال الوسائل العسكرية، من الخطأ، والعبَث اللجوء إلى الوسائل والخيارات السلمية .. إلا بالقدر الذي يخدم الخيار والوسائل العسكرية.  
ومنها: الأضرار الناجمة عن اللجوء إلى القوة والوسائل العسكرية .. مهما تعاظمت .. يجب أن تكون أقل ضرراً من المنكر السياسي المراد إزالته وتغييره .. وأقل ضرراً من ضرر إقرار فساد وظلم وكفر المنكر السياسي سيداً، وحاكماً على البلاد والعباد.
ومنها: من وجد نفسَه في العمل والجهاد بالوسائل السلمية أكثر نفعاً وعطاءً من العمل والجهاد بالوسائل العسكرية .. لا يعيب على من يجاهد عبر الوسائل العسكرية  .. كذلك من يجد نفسه في العمل والجهاد عبر الوسائل العسكرية أكثر نفعاً وعطاء من العمل بالخيارات أو الوسائل السلمية .. لا يعيب على إخوانه الذين ينشطون ويعملون لدينهم وأمتهم عبر الوسائل السلمية .. مادامت هذه الوسائل مشروعة ومباحة .. وتُعطي ثماراً.
فكلا الفريقين على خير .. وكلاهما يكملان بعضهما البعض .. والأمة تحتاج إليهما معاً، وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنَّ المؤمنَ يُجاهد بسيفِه ولسانه“[[6]]. وهذا الحديث قد شمل نوعي الجهاد؛ الجهاد بالوسائل السلميّة، والجهاد بالوسائل العسكرية.
هذه جملة من الضوابط والمعايير التي ينبغي مراعاتها .. والنظر إليها .. عند العمل بالخيار السلمي، وتقديمه على الخيار العسكري، أو العكس .. والله تعالى أعلم.
فمن لم يقنع بما تقدم أعلاه، وأراد مزيداً من التفصيل والبيان .. فليراجع مقالتنا المعنونة بـ “فصل الكلام في مسألة الخروج على الحكام“، وقد كتبت بتاريخ 11/4/2001، ومقالة “العصيان المدني“، وقد كُتبت بتاريخ 8/8/2002، فالحق أحياناً قد تجتمع أطرافه وفروعه من أكثر من مقالة .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.  
عبد المنعم مصطفى حليمة
” أبو بصير الطرطوسي “
29/10/1434 هـ. 5/9/2013 م.


[1] رواه الحاكم، السلسلة الصحيحة: 491.
[2] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، السلسلة الصحيحة: 491.
[3] رواه أحمد، والطبراني، صحيح الجامع: 168.
[4] صحيح موارد الظمآن: 1298.
[5] قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجه، ورواته ثقاة. وقال أحمد شاكر في العمدة 1/701: إسناده صحيح.
[6] صحيح الجامع: 1934.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*