|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| أحكام ومسائل رمضانيَّة |
حفظ المادة على جهازك |
|
|
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم |
إن الحمد لله نحمده ونستعينه
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده
الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وبعد، لفشو البدع والإحداث في الدين، نذكِّر بأصل من أصول العبادة
وشرط من شروطها، وهو أن العبادة ـ مطلق العبادة ـ يجب أن يُلتمس
فيها هدي وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، لا الأهواء والآراء
والمذاهب المتباينة والمخالفة للسنة؛ فالابتداع في الدين لا يجوز،
فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال تعالى في وجوب الاتباع والاقتداء:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور:63.
قال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة
وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} وجعل يكررها، ويقول: وما
الفتنة؟ الشرك؛ لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من
الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه.
وقيل له إن قوماً يدعون الحديث، ويذهبون إلى رأي سفيان! فقال:
أعجبُ لقومٍ سمعوا الحديث وعرفوا الإسنادَ وصِحتَه يدعونه ويذهبون
إلى رأي سفيان وغيره! قال الله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} وتدري ما
الفتنة؟ الكفر! قال الله تعالى:{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ
الْقَتْلِ}. فيدعون الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ،
وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي؟! ا-هـ[1].
وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران:31. فمن علامات صدق المحبة حصول
المتابعة، وعلى قدر المتابعة تكون المحبة، والعكس كذلك.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" خذوا
مناسككم عني ". وقال -صلى الله عليه وسلم- :" صلوا كما رأيتموني
أصلي ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو
ردٌّ ". وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من صنع أمراً على غير أمرنا
فهو رد ".
لأجل هذا كله سنجتهد ـ بإذن الله ـ أن نتحرى السنة في كل ما نثبته
ونقرره من مسائل وأحكام تتعلق برمضان، وصيام شهر رمضان، والله وحده
المستعان.
ـ قبل حلول شهر رمضان.
قبل شهر رمضان يكون شهر شعبان حيث فيه تُرفع أعمال العباد، ويُسن
الإكثار من الصيام تمهيداً وتدريباً للأنفس على استقبال وصيام
رمضان، كما في الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال:" شعبان بين رجب ورمضان، يغفل الناس عنه، تُرفع فيه أعمال
العباد، فأحب أن لا يُرفع عملي إلا وأنا صائم ".
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت:" ما رأيت رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- في شهرٍ أكثر صياماً منه في شعبان ".
لكن لا يجوز وصل شعبان برمضان لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا
تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين إلا رجلاً يصوم صوماً فليصمه ".
وقوله -صلى الله عليه وسلم- :" من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى
أبا القاسم ". ويوم الشك هو اليوم الذي يتقدم شهر رمضان ويُشك هل
هو من رمضان أم لا.
ـ كيف يثبت شهر رمضان ؟
يثبت شهر رمضان برؤية هلاله فإن غُمت رؤيته في اليوم التاسع
والعشرين من شعبان أكملت عدة شعبان ثلاثين يوماً، لقوله -صلى الله
عليه وسلم- في الصحيحين:" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ
عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ". وقوله -صلى الله عليه وسلم- :"
لا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أُغمي عليكم
فاقدروا له " متفق عليه.
ـ من يُثبت شهر رمضان ؟
يثبت شهر رمضان برؤية الهلال من قبل شخص واحد مسلم عدل، كما في
الحديث:" جاء رجل أعرابي من البادية فأخبر النبي -صلى الله عليه
وسلم- بأنه رأى الهلال فأمرَ -صلى الله عليه وسلم- بلالاً أن
يؤذِّن بالصيام ".
وعن ابن عمر قال:" تراءى الناسُ الهلالَ فأخبرتُ رسولَ الله أني
رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام ".
وهذه الرؤية والشهادة من هذا المسلم العدل تُلزم جميع من يسمع بها
من أفراد ومجتمعات الأمة على اختلاف أمصارهم ودولهم، وهذا متيسر في
زماننا ـ ولله الحمد ـ بحكم توفر وسائل الإعلام التي تقدر على نقل
الأخبار خلال ثوانٍ معدودات، وبالتالي لا عذر للدول المعاصرة أن
تصوم وتُفطر كل دولة بحسب رؤيتها الخاصة بها، فهذا من التفرق في
الدين، وهو بخلاف السنة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .
بل الملاحظ في كثير من الأحيان يكون تحديد مثل هذه الأحكام
والأوقات الشرعية ـ وللأسف ـ خاضعاً لأهواء الساسة وطواغيت الحكم
في بلاد المسلمين؛ إذ تحملهم الخلافات السياسة الخاصة فيما بينهم
على الاختلاف في تحديد وقت دخول رمضان ووقت انتهائه ودخول العيد ..
لينعكس ذلك على شعوبهم تفرقاً وعداوة وبغضاء .. وهؤلاء ليس لهم
طاعة .. كما لا يجوز للشعوب المسلمة أن تتابعهم في المخالفة
للسُّنة والطريقة الشرعية الصحيحة التي يثبت بها شهر رمضان؛ إذ لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثم ترون أيها الناس لو قال لكم طواغيت الحكم في بلادكم صلاة العصر
تُصلى بعد غروب الشمس .. هل أنتم تطيعونهم في ذلك .. فإن قلتم لا
.. ولا بد من أن يكون الجواب، لا .. أقول: كيف تُطيعونهم في تقديم
صيام شهر رمضان أو تأخيره بعد علمكم بثبوته وفق الطريقة الشرعية
الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ..؟!
فإن قيل قد ثبت أن معاوية قد صام يوم الجمعة من شهر رمضان، وكان في
الشام .. بينما ابن عباس ومن معه في المدينة قد صاموا يوم السبت،
فكان لكل منهما رؤيته الخاصة به؟
أقول: هذا يحصل في حال تعثر الإخبار لاتساع الأمصار والبلدان ..
فأهل الشام إذ رأوا الهلال يوم الجمعة لم يكونوا يستطيعون أن
يخبروا أهل المدينة برؤيتهم للهلال لبعد الشقة فيما بينهم، ولطبيعة
وسائل التنقل والاتصالات التي كانت سائدة يومئذٍ .. أما في زماننا
لم تعد هذه المشكلة موجودة لسهولة نقل الأخبار وشهادة المُثبت
لرؤية الهلال عبر وسائل عديدة من الاتصالات خلال ثوانٍ معدودة ..
وبالتالي لا يجوز القياس ولا الاستدلال بالأثر الوارد عن ابن عباس
ومعاوية إلا في حال تعثر الإخبار ونقل شهادة المُثبت في نفس اليوم
التي تمت فيه الرؤية .. والله تعالى أعلم.
ـ إذا ثبت دخول رمضان وجب صيامه.
لقوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة:185. وقال
تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:183.
وهو ركن من أركان الإسلام الخمسة، كما في الحديث المتفق عليه، قال
-صلى الله عليه وسلم- :" بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج
البيت، وصوم رمضان ".
ـ على من يجب الصيام ؟
يجب الصيام على المسلم، العاقل، البالغ، القادر.
يجب على المسلم: لأن الكافر لا يُقبل منه عمل، والشرك يُحبط
الأعمال كلها، لقوله تعالى:{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}الأنعام:88. وقوله تعالى:{وَلَقَدْ
أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ}الزمر:65.
ويجب على العاقل: لأن المجنون يُرفع عنه القلم، ويسقط عنه التكليف،
لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" رُفع القلم عن ثلاثة:ـ منها ـ وعن
المجنون حتى يعقل ".
ويجب على البالغ: لأن القلم يُرفع عن الصبي وكذلك البنت إلى أن
يدركا سن البلوغ، لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" رُفع القلم عن
ثلاثة ـ منها ـ وعن الصبي حتى يحتلم ". وفي رواية " عن المعتوه حتى
يعقل ".
ويجب على القادر: لأن العجز يُسقط التكليف باتفاق أهل العلم، لقوله
تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}البقرة:286.
وقوله تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا
آتَاهَا}الطلاق:7. وقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ}التغابن:16.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" وما
أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم " متفق عليه.
والعجز نوعان: منه الدائم، كالمرض الدائم المستعصي الذي يمنع من
الصيام مطلقاً، ونحوه الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يصوم، وهذا
على صاحبه الإطعام عن كل يوم مسكيناً واحداً، لقوله تعالى:{
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ}البقرة:184.
قال ابن عباس في هذه الآية: ليست بمنسوخة؛ هو الشيخ الكبير،
والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعمان مكان كل يوم
مسكيناً " البخاري.
ومنه الطارئ المؤقت الذي يزول بزوال سببه، كالمرض الطارئ القابل
للعلاج والشفاء .. وهذا على صاحبه القضاء، لقوله تعالى:{ فَمَنْ
كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
أَيَّامٍ أُخَر}البقرة:184.
ـ فضل صيام رمضان.
شهر رمضان شهر عظيم فيه أُنزل القرآن، كما قال تعالى:{شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}البقرة185.
أنزله الله تعالى في ليلة من ليالي رمضان هي خير من ألف شهر، كما
قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا
أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ
مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}القدر:1-3. أي العبادة فيها ـ إن قُبلت ـ تفضل
عبادة ما يُعادل ثلاث وثمانون سنة، وثلاثة أشهر.
قال ابن كثير في التفسير: قال مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر،
ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وهكذا قال قتادة بن دعامة،
والشافعي، وغير واحد ا- هـ.
والمراد بالإنزال هنا إنزال القرآن الكريم إلى السماء الدنيا جملة
واحدة في ليلة القدر، ليتنزل فيما بعد على نبينا -صلى الله عليه
وسلم- مفرقاً طيلة فترة النبوة بحسب الحوادث والمراحل التي كانت
تمر بها الدعوة.
قال ابن كثير في التفسير: قال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة
القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم
ترتيلاً في الشهور والأيام.
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة
القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يُحدث لنبيه ما
يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يُخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه
ا- هـ.
تلتمس ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، لقوله -صلى
الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري:" تحروا ليلة القدر في الوتر
من العشر الأواخر من رمضان ".
وفي الصحيح كذلك: أن رجالاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-
أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- :" أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن
كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ".
ولاختلاف الناس في المطالع ورؤية الهلال؛ حيث منهم من يقدم الصوم
يوماً ومنهم من يؤخره يوماً بناء على اختلافهم في الرؤية للهلال ..
يُستحسن ـ من قبيل ضمان قيامها ـ التماسها في الأيام العشر الأواخر
من رمضان؛ الشفع منها والوتر، والله تعالى أعلم.
وفي فضل قيامها فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من
قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه "
البخاري.
إنه موسم خير قليل وقته كثير خيره ونفعه، سرعان ما يودع؛ فهنيئاً
لمن اغتنمه وأحسن استغلاله.
فيه تُفتّح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين،
كما في الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إذا
جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة وغُلقت أبواب النيران وصُفدت
الشياطين ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" وإذا كان أول ليلة من شهر رمضان
صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغلّقت أبواب النار فلم يُفتح منها
باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، ويُنادي منادٍ: يا
باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك
كل ليلة ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أتاكم رمضان شهر مُبارك فرضَ الله
-عز وجل- عليكم صيامه، تُفتح فيه أبوابُ السماء وتُغلق فيه
أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف
شهرٍ من حُرم خيرها فقد حُرم ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إذا دخل شهر رمضان فُتحت أبواب
السماء، وغُلقت أبوابُ جهنم، وسُلسلت الشياطين ".
فيه تُغفر الذنوب، كما في الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه
وسلم- أنه قال:" من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم
من ذنبه ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ ما بينهنّ
إذا اجتُنبَت الكبائر ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن جبريل -عليه السلام- عرضَ لي
فقال: بُعداً لمن أدرك رمضان فلم يُغفر له، فقلت: آمين ".
وفي فضل الصيام عموماً جاءت أحاديث عدة: منها قوله -صلى الله عليه
وسلم- :" من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار
خندقاً كما بين السماء والأرض ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ومن صام يوماً في سبيل الله زَحزَحه
اللهُ عن النار سبعين خريفاً ".
وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل
أدخل به الجنة، قال: عليك بالصوم؛ فإنه لا مِثْلَ له ". وفي رواية
" عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنةُ بعشر
أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا
أجزي به، يدعُ شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحةٌ عند
فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح
المسك ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم
القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه،
ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن في الجنة باباً يُقال له الريان،
يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا
أغلق، فلم يدخل منه أحد، فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل شرب، ومن
شرب لم يظمأ أبداً ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه
الله خُتمَ له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتم
بها دخل الجنة، ومن تصدَّق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخلَ
الجنة ".
ـ من يتعمد الإفطار في رمضان من غير عذر:
من تعمد الإفطار في رمضان من غير عذر شرعي معتبر، فقد وقع في ذنب
عظيم، وكبيرة من كبائر الذنوب، يستحق الوعيد الشديد يوم القيامة،
كما في الحديث عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" بينما أنا نائم أتاني رجلان
فأخذا بضَبُعي ـ بعضُدَي ـ فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد،
فقلت: إني لا أطيقه. فقالا: سنسهله لك. فصعدت، حتى إذا كنت في سواد
الجبل إذا بأصواتٍ شديدة. قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء
أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقومٍ معلقين بعراقيبهم، مشققة
أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء ؟ قال: الذين
يفطرون قبل تحلَّة صومهم .."!
قلت: هذا فيمن يفطر قبل تحلة الوقت فكيف بمن يتعمد الإفطار خلال
نهار رمضان أو لا يصوم مطلقاً ..؟!
ـ معنى الصيام.
بعد أن بينا حكم صيام شهر رمضان، وفضل صيامه، وجزاء من يتعمد
الإفطار فيه، نُشرِع ـ بإذن الله وتوفيقه ـ في بيان بعض الأحكام
والمسائل التفصيلية ذات العلاقة بالصوم.
فأقول: الصوم لغة الإمساك. وشرعاً:" الإمساك عن المفطرات من طلوع
الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية ".
ـ مبطلات الصوم:
1- تعمد الأكل والشرب: فمن تعمد أن يُدخل شيئاً إلى جوفه من طعام
أو شراب، أو غير ذلك، فقد أفطر وبطل صومه، وكذلك لو تناول الحقن
والإبر المغذية؛ فحكمها حكم الطعام والشراب.
أما من أكل أو شرب ناسياً فليس عليه شيء، وليتم صومه، لقوله -صلى
الله عليه وسلم- :" رُفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا
عليه ". وفي الصحيحين:" إذا نسي فأكلَ وشرِبَ فليتمَّ صومَهُ؛
فإنما أطعمه الله وسقاه".
2- الجماع: فمن واقع زوجته في نهار رمضان بطل صومه بالإجماع،
وكفارته: عتق رقبة، فإن لم يجد يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يقدر
يُطعم ستين مسكيناً .. كما هو مبين في حديث أبي هريرة المتفق عليه،
قال: بينما نحن جلوس عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا جاء رجلٌ،
فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: ما لك؟ قال: وقعتُ على امرأتي وأنا
صائم. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : هل تجد رقبةً تعتقها؟
قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال:
هل تجدُ إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي -صلى الله
عليه وسلم- فبينا نحن على ذلك أُتي النبي -صلى الله عليه وسلم-
بِعَرقٍ فيها تمر ـ والعَرَق: المِكتل ـ قال: أين السائل؟ فقال:
أنا. قال: خذ هذا فتصدّق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول
الله؟ فوالله ما بين لابتيها ـ يريد الحرتين ـ أهل بيتٍ أفقرُ من
أهل بيتي. فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه ثم قال:
أطعمه أهلكَ ". وفي رواية:" وصم يوماً مكانه ".
3- تعمد القيء: فمن استقاء بطل صومه وعليه القضاء، أما من غلبه
القيء فلا شيء عليه، لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" من ذرعه قيء
وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضِ ".
4- خروج دم الحيض: كذلك لو فاجأ المرأة الصائم خروج دم الحيض خلال
النهار، يبطل صيامها ويتعين عليها الإفطار، ومن ثم القضاء، كما في
الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت:" كان يُصيبنا ذلك ـ أي
الدورة الشهرية ـ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ".
ـ وجوب تبييت النية.
لصيام فرض رمضان يجب تبييت النية من الليل قبل الفجر، لقوله -صلى
الله عليه وسلم- :" من لم يُبيت الصيام من الليل فلا صيام له ".
وقوله -صلى الله عليه وسلم- :" من لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا
صيام له ".
ولا يُشترط في تبييت النية التلفظ بها، وإنما يكفي انعقادها في
القلب.
بخلاف صوم النافلة فيجوز عقد نية الصوم خلال النهار، فقد كان النبي
-صلى الله عليه وسلم- يحضرُ أهلَه ولم يطعم شيئاً بعد فيقول:" هل
عنكم غداء ؟" فيقولون: لا، فيقول:" إني صائم ".
ـ السحور وأهميته.
السحور سنة مؤكدة ومستحبة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنه قال:" هلموا إلى الغداء المبارك ". وأراد به السحور. وقال -صلى
الله عليه وسلم- :" تسحروا فإن السحور بركة ". وقال -صلى الله عليه
وسلم- :" إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ". وقال -صلى الله
عليه وسلم- :" تسحروا ولو بجرعة ماء ". وقال -صلى الله عليه وسلم-
:" السحور أكلةُ بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء ".
كذلك فإن السحور مما يميز صيام المسلمين عن صيام غيرهم من أهل
الكتاب، كما في الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال:" فصلٌ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السّحر ". وهذا
التمايز ـ من قبيل تحقيق المخالفة ـ لا بد من أن يحرص عليه
المسلمون.
ـ وقت السحور.
يُستحب تأخير السحور إلى ما قبل ظهور الفجر الصادق بقليل، لقوله
تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ
أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}البقرة:187.
عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: تسحرنا مع النبي -صلى الله
عليه وسلم- ، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟
قال: قدرُ خمسين آية ".
واعلم أن الفجر فجران، فجر كاذب لا يُحل الصلاة ولا يُحرم الطعام،
وصفته بياض ساطع مصعّد في السماء ثم ينخفض، وفجر صادق يحل الصلاة
ويُحرم الطعام والجماع، وصفته أحمر مستطير منتشر يعم الأفق يتقدم
ظهور الشمس من جهة الشرق، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنه قال:" وكلوا واشربوا، ولا يهيدنَّكم ـ أي لا يزعجنكم فيمنعنكم
ـ الساطع المصعّد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر ". وقال
-صلى الله عليه وسلم- :" لا يغرنّكم أذانُ بلال، ولا هذا البياض
لعمود الصبح حتى يستطير ".
فإن اعتراك الشك ولم تقدر على التمييز بين الفجر الصادق من الكاذب،
فكل ما شككت حتى تتيقن من أن الفجر فجر صادق، فقد صح عن ابن عباس
أنه قال:" أحل الله لك الأكل والشرب ما شككتَ ".
وكذلك لو سمعت أذان الفجر وفي فمك لقمة أو في يدك إناء للشرب،
فابتلع لقمتك بهدوء، واقض حاجتك من الإناء، وليس كما يقول بعض
الشيوخ الجهلة المتشددين أن المرء إذا سمع النداء وفي فمه طعام أو
شراب فعليه أن يبصق ويُخرج مما في فمه!
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إذا سمع أحدكم
النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ".
وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر
قال: أشربُها يا رسول الله؟ قال:" نعم "، فشربها.
ومنه نعلم بطلان توقيت الإمساك الذي ابتليت به بعض الأمصار، حيث
يحملون الناس على الإمساك عن المفطرات قبل الأذان الثاني بعشرين
دقيقة وربما أكثر .. بدعوى الاحتياط .. علماً أن هذا الوقت يكون هو
الوقت المناسب للسحور المبارك كما تقدم.
فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر والقاسم بن محمد، عن عائشة رضي
الله عنها، أن بلالاً كان يؤذن بليلٍ فقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- :" كلوا واشربوا حتى يؤذن ابنُ أمِّ مكتوم؛ فإنه لا
يؤذن حتى يطلعَ الفجر ". قال القاسم: ولم يكن بين أذانِهما إلا أن
يرقى ذا ويَنزلَ ذا .
قلت: رغم هذا الفارق الضئيل جداً بين أذان بلال وأذان ابن أم
مكتوم، وهو لا يتعدى من الوقت سوى أن يرقى ذا وينزل ذا، ومع ذلك
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر المسلمين بأن يأكلوا ويشربوا
وقت أذان بلال .. ويعد أذانه بليل!
ونستفيد كذلك أن التوقيت الشرعي الثابت للإمساك ورفع أذان الفجر هو
بزوغ الفجر
الصادق وليس تلك المواقيت الفلكية التي تُعَد ـ على أيدي أناس
مجهولي الدين والعدالة ـ قبل سنة من حلول شهر رمضان .. والتي تحمل
الناس على الامتناع عن المفطرات، وعلى الأذان وإقامة الصلاة، قبل
ظهور الفجر الصادق بعشرين دقيقة وأكثر!
في الأذان الأول يمنعون المسلمين من تناول الطعام والشراب عشرين
دقيقة بزعم الإمساك للاحتياط .. وفي الأذان الثاني للصلاة يؤذنون
قبل ظهور الفجر الصادق وحلول الوقت الشرعي بعشرين دقيقة .. فيكون
مجموع الوقت الذي يمنعون فيه المسلمين من الطعام والشراب أربعين
دقيقة تقريباً قبل بزوغ الفجر الصادق .. فتأمل!!
ـ توقيت الإفطار.
التوقيت الشرعي للإفطار غروب قرص الشمس فإذا غربت الشمس أفطر
الصائم، لقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:" إذا أقبل
الليل من هاهنا وأدبر من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ".
وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- صائماً أمر رجلاً فأوفى على
نشَزٍ، فإذا قال: قد غابت الشمس، أفطرَ.
هذا هو التوقيت الشرعي لتحديد وقت إفطار الصائم .. وليس التوقيت
الفلكي الذي يكون خطؤه أكثر من صوابه .. ومع ذلك ترى كثيراً من
المسلمين يقدمون توقيت الإمساكيات الفلكية على التوقيت الشرعي رغم
علمهم بخطأ التوقيت الفلكي وأنه في الغالب يكون بعد غروب الشمس ـ
التوقيت الشرعي ـ بعشر دقائق وربما أكثر!
ـ استحباب تعجيل الفطور.
من السنة تعجيل الفطور، لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا تزال
أمتي بخير ما عجلوا الفطور " . ولقوله -صلى الله عليه وسلم- : " لا
يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى
يؤخرون ". ولقوله -صلى الله عليه وسلم- :" أحب عبادي إلي أعجلهم
فطراً ".
ولقوله -صلى الله عليه وسلم- :" ثلاثٌ من أخلاق النبوة: تعجيل
الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة "[2].
ولقوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر
بفطرها النجوم ". كما هو حال الشيعة الروافض الذين يؤخرون إفطارهم
ـ اقتداء باليهود والنصارى ومخالفة لأهل السنة والجماعة ـ إلى ما
بعد غروب الشمس إلى حين تضرب النجوم في كبد السماء!
ـ استحباب الفطور على التمر أو الماء: لقوله -صلى الله عليه وسلم-
:" من وجد تمراً فليفطر عليه، ومن
لم يجد تمراً فليفطر على الماء فإنه طهور ". ثم يقوم فيصلي الصلاة
لوقتها ..
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول:" ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت
الأجر إن شاء الله ".
ـ أمور لا بأس بها للصائم.
هناك أمور لا حرج بها لو فعلها الصائم، منها: التقبيل والمباشرة من
غير توسع؛ خشية الوقوع في المحظور وهو الجماع، فقد صح في الحديث عن
عائشة رضي الله عنها قالت:" كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُقبل
ويُباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه ". وفي رواية " لأَرَبه "
بفتح الهمزة والراء؛ ويعني لحاجته.
وعن حكيم بن عقال أنه قال: سألت عائشة:" ما يحرم عليّ من امرأتي
وأنا صائم؟ قالت: فرجها ".
وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: هشِشْتُ فقبَّلتُ وأنا
صائم، فقلت: يا رسولَ الله، صنعتُ اليومَ أمراً عظيماً؛ فقبلت وأنا
صائم، قال:" أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟" قلت: لا بأس به،
قال:" فمه ؟"[3].
لكن من قبيل سد الذرائع لا يُنصح الشباب ومن كان حديث عهد بالزواج
بالتقبيل والمباشرة، للحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- ،
أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المباشر للصائم، فرخص
له، وأتاه آخر فنهاه؛ فإذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شاب[4].
ومنها: استخدام السواك، ونحوه فرشاة الأسنان من غير مبالغة، روى
البخاري في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه استاك وهو
صائم. وقال ابن عمر: يستاك أول النهار وآخرَه ولا يبلع ريقه.
قال عطاء: إن ازدرد ريقه لا أقول يُفطر. وقال ابن سيرين: لا بأس
بالسواك الرطب. قيل: له طعم؟ قال: والماء له طعم وأنت تمضمضُ به ا-
هـ.
ومنها: الحجامة واستخراج الدم الفاسد، ونحوه التبرع بالدم، وكذلك
غسل الكلى لمن كان مبتلى بها، أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس
قال:" احتجم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صائم ".
وقال ابن عباس وعِكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج.
ومنها: الاستنشاق والمضمضة من غير مبالغة، لقوله -صلى الله عليه
وسلم- :" بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماًً " مفهوم الحديث
جواز الاستنشاق للصائم لكن من غير مبالغة.
قال البخاري: قال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرُّدِ للصائم.
وقد تقدم معنا حديث عمر الذي يفيد جواز المضمضة للصائم.
ومنها: غسل الرأس، والاستحمام، والسباحة .. أخرج البخاري في صحيحه
عن عائشة قالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُدركه الفجر
جُنباً في رمضان من غير حُلم فيغتسل ويصومَ ".
وعن ابن عمر أنه بلَّ ثوباً فألقى عليه وهو صائم.
ودخل الشعبيُّ الحمام وهو صائم. وقال أنس: إن لي أبزنَ أتقحَّمُ
فيه وأنا صائم ا- هـ. والأبزن هو حجر مجوف كالحوض.
فإن قيل: إن دخل الماء الحلق خطأ ؟
أقول: لا حرج عليه لقوله تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}الأحزاب:5. ولقوله -صلى الله
عليه وسلم- :" رفع عن أمتي الخطأ ". أخرج البخاري في صحيحه عن عطاء
قال:" إن استنثر فدخل الماءُ في حلقه لا بأس إن لم يملك ا- هـ. أي
إن لم يملك دفعه.
ومنها: تذوق الطعام من غير ازدراده، أخرج البخاري في صحيحه عن ابن
عباس -رضي الله عنه- قوله:" لا بأس أن يتطعَّمَ القِدْرَ أو الشيء.
وقال:" لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم ".
ومنها: التكحل، والتطيب، ونحوها قطرة العين، قال البخاري في
صحيحه:" لم ير أنسٌ، والحسن، وإبراهيم بالكحل للصائم بأساً ".
وأخرج عن ابن مسعود قوله: إذا كان صومُ أحدكم فليُصبح دهيناً
مترجلاً.
قال ابن حجر في الفتح 4/183: فقد استحب السلف للصائم الترفه
والتجمل بالترجل والادهان والكحل ونحو ذلك ا- هـ.
والترَجُّل، والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه، كما في
اللسان.
ومنها: الإبر والحقن الغير مغذية .. فهذه كذلك لا حرج فيها مادامت
لا تصل إلى المعدة، وليس لها أية قيمة غذائية .. فالأصل في مثل هذه
الأمور المستجدة الإباحة ما لم يرد نص على حرمتها، والله تعالى
أعلم.
ـ حالات يُرخَّص لها الإفطار.
يُرخص الإفطار في رمضان للمريض، والمسافر، لقوله تعالى:{ فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً
أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}البقرة:185.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" ليس من
البر الصيام في السفر ".
وكذلك يرخص الإفطار للمجاهد في حالة القتال ومواجهة العدو، لقوله
-صلى الله عليه وسلم- :" إنكم ملاقو عدوكم والفطر أقوى لكم ".
فإن قيل: ما صفة المرض والسفر الذي يجيز الإفطار، وهل الإفطار في
مثل هذه الحالات رخصة يُندب لها أم أنها عزيمة واجبة؟
أقول: أيما مرضٍ يشكل مشقة على الصائم فالفطر في حقه رخصة، وأيما
مرض يزيده الصيام مرضاً ويُضاعفه على صاحبه فالفطر حينئذٍ يكون
واجباً؛ إذ لا ضرر ولا ضرار!
وكذلك السفر ـ الذي يُسمى عرفاً سفراً بغض النظر عن المسافة
المقطوعة ـ فإنه رخصة للإفطار ـ إن شاء صام وإن شاء أفطر ـ أما إن
كان في السفر من المشقة ما يؤدي إلى إتلاف وهلاك المسافر الصائم
فحينئذٍ يكون الإفطار عزيمة وواجباً.
كما في الحديث عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- مرَّ على رجلٍ في ظلِّ شجرة يُرشُّ عليه الماء، فقال:" ما
بال صاحبكم ؟". قالوا: يا رسول الله صائم. قال:" إنه ليس من البر
أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخَّص لكم فاقبلوها ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن الله تبارك وتعالى يُحبُّ أن تؤتى
رُخصَه كما يكره أن تُؤتَى معصيتُه ".
وكذلك الجهاد كلما كان الإفطار للصائم أقوى لمواجهة العدو كلما كان
أقرب للوجوب وأن يكون عزيمة، كما في الحديث عن أبي سعيد الخدري
قال:" سافرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة ونحن
صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :
إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من
صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنكم مصبحوا عدوكم
والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة، ثم رأيتنا نصوم بعد ذلك مع
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السفر "مسلم.
عن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أأصوم في
السفر؟ ـ وكان كثير الصيام ـ فقال:" إن شئت فصُم، وإن شئتَ فأفطر
". فمرد الأمر لما يترتب على الصيام من مشقة، ونوع هذه المشقة
وأثرها .. وعلى ضوء ذلك نحدد متى يكون الإفطار رخصة ومتى يكون
عزيمة.
ـ وكذلك المرأة الحائض: إذا أدركتها الدورة الشهرية وهي صائم يجب
عليها الإفطار .. ومن ثم تقضي أيامها بعد رمضان .. كما في الحديث
عن عائشة:" كان يُصيبنا ذلك ـ أي الدورة الشهرية ـ فنؤمر بقضاء
الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ". ونحوها المرأة النفساء.
ـ وكذلك المرأة الحامل والمرضع: يفطران ويُطعمان عن كل يوم مسكيناً
من غير قضاء، لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" إن الله وضع عن
المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم ".[ الترمذي
وقال: حديث حسن ].
وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس .. قال ابن عباس:" إذا خافت الحامل
على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويُطعمان مكان
كل يومٍ مسكيناً، ولا يقضيان صوماً ". ونحوه عن ابن عمر.
ـ وكذلك الشيخ الكبير والمرأة العجوز: إذا كانا لا يُطيقان الصومَ
.. يفطران .. ويُطعمان فقط عن كل يومٍ مسكيناً، وهو قول ابن عباس
وغيره من أهل العلم.
عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ:{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال ابن عباس: ليست بمنسوخة؛ هو الشيخ
الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعمان مكان كل
يوم مسكيناً " البخاري.
ـ قضاء الفوات من رمضان.
تُقضى الأيام الفائتة من رمضان وجوباً على التراخي، وبشكل متفرق أو
متتابع خلال أيام وأشهر السنة، فلا حرج إن شاء الله، كما في الحديث
المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها قالت:" كان يكون علي الصوم من
رمضان فما أستطيع أن أقضيَهُ إلا في شعبان ".
وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله عن قضاء رمضان، فقال:" إن شاء
فرَّق وإن شاء تابع ".
فإن مات من كان عليه صوم من رمضان صام عنه وليه ولا بد، لقوله -صلى
الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه:" من مات وعليه صيامٌ، صام
عنه وليُّهُ ".
أما إن كان من ذوي الأعذار الدائمة ممن يدفعون فدية إطعام مسكين عن
كل يوم ثم مات .. فإنه يجب على وليه أن يُطعم عنه الأيام التي لم
يُطعم عنها .. ولا يجب عليه الصوم.
ـ أمور ينبغي للصائم اعتزالها:
ليستفيد الصائم من صيامه يجب عليه ـ إضافة إلى ترك الطعام والشراب
ـ اعتزال الفواحش والمنكرات، والمعاصي، والفحش في القول وسوء الخلق
.. فهذه الموبقات والمعاصي وإن كان يتعين تركها في كل وقت وعلى
مدار الأشهر والأيام إلا أنها في رمضان ـ ليستفيد الصائم من صيامه
ـ يزداد التوكيد على اعتزالها وتركها، فقد صح عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- أنه قال:" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة
في أن يدع طعامه وشرابه ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من لم يدع الخنا والكذب؛ فلا حاجة
لله أن يدع طعامه وشرابه ". والخنا: الفحش في القول.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ليس الصيامُ من الأكل والشراب، إنما
الصيام من اللغو والرفث، فإن سابّك أحدٌ أو جهِلَ عليك فقل: إني
صائم، إني صائم ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا تَسابَّ وأنت صائم، فإن سابَّك
أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" رُبّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ
والعطش ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" الصوم جُنَّة ـ أي من النار ـ ما لم
يخرقها ". أي يخرقها بالغيبة والنميمة وسوء الخلق.
فالصوم الكامل الممدوح والمراد شرعاً ـ إضافة إلى الصوم عن الطعام
والشراب ـ هو صوم الجوارح الظاهرة والباطنة وإمساكها عن كل ما هو
معيب وغير شرعي .. لا بد للصائم من أن يتفطن لهذا المعنى، هذا إذا
كان حريصاً على أن يكون من عتقاء شهر رمضان المبارك.
ـ كيف يقضي الصائمُ يومه في رمضان؟
لا يكفي للصائم أن يجتنب الآثام والموبقات في رمضان وإنما عليه
كذلك أن يخص شهر رمضان بمزيدٍ من الإقبال على العبادة والطاعة،
وتلاوة القرآن، والتصدق، وإطعام المساكين، كما في الحديث المتفق
عليه عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال:" كان النبي -صلى الله عليه
وسلم- أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه
جبريل، وكان جبريل -عليه السلام- يلقاه كل ليلةٍ في رمضان حتى
ينسلخَ، يعرضُ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآنَ، فإذا لقيه
جبريل -عليه السلام- كان أجود بالخير من الريح المرسلة ".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:" كان النبي -صلى الله عليه وسلم-
إذا دخل العشرُ شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله " متفق عليه.
وقالت:" كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في العشر
الأواخر مالا يجتهد في غيره ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من فطّر صائماً كان له مثل أجره ولا
ينقص من أجر الصائم شيئاً ".
وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخل رمضان انقطع عن التدريس،
وانقطع عن الفقه والفتوى والحديث، واشتغل بمدارسة القرآن، وقال:
هذا شهر القرآن.
فإذا عرفت ذلك أيها المسلم الصائم فتأمل كيف يقضي كثير من المسلمين
في أمصارهم شهر رمضان؛ تراهم يعدون له عدته من المسلسلات
والمسابقات والسهرات التلفزيونية، وغيرها من الملاهي، وكل ما يشغل
عن ذكر الله .. وكأن رمضان لم يُشرع إلا لمثل هذه الأعمال المشينة
والمخلة بالآداب، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وكأن طواغيت الحكم الظالمين يريدون من وراء ذلك أن يُبطلوا فاعلية
رمضان وأثره الإيماني في النفوس .. فالإيمان الذي يزداد ويرقى
بالنفوس في رمضان ينقصونه ويُبطلونه بما يبثونه من برامج ومسلسلات
فاحشة وماجنة عبر شاشات التلفاز التي غزت كل بيت .. فليس لصالح
الطواغيت الظالمين أن ترقى الشعوب بإيمانها .. وأن تتحرر من
شهواتها ونزواتها .. ويصفى لها ذهنها وتفكيرها .. ولو لشهر واحد!
يعلمون أن شياطين الجن تُصفد في رمضان .. لذا ترى شياطين وطواغيت
الإنس يُضاعفون جهدهم الإفسادي في رمضان ليعوضوا النقص وما قد
فاتهم من مدد من قبل إخوانهم من شياطين الجن!
ـ صلاة القيام.
اختلف الناس حول عدد ركعات صلاة القيام في رمضان، والصواب الذي
نراه موافقاً للسنة، أن لا تزيد صلاة القيام عن إحدى عشرة ركعة،
للحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها قالت:" ما كان النبي
-صلى الله عليه وسلم- يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة
ركعة ".
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- :" أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- لما أحيى بالناس ليلةً في رمضان صلى ثماني ركعات ثم أوتر ".
وعن السائب بن يزيد أنه قال:" أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب
وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان
القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من القيام وما كنا
ننصرف إلا في فروع الفجر " الموطأ.
ـ الاعتكاف.
الاعتكاف: صفته أن يعتكف المسلم للعبادة في المسجد طيلة الفترة
الزمنية التي نوى اعتكافها، لا يخرج من المسجد إلا لحاجة أو ضرورة
ملحة، وهو جائز لقوله تعالى:{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ
عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}البقرة:187.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- ليُدخِلُ رأسه وهو في المسجد فأرجِّلُه، وكان لا
يدخل البيتَ إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفاً ".
وعنها رضي الله عنها قالت:" السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً،
ولا يشهد جنازةً، ولا يمس امرأةً، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا
لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامع
"[ صحيح سنن أبي داود:2160 ]. وفي رواية:" ولا اعتكاف إلا في مسجد
جماعة ".
وهو يجوز في كل الأشهر والأيام، لاعتكافه -صلى الله عليه وسلم- في
العشر الأواخر من شوال .. ولكن أفضلها العشر الأواخر من رمضان؛ لأن
النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكفها ويواظب على اعتكافها، كما
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت:" كان النبي -صلى الله
عليه وسلم- يعتكف العشرَ الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، ثم اعتكف
أزواجه من بعده ". والحديث فيه دليل على جواز اعتكاف النساء في
المساجد.
فإن قيل: أي المساجد هذه التي يجوز الاعتكاف فيها؟
أقول: قوي الاختلاف في هذه المسألة والراجح عندي أن الاعتكاف جائز
في أي مسجد شريطة أن يكون مسجداً جامعاً تُقام فيه الجمعة
والجماعة، لحديث عائشة الآنف الذكر، وحتى لا تفوت المعتكف الجماعة
أو يضطر للخروج للصلاة في مسجد جامع آخر، فيفسد اعتكافه .. وبهذا
قال بعض السلف.
فإن قيل: كيف نفهم قوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا اعتكاف إلا في
المساجد الثلاثة "؟
أقول: ينبغي أن يُحمل الحديث على الاعتكاف الأكمل والأفضل؛ أي لا
اعتكاف كاملاً وفاضلاً إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام،
والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
لذا نجد أن ابن مسعود قد خطأ حذيفة عندما استدل بالحديث على منع
المسلمين من الاعتكاف في مسجد الكوفة الأكبر، كما في تمام الحديث:"
قال حذيفة لعبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه- : قوم عكوف بين دارك
ودار أبي موسى لا تغير ـ وفي رواية لا تنهاهم ـ ؟! وقد علمت أن
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" لا اعتكاف إلا في المساجد
الثلاثة ". فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا "[
السلسلة الصحيحة:2786 ].
وقد ذهب الطحاوي في كتابه " مشكل الآثار " إلى أن إنكار ابن مسعود
على حذيفة وجوابه إياه بما أجابه هو دليل على أن الحديث منسوخ فحفظ
الناس ذلك ونسي حذيفة، فقال 7/205: تأملنا هذا الحديث، فوجدنا فيه
إخبار حذيفة ابنَ مسعود أنه قد علم ما ذكره له عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- ، وتركَ ابنِ مسعود إنكار ذلك عليه وجوابه إياه بما
أجابه به في ذلك قوله:" لعلهم حفظوا " نسخ ما قد ذكرته في ذلك،
وأصابوا فيما قد فعلوا، وكان ظاهر القرآن يدل على ذلك، وهو قوله
تعالى:{ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي
الْمَسَاجِدِ} ا- هـ.
قلت: سكوت حذيفة -رضي الله عنه- على جواب ابن مسعود له، ومن ثم عدم
إنكاره بنفسه على المسلمين المعتكفين في المسجد .. دليل على
موافقته له في أن الحديث ليس فيه دليل على المنع من الاعتكاف في
غير هذه المساجد الثلاثة؛ إذ لو كان ابن مسعود مخطئاً في رده عليه
وعلى فهمه للحديث لأنكر عليه حذيفة وصحح له جوابه، ولذهب بنفسه إلى
المسجد لينكر على المعتكفين.
والغريب في الأمر أن الشيخ ناصر ـ رحمه الله ـ قد أقر بتخطئة ابن
مسعود لحذيفة في استدلاله بالحديث على المنع من الاعتكاف في غير
المساجد الثلاثة .. ثم بعد ذلك خطأ ابن مسعود ورد فهمه للحديث،
الذي وافقه عليه حذيفة فيما بعد، واعتبر الحديث مخصصاً للآية التي
تبيح الاعتكاف في مطلق المساجد، وإليك قوله في السلسلة الصحيحة
6/667-670: قول ابن مسعود ليس نصاً في تخطئته لحذيفة في روايته
للفظ الحديث، بل لعله خطأه في استدلاله به على العكوف الذي أنكره
حذيفة؛ لاحتمال أن يكون معنى الحديث عند ابن مسعود: لا اعتكاف
كاملاً ... إلى أن قال: الآية عامة، والحديث خاص، ومقتضى الأصول أن
يُحمل العام على الخاص، وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها، وعليه
يدل كلام حذيفة وحديثه ا- هـ.
ـ صدقة الفطر وما يتعلق بها من أحكام:
يجب إخراج صدقة الفطر طُعمة ـ وليس مالاً ـ طُهرة للصائم، وهي
تُخرج عن العبد والحر، والذكر، والأنثى، والصغير والكبير من
المسلمين، كما في الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال:" فرض
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو
والرفث، وطُعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة،
ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات " صحيح الترغيب:1085.
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال:" فرض رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على
العبد والحر والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أدوا صاعاً من بُرٍّ أو قمحٍ، أو
صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعيرٍ، عن كل حرٍّ وعبد، وصغير وكبير ..
ذكر وأنثى ".
والصاع: أربعة أمداد؛ والمد حُفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين.
الأشياء التي يجوز التصدق بها: القمح، أو الشعير، أو التمر، أو
الزبيب، أو الرز، أو الذرة، أو الأَقِطِ ( لبن مجفف لم تُزل زبدته
).
وقتها: تُخرج قبل صلاة العيد وليس بعده، كما في الحديث عن ابن عمر
قال:" أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزكاة الفطر أن تؤدى
قبل خروج الناس إلى الصلاة " البخاري.
وقد ثبت عن ابن عمر أنه كان يؤديها قبل الفطر بيومٍ أو يومين.
قلت: إذا تقرر إرسال صدقة الفطر إلى قطر آخر لحصول الكفاية في
القطر الذي فيه المتصدق ووجود الحاجة الماسة في القطر الآخر، لا
حرج أن يرسلها في وقت مبكر لكي يضمن وصولها إلى ذوي الحاجة من
الفقراء والمساكين في الوقت المحدد والمناسب، إذ لو تأخر في دفعها
إلى ما قبل العيد بساعات أو يوم أو يومين .. قد لا تصل إلى أيدي
الفقراء في القطر الآخر إلا بعد صلاة العيد بأيام وربما بأسابيع ..
فحينئذٍ لا تكون زكاة فطر وإنما صدقة من الصدقات؛ لأن الحكمة من
إخراج صدقة الفطر أن تصل إلى أيدي الفقراء طُعمة قبل صلاة العيد،
ليستفيدوا منها وأطفالهم في أيام العيد .. وليس مجرد أن تُخرج من
يد صاحبها لتوضع في يدٍ مستأمنة أخرى يحبسها في يده أو يخرجها على
الفقراء متى شاء وفي الوقت الذي يشاء، والله تعالى أعلم.
ـ صيام ستة من شوال.
فإذا انتهى رمضان ودخل شوال يُسن أن يصوم المرء ستة أيام من الشهر،
لقوله -صلى الله عليه وسلم- :" من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال
كان كصيام الدهر " مسلم.
وله أن يبدأ بالصوم بعد العيد مباشرة؛ أي في اليوم الثاني من شوال،
لورود النهي عن الصوم في العيد، والله تعالى أعلم.
وبانتهائنا من هذه الفقرة، ننتهي ـ بفضل الله تعالى ومنته ـ من هذا
المبحث الموجز "مسائل وأحكام رمضانية "، راجياً من الله تعالى
القبول، وأن ينفع به الصائمين في أمصارهم، إنه تعالى سميع قريب
مجيب.
وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] الصارم المسلول، لابن تيمية: 56.
[2] صحيح الجامع: 3038.
[3] صحيح سنن أبي داود: 2089.
[4] صحيح سنن أبي داود: 2090. |
|
|
|
25/8/1424هـ. 21/10/2003 م. |
|
عبد المنعم مصطفى حليمة " أبو بصير
الطرطوسي " |
|
www.abubaseer.bizland.com |
|