الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
ـ مقدمة الطبعة الأولى[1].
 

بسم الله الرحمن الرحيم


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تُقاته ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون} آل عمران:102 .
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} النساء:1 .
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً . يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطع اللهَ ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} الأحزاب:70-71 .
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم .
تتنامى حركة المد الإسلامي – وعياً وقوة وانتشاراً – في أمصار المسلمين، وترتفعُ أصوات الشعوب المسلمة بضرورة الرجوع إلى دين الله، وتحكيم شريعته سبحانه في جميع شؤون الحياة، ونبذ جميع الشرائع والقوانين الوضعية التي تكرس ألوهية الإنسان للإنسان، وتبعيَّة المسلم إلى قوى الكفر والشر في الغرب أو الشرق ..
فأفزع ذلك قوى الكفر العالمية الحاقدة على الإسلام، ومن تابعهم من طواغيت الردة والنفاق، وأقلق بالهم ومضاجعهم، وأخافهم على امتيازاتهم ومصالحهم وعروشهم، فحملهم ذلك على أن يجربوا مع الشعوب المسلمة جميع صنوف القمع والإرهاب والتعذيب – من قتل وسجن وتشريد - فارتد ذلك عليهم بالخزي والعار، وما زاد ذلك المسلمين إلا إصراراً وعناداً وتصميماً على المضي في الطريق؛ طريق الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض وحتى يكون الدين كله لله .
فما استكانوا ولا وهنوا ولا ضعفوا، بل كانت سياسة السياط والتنكيل بمثابة المنبه الذي أيقظ الهمم والعقول، وأحياها بعد رُقاد طويل، وذل شنيع استمرأته النفوس، فأدرك الطواغيت سوء صنيعهم، وعلموا أن العنف لا يورث الأجيال إلا الأحقاد والعنف والكراهية، وأن النار لا تولد إلا ناراً، وهذا الذي يخافونه ويحذرونه، ويهربون منه أشد الهرب ..
إذاً لا بد لهم من بديل يحقق مطالبهم وسياساتهم بأقل الخسائر، وبنفس الوقت يأمنون به على أنفسهم وامتيازاتهم ومصالحهم، ويضمنون سلامة عروشهم من أن تتهاوى عليهم ..
فوجدوا في الديمقراطية – وما يتبعها من نظم وتفريعات ووسائل – بغيتهم والبديل الذي به يميعون قضية الإسلام وحقيقته في نفوس المسلمين وفي واقع حياتهم؛ قضية الحاكمية والتشريع، قضية من المعبود بحق الذي يجب أن تُصرف إليه الطاعة والعبادة، وبنفس الوقت يحافظون به على عروشهم ونفوذهم ومصالحهم، ويُبقون على نظامهم العلماني الوضعي الذي يفصل الدين عن الدولة وشؤون الحكم والسياسة، وجميع شؤون الحياة [2].
إضافة إلى ذلك فهي – أي أجواء الديمقراطية – تكشف لهم الأوراق، وتعرفهم على الأسماء وخبايا الأمور، التي تُسهل لهم الانقضاض على المخالفين ساعة يرون الفرصة السانحة لذلك، أو تضطرهم الأحداث إلى ذلك، وهذا غير محقق لهم بسهولة في غير أجواء الديمقراطية، وهو مطلب هام بالنسبة لأمن الطواغيت وأمن أنظمتهم .
وبالفعل فقد راجت هذه اللعبة الخبيثة الماكرة على الجميع، وعلى كثير من خواص المسلمين، واستعذبتها النفوس الضعيفة الجبانة، التي من شأنها أن تهوى الهبوط والطرق القصيرة الملتوية وإن أفضت بهم إلى العذاب والنار، وأصبحت الديمقراطية – دين الغرب – غايتهم ووسيلتهم، وهمهم الأكبر، والبديل الأمثل، والحل لجميع مشاكل الأمة، وهي النظام الوحيد الذي يجب أن تصبوا إليه البشرية والإنسانية جمعاء، ولا يجوز لها أن تلتفت إلى ما سواه من النظم ..!
فضلوا وأضلوا، وفُتنوا بالديمقراطية كأشد ما يفتن المرء بباطل، حتى أنهم يوالون ويعادون فيها؛ فمن وجدوه ديمقراطياً والوه وأكرموه، وأثنوا عليه خيراً وبكل عبارات الإطراء، ومن وجدوه غير ديمقراطي عادوه وأنكروا عليه، وأشاروا إليه بكل عبارات الاتهام والطعن والتجريح ..!
ومما يلفت النظر ويشتد له العجب أنه رغم ما جرَّت التجارب الديمقراطية على المسلمين من نتائج سيئة ووخيمة أفضت إلى الضعف والاختلاف والتفرق، والشقاق والتنازع بين الأخوة حيث الجماعة أصبحت جماعات، والحزب أصبح أحزاب، والحركة أصبحت حركات متنافرة متباغضة، والأخوة في بيت واحد تراهم متباغضين ومنقسمين؛ هذا مع الانتخابات وهذا ضد الانتخابات، رغم كل ذلك وغير ذلك مما يُشين فإن القوم لا يزالون يستعذبون الديمقراطية وينافحون عنها كأنهـم أربابها وصانعيها ..!
أُشربوا في قلوبهم حب الديمقراطية، كما أُشرِب بنو إسرائيل - من قبل - في قلوبهم حب العجل، فما نفعهم سمعهم فردعتهم الآيات القرآنية والنصوص الشرعية، ولا نفعتهم عقولهم وأبصارهم فبصرتهم بالواقع المرير الناتج عن تطبيق الديمقراطية ..!
وثمة أمر مهم لا بد من الإشارة إليه، وهو أن المعسكر الشيوعي الاشتراكي – بحكم تخلفه ومحاربته للفطرة الإنسانية – قد سقط وانهار وتلاشى وأصبح في حقيقة أمره تبعاً للنظام الرأسمالي الديمقراطي الحر، ولم يعد يشكل – من ناحية أيدلوجية وفكرية وثقافية – أي خطر على المد الإسلامي، ولم يبقَ - من قوى الشر والباطل – في الساحة ما يشكل تحدياً للإسلام والمسلمين سوى المعسكر الرأسمالي الذي يقوم على أساس النظام الديمقراطي الحر .
وخطر هذا النظام الفاسد يكمن في أن حقيقته قد انطلت على كثير من خواص المسلمين، حتى ظنوا أن الديمقراطية من الإسلام، والإسلام من الديمقراطية ولا تعارض بينهما، وبالتالي فهو لم يلق منهم إلا كل مسالمة وتأييد ..
والعدو كيف يواجَه خطره ويُرد كيده إذا نُظر إليه على أنه صديق وهو منا ونحن منه، أو أنه ليس فيه أو عنده ما يستدعي العداء ؟!
وهكذا الموقف السائد من الديمقراطية ودعاتها، فهي بقيت في الساحة لا لأنها قوية في ذاتها ونظامها، أو لأنها لا تتعارض مع الفطرة البشرية السوية.. بل لأنها لم تواجه الموقف الصحيح للإسلام والمسلمين منها .
لأجل ذلك، ومن باب الأمانة الملقاة على عاتقنا، وبيان الحق الذي سكت عنه وكتمه – رهبة أو رغبة – كثير مما يتصدرون مجالس العلم، رأينا أن نخط هذه الكلمات مبينين فيها حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية، وفيمن يعتقدها أو يدعو إليها، أو يحسنها في أعين الناس ..
{ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة} الأنفال:42.
وفي هذا الكتاب تناولنا المسائل والمواضيع التالية:
_ الديمقراطية، منشأها ومعناها ..
_ مناقشة المبادئ والأسس التي تقوم عليها الديمقراطية ..
_ هل الديمقراطية دين ..؟
_ فتوى بعض العلماء في الديمقراطية ..
_ الديمقراطية والشورى ..
_ استخدام الديمقراطية كمصطلح ..
_ الكلمة العربية المرادفة لكلمة الديمقراطية ..
_ حكم الشعب ليس حكم الله وإن حكم بالإسلام ..
_ الفرق بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة ..
_ موقف الإسلام من الأحزاب ..
_ موقف الإسلام من الأحزاب العلمانية وغيرها من الأحزاب الكافرة ..
_ موقف الإسلام من تعدد الأحزاب الإسلامية ..
_ وقفات مع القرضاوي ..
_ كيف يتم اختيار أهل الحل والعقد .. ؟
_ مقارنة بين المذاهب الفقهية والأحزاب ..
_ التمثيل النيابي ودخول البرلمانات ..
_ مآخذ وملاحظات على الانتخابات الديمقراطية ..
_ مآخذ وملاحظات على العمل النيابي ..
_ شروط العمل في الدوائر الحكومية ..
_ ردود على شبهات يستدل بها المخالفون ..
_ استدلالهم بعمل يوسف عليه السلام عند ملك كافر ..
_ استدلالهم بالنجاشي ..
_ استدلالهم بحلف الفضول ..
_ استدلالهم بالمصلحة .. وشبهات أخرى والرد عليها .
_ المسلمون لا يصلون إلى غاياتهم عن طريق الديمقراطية ..
_ ما هو البديل، وكيف السبيل ..
وغيرها من المسائل والمواضيع الهامة العديدة ذات العلاقة بالموضوع يجدها القارئ في طيات هذا البحث ..
نسأل الله تعالى القبول، وأن يلهمنا الإخلاص والسداد والثبات .. إنه تعالى سميع قريب مجيب .

وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم .
 

27 رجب - 1410 هـ .          عبد المنعم مصطفى حليمة
23 شباط – 1990 م .          أبو بصير

 


[1] للتغيير الواسع في مادة الكتاب فقد طرأ على المقدمة بعض التعديلات والإضافات الضرورية .
[2] لكن عندما تجيء المقادير بخلاف ما خططوا ودبروا وما تشتهي أنفسهم، فإن الدبابات وقوات الجيش سرعان ما تترجل وتنزل إلى الشارع لتحمي المكاسب الوطنية، وتحافظ على الديمقراطية ..!

   
F ¥ E