الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
ـ رابعاً: مبدأ حرية الكلمة والتعبير
  تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية التعبير والإفصاح، أيَّاً كان هذا التعبير، ولو كان مفاده طعناً وسباً للذات الإلهية، وكتبه ورسله، إذ لا يوجد في الديمقراطية شيء مقدس يحرم الخوض فيه، أو التطاول عليه بقبيح القول . وأي إنكار على ذلك يعني إنكار على النظام الديمقراطي الحر برمته، ويعني تحجيم الحريات المقدسة في نظر الديمقراطية والديمقراطيين ..!
بينما هذا الذي تقدسه الديمقراطية فهو في نظر الإسلام يُعتبر عين الكفر والمروق، إذ لا حرية في الإسلام للكلمة الخبيثة الباطلة؛ الكلمة التي تفتن العباد عن دينهم وتصدهم عن نصرة الحق، الكلمة التي تفرق ولا توحد، الكلمة التي تعين على نشر الفجور والمنكر..
فكلمة هذا نوعها يؤخذ صاحبها في الإسلام بالنواصي والأقدام، غير الذي ينتظره يوم القيامة من عذاب أليم يكافئ جرمه .
قال تعالى:{لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم} النساء:148 .
وقال تعالى:{ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} إبراهيم:24-26 .
والكلمة الطيبة المراد منها هنا هي الكلمة الطيبة المباركة التي تؤتي ثمارها وفوائدها كل حين وعلى مدار الزمن؛ وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وكل كلمة تعين على نشر الحق والفضيلة، والكلمة الخبيثة التي لا تعرف القرار ولا الثبات، ولا تعرف سوى الدمار والخراب، هي كلمة الشرك الظلم الأكبر، وكل كلمة تعين على نشر الباطل والرذيلة ..
وقال تعالى:{ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفـرتم بعـد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} التوبة:65-66 .
روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء – يقصد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق لأخبرنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ونزل القرآن . قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :{أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} .
فانظر كيف أن هذا الرجل قال كلمة على وجه الخوض واللعب – بحق أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - لم يلق لها بالاً، قد أوبقت به في الكفر، وخسر دنياه وآخرته .
قال القرطبي في التفسير8/199: قيل كانوا ثلاثة نفر، هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم. قال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن حمير، وقيل إنه كان مسلماً، إلا أنه سمع المنافقين فضحك لهم ولم ينكر عليهم ا-هـ[1].
وهذا الرجل الذي عُفي عنه كان يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أُعنى بها تقشعر الجلود، وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فما من أحدٍ من المسلمين إلا وقد وجد غيره[2].
وكل هذا منه - رحمه الله – ليكفِّر عنه ما بدر منه من تبسم للذين سخروا من دين الله، فليحذر هؤلاء الذين يملؤون حياتهم بالاستهزاء والسخرية، والطعن بالدين ثم يحسبون أنفسهم بعد ذلك أنهم على شيء .
وقال تعالى:{يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا} التوبة:74. وهذه آية نزلت في رجل من المنافقين قال كلمة وعبر عن رأيه الخبيث – كما تريد له الديمقراطية – عندما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فقال: لئن كان صادقاً فنحن شر من الحمير، فأتي به إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فحلف وأنكر أنه لم يقل شيئاً، فنزل القرآن يكذبه ويكفره [3].
وفي السنة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين حريفاً في النار "[4].
وفي الصحيحين:" إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ". وعند البخاري في صحيحه، قال -صلى الله عليه وسلم- :" إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقى لها بالاً يهوي بها في جهنم " .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه "[5] .
فتأمل قوله -صلى الله عليه وسلم- :" لا يرى بها بأساً .. ما يتبين فيها .. لا يلقي لها بالاً .. ما كان يظن " كل هذا لم يكن مانعاً من لحوق الوعيد بصاحب الكلمة السيئة الخاطئة، وهو درس رادع لمن يوسع ساحة الأعذار على الفجار الطاعنين في الدين، من غير علمٍ ولا دليل .
وعن سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي ؟ فأخذ بلسان نفسه -صلى الله عليه وسلم- ثم قال:" هذا "[6].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :"من وقاه الله شرَّ ما بين لحييه وشرَّ ما بين فخذيه دخل الجنة "[7].
ومن حديث معاذ -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال:" ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم "[8].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال "[9]. فما يكون القول فيمن يقول في الله تعالى ما ليس فيه، ويطعن بالدين، وبالأنبياء والرسل تحت زعم الحرية، كما تزين له الديمقراطية ..؟!
وفي الحديث المتفق عليه، قال -صلى الله عليه وسلم- :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ".
قال النووي رحمه الله: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة والسلامة لا يعدلها شيء [10] .
فأين الديمقراطية من جميع ما تقدم التي تطلق للمرء الحرية في أن يطلق لسانه شرقاً وغرباً، وفي الاتجاه الذي يهوى ويريد، ومن غير حسيب ولا رقيب !
والإسلام إذ يضع تلك القيود على اللسان درءاً للمفاسد والفتن، فإنه في المقابل يأمر المسلم بأن يطلق لسانه – من غير خوف ولا وجل – في بيان الحق، وفي نصرة الحق، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الإصلاح والبناء، كما يأمره بمواجهة ظلم الطواغيت وأن لا يسكت على جورهم أو كفرهم، وقد عد الإسلام الرجل الذي يقف أمام السلطان الجائر يأمره وينهاه، ويقول كلمة حق في وجهه فيقتله لذلك، من أفضل الشهداء يوم القيامة، وسيرة السلف الصالح مع سلاطين الجور عبر التاريخ خير شاهد ودليل على ذلك .
فحرية التعبير البنَّاء وفي الحق شيء، وهو ما يأمر به الإسلام، وحرية التعبير في الباطل، والكفر والشرك والمجون شيء آخر، وهو ما تأمر به الديمقراطية، ويأمر به الديمقراطيون ..!

 


[1] قد يرد سؤال: أين يكمن استهزاء المستهزئين بالله وآياته ورسوله، وهم لم يثبت عنهم سوى أنهم طعنوا واستهزؤوا بالصحابة رضي الله عنهم فقط، ولم يذكروا الله ورسوله بشيء ..؟!
فالجواب: أنه لما أثنى الله تعالى خيراً على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونزلت فيهم آيات عديدة من القرآن الكريم تبين ذلك، وكذلك لما ثبت رِضى النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، وثناؤه عليهم بالخير، كان الذي يطعن بمجموع الصحابة كمن يطعن بالله وآياته ورسوله، لذا عُد من الكافرين .
والآية فيها فائدة: وهي أن من يطعن بمجموع الصحابة يكفر ويخرج من دائرة الإسلام، لتضمنه الطعن بالله تعالى وآياته ورسوله، بخلاف الطعن بآحاد الصحابة ففي تكفيره نظر وخلاف، وبحسب المراد.
[2] انظر تفسير ابن كثير:2/382.
[3] وقيل في سبب نزول الآيات غير ذلك، انظر تفسير ابن كثير وغيره من كتب التفاسير المعتمدة .
[4] صحيح سنن الترمزي:1884 .
[5] رواه مالك في الموطأ، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، رياض الصالحين.
[6] رواه الترمزي، وقال حديث حسن صحيح، رياض الصالحين .
[7] رواه الترمذي وقال حديث حسن .
[8] رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح .
[9] رواه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة:437 . وردغة الخبال: هي عصارة أهل النار، والردغ هو الطين الكثير، كما في النهاية .
[10] رياض الصالحين: 483.

   
F ¥ E