الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
ـ سابعاً: مبدأ حرية تشكيل الأحزاب والتجمعات
  تقوم الديمقراطية على مبدأ حرية تشكيل التجمعات والأحزاب السياسية وغيرها، أياً كانت عقيدة وأفكار وأخلاقيات هذه الأحزاب والجماعات ..!
وهذا مبدأ باطل شرعاً، وذلك من أوجه:
منها، يتضمن الإقرار والاعتراف – طوعاً من غير إكراه _ بشرعية الأحزاب والجماعات بكل اتجاهاتها الكفرية والشركية، وأن لها الحق في الوجود، وفي نشر باطلها، وفسادها وكفرها في البلاد وبين العباد، وهذا مغاير ومناقض لكثير من النصوص الشرعية التي تثبت أن الأصل في التعامل مع المنكر والكفر إنكاره وتغييره، وليس إقراره والاعتراف بشرعيته .
قال تعالى:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} الأنفال:39.
قال ابن تيمية رحمه الله: فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء .
وقال: وأيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله، كما قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة .
وقال: فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة،أنه يُقاتَل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ا-هـ .
قلت: إذا كان هذا حكم الطائفة التي تمتنع عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، فما يكون الحكم والقول في طوائف الكفر والردة والزندقة التي تمتنع عن جميع شرائع الإسلام، وتأبى أن تدخل في طاعة الله ودينه، وتتكلف المكائد في حرب الإسلام والمسلمين .. لا شك أنها أولى بالقتال والإنكار، وليس بالاعتراف بشرعيتها أو الإقرار بحقها في أن تحكم البلاد والعباد .
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- - كما في صحيح مسلم – أنه قال:" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " .
ومنها، أن هذا الاعتراف الطوعي بشرعية الأحزاب الكافرة، يتضمن الرضى – وإن لم يصرح بفيه أنه يرضى بحريتها – والرضى بالكفر كفر [1].
قال تعالى:{وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} النساء:140 .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: إن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويُستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر . وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يُقبل منه، لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافراً [2] ا-هـ .
قلت: والاعتراف طوعاً بشرعية الكفر، هو أكثر دلالة على الرضى بالكفر من مجرد الجلوس في مجالس الكفر والطعن بالدين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام .
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الإنكار على أهل المنكر:" فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" .أي ليس وراء إنكار القلب حالة يثبت معها الإيمان؛ لأنه ليس وراء إنكار القلب سوى الرضى، والرضى بالكفر كفر كما تقدم .
قال ابن تيمية في الفتاوى 48/127: وذلك يكون بالقلب – أي تغيير المنكر – وتارة باللسان، وتارة باليد، فأما القلب فيجب بكل حال، إذ لا ضرر فيه، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن .
وقيل لابن مسعود من ميت الأحياء ؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ا-هـ .
ورحم الله سيد قطب حيث يقول: ومجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضعٍ أو حكم من صنع غير الله، هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله، فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه [3].
ومنها، أن من لوازم الاعتراف بهذا المبدأ، السماح للأحزاب الباطلة بكل اتجاهاتها بأن تبث كفرها وباطلها، وأن تغرق المجتمع بجميع صنوف الفساد والفتن والأهواء، فنعينهم بذلك على هلاك ودمار البلاد والعباد .
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- - كما في صحيح البخاري – أنه قال:" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا – أي اقترعوا – على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلَها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعاً " .
وهؤلاء الذين هم في أسفلها هم الذين يمثلون في زماننا دعاة الديمقراطية، الذين يريدون أن يخرقوا السفينة بشبهاتهم وأهوائهم وباطلهم، ليغرقوها ويُغرقوا من فيها بما في ذلك أنفسهم هم بدعوى الحرية المزعومة التي تكفلها لهم الديمقراطية .
فالديمقراطية تقول وبكل وقاحة: دع الأحزاب تفعل ما تشاء، دعهم يمارسوا تدمير المجتمعات بما يشاؤون من المفاسد والفتن، والكفر والشرك، فهم أحرار، وحريتهم مقدسة، ليس لأحد أن يمنعهم أو يسلبهم حريتهم في ذلك، مهما كانت النتائج المترتبة من ذلك ..!
بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- انظروا ماذا يقول:" فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم – ضرباً وزجراً ونهياً – نجوا ونجوا جميعاً".
{فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} النور:63.
ومنها، أن هذا المبدأ وهو حرية تشكيل الأحزاب السياسية وغيرها.. يترتب عليه تفريق كلمة الأمة، وتشتيت ولاءات أبنائها في أحزاب وتجمعات متنافرة متباغضة متدابرة، ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا مغاير لقوله تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} آل عمران:103. ولقوله تعالى:{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} الأنفال:46.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " [4].
والنصوص هي كثيرة التي تأمر بالتزام الجماعة والتوحيد، وتنهى عن التفرق والاختلاف، سنأتي إلى ذكر بعضها – إن شاء الله – بشيء من التفصيل عند الحديث عن شرعية العمل الحزبي، وحكم الإسلام في التعددية الحزبية .

 


[1] انظر إن شئت أدلة القاعدة " الرضى بالكفر كفر " بشيء من التفصيل في كتابنا قواعد في التكفير.
[2] مجموعة التوحيد: 48 .
[3] طريق الدعوة في ظلال القرآن:2/52 .
[4] رواه الترمذي وغيره، صحيح سنن الترمذي:1758 .

   
F ¥ E