الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
_ حكم الشعب ليس حكم الله وإن حكم بالإسلام .
  يعتبر بعض المفتونين بالديمقراطية والمروجين لها أن إنفاذ بعض القوانين التي توافق الإسلام من خلال العملية الديمقراطية التي تلزم بالتحاكم إلى إرادة الشعب، هو فتح من الفتوحات، ونصر ما بعده نصر، لا يمكن تحقيقه عن غير طريق الديمقراطية .. ونراهم يتماجدون بهذا الإنجاز كلما أرادوا أن يتكلموا عن مبررات ومسوغات ولوجهم نفق الديمقراطية والعمل النيابي المظلم !!
ولهؤلاء وغيرهم نقول: إن الحكم بما أنزل الله نزولاً عند إرادة الشعب ورغبته لا يجوز أن يسمى أو يوصف بأنه حكم بما أنزل الله، وذلك من أوجه:
منها، أن هذه الأحكام إنما طُبقت نزولاً عند رغبة الأكثرية، ولأنها تمثل إرادة الشعب واختياره، وليس انصياعاً ونزولاً عند إرادة الله تعالى وحكمه تعبداً له سبحانه وتعالى، وطاعة وانقياداً لأمره لكونه صادر عنه سبحانه وتعالى، بدليل لو أن الشعب أو الأكثرية قالت في مرحلة من المراحل: لا لهذا الحكم والقوانين، نعم لغيرها من القوانين، لوجب – على الراضين والسائرين في العملية الديمقراطية – تغييره واستبداله بتلك القوانين أو الحكم .. فهو في حقيقته حكم الهوى وليس حكم الشرع، وحكم المخلوق وليس حكم الخالق سبحانه وتعالى .
ولو تأملنا حال أكثر الدول الغربية الصليبية لوجدنا عدداً لا بأس به من أحكامها وقوانينها توافق أحكام الإسلام، أو بالأحرى لا تتعارض مع أحكام الإسلام، فهل لأجل ذلك نستطيع أن نقول أن هذه الدول الصليبية تحكم بما أنزل الله في هذه الأحكام أو القوانين ..؟!
الجواب: لا، لأنها هي إذ تنفذ هذه الأحكام والقوانين فهي تنفذها طاعة وانصياعاً لحكم الأكثرية، وما ترتئيه عقولهم وأهواؤهم، وليس طاعة وانقياداً لحكم الله وأمره ..
ومنها، أن التحاكم إلى الشعب أو إلى الأكثرية من دون الله تعالى، هو ضرب من ضروب الشرك الأكبر، لتضمنه إشراك إرادة الأكثرية أو المخلوق مع الله الخالق -سبحانه وتعالى- في الحكم، كما قال تعالى:{ولا يُشرك في حكمه أحداً} الكهف:26. وقال تعالى:{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} الشورى:21. وحكم يوسم بالشرك أنَّى له أن يسمى حكماً إسلامياً يرتضيه الشارع -سبحانه وتعالى- .
ومن جهة فإن الله تعالى قد نفى الإيمان عمن يأبى التحاكم إلى شرعه، وعمن يتحاكم إلى شرعه لكن يجد في نفسه الحرج والضيق من جراء التحاكم إلى شرعه -سبحانه وتعالى- كما قال تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} النساء:65.
قال ابن القيم رحمه الله: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتنفسح له كل الإنفساح وتقبله كل القبول،ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض [1].
ولا شك أن الذي يرتضي حكم الشعب أو الأكثرية من دون الله تعالى، ويدور مع حكم الأكثرية حيثما دارت، ويقف معها حيثما تقف، أولى بانتفاء الإيمان عنه والوقوع في الكفر، فضلاً عن أن يوصف دورانه وروغانه هذا أصاب حكم الله، أو أنه حكم بشرع الله تعالى .
ومنها، أن التحاكم في نظر الإسلام عبادة من المتحاكم إلى المتحاكَم إليه، فمن تحاكم في جميع شؤون حياته الدينية والدنيوية إلى الله -سبحانه وتعالى- فهو عبد لله تعالى، ومن تحاكم إلى غيره – في قليل أو كثير – وارتضاه حاكماً من دون الله أو مع الله، فهو عبد لهذا الغير وإن تسمى بأسماء المسلمين، وزعم أنه من المؤمنين .
كما قال تعالى:{ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} النساء:60 .
قال الشوكاني في التفسير1/482: فيه تعجيب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على مَن قبله من الأنبياء فجاؤوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أُمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به ا-هـ .
قلت: ولا ينتفي الإيمان إلا لنوع عبادة تصرف للمخلوق، وعبادة المخلوق هنا تكمن في إرادة التحاكم إلى الطاغوت؛ وكل ما سوى شرع الله وحكمه فهو طاغوت .
ومما يؤكد على دخول التحاكم في معنى العبادة، قوله تعالى:{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} التوبة:31.
قال البغوي في التفسير 3/285: فإن قيل إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان – بمعنى الركوع والسجود – قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب .
وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي:" يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك "، فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ:{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} ، حتى فرغ منها قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال:" أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه"، قال: قلت بلى، قال:" فتلك عبادتهم ". ا-هـ .
فتأمل كيف فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- تحاكمهم إلى الأحبار والرهبان من دون الله، وطاعتهم لهم في تشريعاتهم التي تتضمن تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، أنه عبادة من المتحاكم إلى المتحاكَم إليهم وهم هنا الأحبار والرهبان .
أما الأحبار والرهبان في مسألتنا، الذين يُعبدون من دون الله يتمثلون في أعضاء مجالس النواب أو الشعب الذين يتصدرون مهمة التشريع، والتحليل والتحريم بغير سلطان من الله تعالى، ويُتابعون على ذلك من الناس من دون أي إنكار ..!
وكذلك قوله تعالى:{إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يوسف:40 . أي أمر ألا تعبدوا إلا إياه في التحاكم، هذا ما يقتضيه سياق النص، فكما أنه لا معبود بحق سواه -سبحانه وتعالى- كذلك لا حاكم بحق سواه، فله وحده -جل جلاله- الخلق والأمر، لذلك فهو وحده المستحق للعبادة دون أحد سواه .
قال سيد – رحمه الله - في الظلال 4/1990 :إنّ الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته، إذ الحاكمية من خصائص الألوهية، من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة، أو حزب، أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية . ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفراً بواحاً يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة، حتى بحكم هذا النص وحده .
وقال:حين نفهم معنى العبادة على هذا النحو – وهو الدينونة لله وحده والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده – نفهم لماذا جعل يوسف -عليه السلام- اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم، فالعبادة – أي الدينونة – لا تقوم إذا كان الحكم لغيره ا-هـ .
وما يوضح كذلك دخول التحاكم في معنى العبادة، تفسير أهل العلم لمعنى العبادة، حيث قالوا: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .. ولا شك أن مما يحبه الله تعالى تحاكم العباد إليه ظاهراً وباطناً دون أحدٍ سواه .
وشاهدنا من هذا التقديم الضروري أن يدرك القارئ أن التحاكم عبادة، وأن العبادة لا يجوز أن تُعطى لغير الله تعالى، والعبادة حتى تقبل لا بد أن يتوفر فيها شرطان: أولهما، الموافقة والمتابعة لهدي الكتاب والسنة . والثاني: إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريدها من أدنى درجات الشرك والرياء .
كما قال تعالى:{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} الكهف:110. وقال تعالى:{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} الملك:2.
قال ابن تيمية رحمه الله: وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكـون على السنة ا-هـ .
وعليه فإننا نقول: من حكم بما أنزل الله طاعة لله تعالى وامتثالاً لأوامره، ونزولاً عند إرادته -سبحانه وتعالى- - وليس نزولاً عند إرادة الشعب أو الأكثرية أو أي سلطة غيرها – طالباً بذلك مرضاته -جل جلاله- ، فهو وحده الذي يوصف بأنه حكم بما أنزل الله، ومتى كان الأمر على غير هذا النحو والوصف لا يصح ولا يجوز أن يُسمى النظام أو الحكم نظاماً أو حكماً إسلامياً، كما لا يجوز أن يُسمى الحاكم بذلك الحكم بأنه حكم بما أنزل الله .
يقول سيد قطب رحمه الله: هذه الحتمية، حتمية التلازم بين دين الله والحكم بما أنزل الله، لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل الله خير مما يضع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع، فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية، وليس هو السبـب الأول ولا الرئيسي، إنما السبب الأول والرئيسي والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل الله إقرار بألوهية الله، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه ..
وهذا هو الإسلام بمعناه اللغوي الاستسلام وبمعناه الاصطلاحي هي كما جاءت به الأديان: الإسلام لله، والتجرد عن ادعاء الألوهية معه، وادعاء أخص خصائص الألوهية، وهي السلطان والحاكمية، وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون .
ولا يكفي إذن أن يتخذ البشر لأنفسهم شرائع تشابه شريعة الله، أو حتى شريعة الله نفسها بنصها، إذا هم نسبوها لأنفسهم، ووضعوا عليها شاراتهم ولم يردوها لله، ولم يطبقوها باسم الله، إذعاناً لسلطانه واعترافاً بألوهيته، وبتفرده بهذه الألوهية، التفرد الذي يحرر العبد من حق السلطان والحاكمية إلا تطبيقاً لشريعة الله وتقريراً لسلطانه في الأرض [2] .

 


[1] التبيان في أقسام القرآن:270 .
[2] طريق الدعوة في ظلال القرآن:2/188-189 .

   
F ¥ E