الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
أولاً: موقف الإسلام من الأحزاب العلمانية[1]، وغيرها من الأحزاب الكافرة .
  دلت نصوص الشريعة دلالة قطعية على عدم جواز الإقرار أو الاعتراف بشرعية الأحزاب العلمانية – المنكر الأكبر – وغيرها من الأحزاب الكافرة الباطلة، أو الاعتراف بحقها في الوجود أو الحكم لو اختارتها الأكثرية من الناس، تحت أي ظرف من الظروف، أو ذريعة من الذرائع، فاختيار الأكثرية _ بل والشعوب بأكملها _ للباطل لا يمكن أن تحيل هذا الباطل حقاً، أو تعطيه الشرعية في أن يحكم البلاد والعباد، وذلك لأوجه:
منها، تبني المسلمين للعلمانية وغيرها من المذاهب الكفرية، يعني وقوعهم في الكفر والردة، والمرتد حكمه في دين الله تعالى أن يستتاب، فإن أبى وكابر يُقتل حداً وكفراً، لا أن يُعطى الحرية في أن ينشط لباطله وكفره، فضلاً عن أن يُعترف له بحقه في أن يحكم البلاد والعباد لو اختارته الأكثرية ..!
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من بدل دينه فاقتلوه "، وعليه انعقد إجماع وعمل الصحابة رضوان الله تعالى عنهم .
ومنها، أن هذه الأحزاب الباطلة منكر أكبر، وكفر أكبر، والأصل معها – كما تضافرت على ذلك النصوص – إنكارها، ومحاربتها وإزالتها ، وليس الاعتراف بشرعيتها وحقها في الحركة والوجود، أو أن تحكم البلاد لو شاءت الأكثرية لها أن تحكم ..!
قال تعالى:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} الأنفال:39.
فأمر سبحانه بقتالهم وصدهم عن كفرهم وغيهم – وليس منحهم الحريات والامتيازات – حتى ينصاعوا لطاعته وحكمه، وحتى لا تكون السيادة والكلمة للشرك وأهله، فتتحقق الفتن والمصائب من جراء ذلك فتهلك البلاد والعباد .
وقال تعالى في صفات المؤمنين الموحدين:{الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} الحج:41.
في هذه الآية رد على أولئك الذين آثروا السير في طريق الديمقراطية، الذين يعطون العهود والمواثيق – وهذا ما تلزمهم به العملية الديمقراطية – لفرق الباطل من العلمانيين وغيرهم من الزنادقة بأن تكون لهم كامل الحرية في أن ينشطوا لأحزابهم وأفكارهم الهدامة بين الناس والعباد، لو قُدر لهم أن حكموا البلاد ومُكنوا في الأرض ..!
قال تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} آل عمران:104.
وقال تعالى:{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} آل عمران:110.
فخيرية هذه الأمة مشروط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومتى تتخلى الأمة عن هذه المهمة العظيمة فإنها تفقد مبررات وجودها، وصفة الخيرية من بين الأمم ..
فهم خير أمة لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وليس لأنهم يأمرون بالمنكر – كما هو حال الديمقراطيين البرلمانيين من الإسلاميين – ويعترفون بشرعيته وحريته طواعية من غير إكراه ..!
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- - كما في مسلم – أنه قال:" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ".
هذا هو الأصل الذين يحدد مبدأ التعامل مع المنكر أي منكر كان، وبخاصة إن كان هذا المنكر يرقى إلى درجة الكفر البواح ..
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم "[2].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :"إن الناس إذا رأوا المنكر،ولا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه"[3].
وفي صحيح البخاري وغيره، قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مانعي الزكاة:" والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها ".
قال ابن تيمية رحمه الله: فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين ..
فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها، حتى يكون الدين كله لله، باتفاق العلماء [4] ا-هـ .
قلت: إذا كان اتفاق العلماء وإجماع الأمة على وجوب قتال الطائفة التي تمتنع عن التزام أمر واحدٍ معلوم من الدين بالضرورة، فما يكون الموقف من هذه الطائفة لو أظهرت الكفر البواح بدين الله، ونادت به على الملأ، وأعلنت كفرها للعباد ودعتهم إليه من دون حياء، وطالبت الأمة بضرورة نبذ حكم الله، وبالتحاكم إلى شرائع الطاغوت وقوانينه، كما هو شأن الأحزاب العلمانية الكافرة اليوم وغيرها ..
لا شك أن الموقف منها لا يختلف عن موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- من مسيلمة الكذاب وحزبه، لا يشك في ذلك مسلم عرف الإسلام وحقيقة هذه الأحزاب العلمانية، وما تنطوي عليه من كفر ومروق .
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" لا تقولوا للمنافق: سيد، فإنه إن يكُ سيدكم فقد أسخطتم ربكم -سبحانه وتعالى- "[5].
من جملة ما يفيد الحديث أن المسلمين لا ينبغي لهم أن يسمحوا للمنافق – والكافر المرتد من باب أولى – أن يكون سيداً حاكماً عليهم، مطاعاً في أمره ونهيه، وكلمته نافذة بين المسلمين، بل يجب عليهم أن يمنعوه من الوصول إلى موقف السيادة والرياسة بكل ما يملكون من وسائل، حتى لا يضطر الناس إلى التعامل معه كسيد وإلى مخاطبته بعبارات السيادة والتبجيل والتفخيم، فإن حصل منهم التقصير في منـع المنافـق من أن يكون سيداً فهم آثمون معرضون لسخـط الرب -سبحانه وتعالى- [6].
والحديث من جملة الأدلة التي تفيد وجوب الخروج بالقوة على الحكام الكافرين من الزنادقة والمرتدين، واستبدالهم بحكام مسلمين موحدين يحكمون الأمة بالكتاب والسنة.
ومنها، أن الاعتراف – طوعاً من غير إكراه – بشرعية هذه الأحزاب الكافرة، وأن لها الحق في أن تحكم البلاد والعباد لو اختارها أكثر الناس، هو دليل صريح على الرضى بالكفر بأن يحكم ويسود، والرضى بالكفر كفر .
واشتراطهم لهذه الأحزاب بأن يختارها أكثر الناس .. لا يمنع عنهم وصف الرضى بالكفر، كما لا يمنع عنهم الأحكام التي تترتب على الرضى بالكفر، والاعتراف بمبادئ وقواعد الكفر .
قال تعالى:{وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفَرُ بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِه إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً} النساء:140.
فهم مثلهم في الوزر – وإن لم يستهزئوا مثلهم – لأن مجرد جلوسهم مع الكفار المستهزئين طواعية من غير إكراه أو إنكار هو إمارة صريحة على الرضى بفعلهم وكفرهم، فيطالهم بذلك حكم المستهزئين بدين الله تعالى، وهو الكفر البواح .
قال الشيخ سليمان حفيد الشيخ المجاهد محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله: إن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر، والرضى بالكفر كفر .
وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يُقبل منه، لأن الحكم على الظاهر وهو قد أظهر الكفر فيكون كافراً[7] ا-هـ .
وقال القرطبي في التفسير 4/330:{إنكم إذاً مثلهم}، مَن لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضى بالكفر كفر، فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية ا-هـ .
قلت: اعترافهم لفظاً وحالاً للأحزاب العلمانية الكافرة، وغيرها من فرق الزندقة والإلحاد بحقها في الوجود والحكم والسيادة، وأن تنشر باطلها وكفرها بين الناس .. لهو أشد دلالة على الرضى بالكفر من مجرد الجلوس في مجالس الكفر والاستهزاء [8].
وما يدل كذلك على صحة هذه القاعدة – الرضى بالكفر كفر – قوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم:" ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تتخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ".
قلت: ليس وراء إنكار القلب مثقال حبة خردل من إيمان، لأن ليس وراء إنكار القلب إلا الإقرار والرضى، لذا ينعدم مطلق الإيمان، وإذا انعدم الإيمان من القلب حلّ محله الكفر[9] .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إذا عُملَت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها "[10].
قال ابن تيمية في الفتاوى 28/127: تغيير المنكر يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد، فأما القلب فيجب بكل حال، إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن ا-هـ .
ويقول سيد قطب رحمه الله: مجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من صنع غير الله هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله، فالإسلام لله هو توحيد الدينونة له دون سواه [11] .
فإذا عرفت ذلك أيها القارئ: فلك أن تعجب من عبارات وإطلاقات المخالفين من الديمقراطيين الإسلاميين التي يؤكدون من خلالها على موافقتهم على تعدد الأحزاب – بما في ذلك الأحزاب الشيوعية واللادينية – وعلى احترامها والموافقة على حكمها واعتلائها السلطة لو فازت بأكثر أصوات الناخبين ..!!
ومنها، أن إقرار مبدأ تعدد الأحزاب الباطلة، والاعتراف بشرعيتها وحريتها، وأن لها كامل الحق في الدعوة إلى باطلها، وكفرها وفسادها .. من شأنه أن يفتن الناس عن دينهم، ويؤدي إلى هلاك البلاد والعباد، ونشر الفساد في الأرض، وإلى دمار المجتمعات وخرابها، وهذا ما حذرت منه النصوص الشرعية أشد التحذير، كما في قوله تعالى:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} الأنفال:39.
فإن كان شرهم وخطرهم، وفسادهم لا يتوقف إلا بصدهم وقتالهم، فليكن ذلك لأن فتنتهم وضررهم على البلاد والعباد، وعلى الكليات التي جاء الدين لحمايتها والحفاظ عليها هي أشد وأعلى بكثير من فتنة القتل والقتال، وما يمكن أن يترتب عليه، كما قال تعالى:{والفتنة أشد من القتل} البقرة:119 .
وفي صحيح البخاري وغيره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء فمروا على من فوقهم فتأذوا بهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتأذوننا، فقالوا: لو أنا خرقنا من نصيبنا خرقاً فاستقينا منه ولم نؤذِ من فوقنا، فأخذ – أي أحدهم – فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا مالك ؟! قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ".
ومثل السفينة في واقعنا هو المجتمع الذي يجمع في أحيائه وأطرافه المتباعدة الصالح والطالح، ومثل حامل الفأس للتحطيم والتدمير هو صاحب المنكر الذي يريد نشر باطله ومنكره – تحت مزاعم عدة – في المجتمع، ومثل الذين يمنعونه من تحقيق مأربه وباطله هم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق، الذين يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر .
والحديث أفاد أن أهل المنكر يحاولون دائماً – تحت ذرائع ظاهرها حق وباطنها الإثم والعدوان – لنشر منكرهم وباطلهم، ليدمروا بذلك مصالح العباد والبلاد، وليغرقوا المجتمعات بوابلٍ من الأمراض والتحلل والفساد، فإن تركوهم أهل الحق وما يريدون – تحت شعار الديمقراطية أو الحرية أو أي شعارٍ آخر – هلكوا جميعاً صالحهم وطالحهم، وغرق المجتمع في بحر الشرك والرذيلة والأمراض، وإن أخذوا على أيديهم زجراً وضرباً وتأديباً – وهذا هو الموقف الصحيح نحو كل منكر وباطل – نجوا ونجوا جميعاً، ونجت معهم البلاد والعباد من موت ودمار محققين لا محالة .
وإننا لنجد تحت شعار الحرية والديمقراطية، والتعددية الحزبية .. أن ما من حزب باطل شيطاني يظهر في العالم إلا وينعكس صداه في بلاد المسلمين، ويوجد من يروج له ويدعو إليه الناس، وكل ذلك يتم تحت ذريعة احترام الديمقراطية، والحريات، والتعدديات السياسية والثقافية .. والضحية هم الناس كل الناس .
ومنها، أن هذه الأحزاب وبخاصة منها العلمانية، من شأنها أن تشتت كلمة الأمة، وتفرق وحدتها، وتعدد ولاءاتها في فرق وأحزاب – متباغضة متناحرة ومتنافرة – ما أنزل الله بها من سلطان .
وهذا بخلاف ما أمر به الإسلام من الوحدة والاعتصام بحبـل الله جميعاً، وما نهى عنه من التفرق والاختلاف، والتنافر والتباغض .
كما قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} آل عمران:103.
وقال تعالى:{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} الأنفال:46.
وقال تعالى:{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} الأنعام:159.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد،ومن أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"[12].
وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تدلل على أن الأحزاب والشيع مرض عضال، يجب استئصاله والبعد عنه ..
وقديماً قالوا – وقولهم حق - : أن في الوحدة قوة، وفي الفرقة ضعف . وفي المثل: أُكلت يوم أُكِل الثور الأبيض . وهذا أمر قد تنبه له العدو الكافر، فعمل ولا يزال يعمل على توسيع ساحة الفرقة بين المسلمين – بغرس عوامل الفرقة والاختلاف – ليسهل عليه غزوهم، وتفريق كلمتهم، ونهب خيراتهم من دون أدنى مقاومة منهم، وهذا هو الحاصل اليوم على مرأى ومسمع الجميع، ولا حياة لمن تنادي ..!
لأجل هذه الأوجه الآنفة الذكر – وواحد منها يكفي – قلنا بحرمة الأحزاب العلمانية وغيرها من الأحزاب الباطلة، وبحرمة القول بحريتها .. مهما كانت الذريعة الداعية لذلك، فالإسلام وهذا الشغب الباطل الذي يروج له الديمقراطيون لا يلتقيان، ولا يتعايشان معاً أبدا .

 


[1] العلمانية: تعني اللادينية، وهي تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة وجميع مناحي الحياة،كما أنها تُغيِّب عقد الولاء بين أفراد المجتمع على أساس الانتماء الديني العقدي، وتستبدله بولاءات وروابط أخرى غير الدين، كالوطن، أو القومية، أو الإنسانية، أو الجنس والعرق وغير ذلك من الوشائج والروابط الجاهلية الوثنية التي يُعقد عليها وفيها الولاء والبراء .
وبالتالي فإن كل حزب يقوم على أساس هذه الأفكار فهو حزب علماني، وإن لم يرض لنفسه وصف العلمنة، وكلما كان من برامج الحزب التفلت أو التحرر من قيود الدين وأحكامه، كلما كان أقرب إلى العلمنة والعلمانية . وجميع الأحزاب العلمانية – مهما تباينت وتعددت أسماؤها وبرامجها – فإنها تشترك في هذا الوصف، وهو: فصل الدين عن الحياة، ورفض تحكيم الدين في شؤون ومناحي الحياة .
[2] صحيح سنن الترمذي:1762.
[3] رواه أحمد وغيره، صحيح الجامع :1974.
[4] الفتاوى:28/308-357.
[5] صحيح الأدب المفرد:584 .
[6] تأمل الكم الهائل من الزنادقة والمنافقين، وغيرهم من المرتدين الذين يعاملهم المسلمون في واقع حياتهم على أنهم أسياد وزعماء وقادة، وأشراف وغير ذلك من عبارات التفخيم والتبجيل، فأنزلوهم منزلة غير المنزلة التي أرادها الله لهم.. فإذا عرفت ذلك فلا تعجب، ولا تسأل عن سخط الله -عز وجل- إذا ما نزل بالعباد والبلاد!
[7] مجموعة التوحيد:48.
[8] من لوازم وشروط تشكيل الأحزاب _ أياً كانت هوية هذه الأحزاب وانتماءاتها – في ظل الأنظمة الديمقراطية، الاعتراف والرضى باللوائح الكفرية، للحكومة الكافرة الـتي تنظم وتقنن عملية وجود الأحزاب وفق قوانينها الباطلة.. وأي حزب يريد أن يشارك الأحزاب الأخرى معمعة الانتخابات، والتسلق إلى السلطة – عن طريق الديمقراطية – يجب عليه أولاً أن يوقع على الموافقة والالتزام بهذه القوانين، التي تسمى بقانون الأحزاب، وكما يجب عليه أن يوافق ويلتزم بما تملي عليه هذه القوانين قبل الوصول إلى الحكم كذلك يجب عليه الالتزام بها بعد التمكين والوصول إلى الحكم ..!!
[9] يوجد فرق بين فعل المنكر من غير رضى واستحسان، وبين الرضى بالمنكر؛ حيث أن فعل المنكر الذي هو دون الكفر والشرك، يعتبر معصية، وصاحبه – إن فعله عن هوى وضعف من غير رضى أو استحلال – يعتبر عاصياً ولا يكفر بذلك، وإن مات – قبل أن يتوب من معصيته – يترك إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، وهو ممن تنالهم شفاعة الشافعين يوم القيامة، كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } النساء:48. هذه هي عقيدة أهـل السنة والجماعة في مصير العصاة من أهل القبلة، بخلاف الخوارج ومن تابعهم من الغلاة الذين يكفرون بالكبائر والذنوب التي هي دون الكفر .
أما من رضي بالمنكر – وإن لم يفعله – يكفر؛ لأن الرضى بالشيء هو ضرب من ضروب الاستحلال والتحسين لهذا الشيء، وبنفس الوقت هو استقباح لما هو ضده من الحق المشروع، لذا يعد الراضـي بالمنكر أياً كان هذا المنكر من الكافرين المكذبين، وإن لم يصرح بفيه بعبارات الاستحلال والتكذيب .
أما إن كان المنكر كفراً بواحاً ينقض التوحيد والإيمان، فإن فاعله – من غير إكراه – يستوي في الكفر مع من يفعله ويصرح بفيه أنه يرضاه، وإن صرح الأول عن عدم رضاه بالكفر، لأن واقع الحال يكذبه،ولأن فعل الكفر كفر كاعتقاده أو القول به.
قال تعالى:{من كفر بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } النحل:106. فلم يعذر الله -سبحانه وتعالى- إلا المكره ..والمسألة بحثت بشيء من التفصيل في غير هذا الموضع من كتبنا .
وكذلك الذي يجلس في مجالس المنكر، فإن الجالس يطاله حكم المنكر الذي يمارس في المجلس، فإن كان المنكر معصية دون الكفر فهو عاصٍ لا يكفر، وإن كان الذي يُمارس كفراً فهو كافر مثلهم . وقد رفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم صائماً،فقال:ابدؤوا به أما سمعتم قول الله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب}وتلى عليهم الآية .
[10] صحيح الجامع:689.
[11] طريق الدعوة:2/52 .
[12] صحيح سنن الترمذي:1758 .

   
F ¥ E