الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
_ العمل الحزبي الجماعي في ظل دولة الإسلام .
  اعلم أن الإسلام لا يقر ولا يجيز العمل الحزبي الجماعي – كما هي عليه صورة الأحزاب السياسية الإسلامية في هذا الزمان – أو التعددية الحزبية في ظل دولة الإسلام التي تحكم بما أنزل الله في جميع شؤون الحياة، وتعمل على إعلاء كلمة الله في الأرض؛ أي لا يجوز للمسلمين – مهما سمت غاياتهم وشرفت مقاصدهم – أن يشكلوا تكتلات وأحزاباً سياسية مغايرة للجماعة الأم التي تتمثل في الحاكم المسلم – الخليفة – وجميع المسلمين القاطنين في دولة الإسلام، والتابعين إلى سلطان الدولة والخليفة، وذلك لأوجه :
منها، أن الإسلام دين الوحدانية في كل شيء : فالله -سبحانه وتعالى- واحد أحد في أسمائه وصفاته، وأفعاله وخصائصه لا شريك له، ولا نظير ولا مثيل ..
والنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يجب اتباعه واحد، ولا نبي بعده، والقبلة التي يتوجب التوجه إليها في الصلاة واحدة، والجماعة الناجية المنصورة التي يجب تكثير سوادها واحدة لا تتعدد مهما باعدت الأمصار بين أفرادها، والحق الذي يجب اتباعه واحد لا يتعدد، وليس بعده إلا الضلال، {فماذا بعد الحق إلا الضلال} يونس:32.
وسبيل المسلمين للنصر والتمكين واحد لا يتعدد وهو التزام الكتاب والسنة، من تمسك بهما واهتدى بهداهما لن يضل أبداً، قال تعالى:{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبلَ فتفرق بكم عن سبيلهِ} الأنعام:16.
فدين هذه خصائصه وصفاته لا يمكن أن يقبل بقيام جماعات متعددة متغايرة، ومتنافرة باسم العمل السياسي، أو تحت أي ذريعة كانت، وإن تسمت بأسماء إسلامية ..!
ومنها، أن الشارع قد أمر بالوحدة والاجتماع، والاعتصام بحبل الله جميعاً، وأن نكون عباد الله إخواناً متحابين، وكره إلينا التفرق، والاختلاف، والتنازع، والتباغض والتدابر، وهذا مطلب يستحيل تحقيـقه في ظل شريعة الأحزاب ..!
قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} آل عمران:103 .
وقال تعالى:{ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينَهم وكانوا شيعـاًكل حزبٍ بما لديهم فرحون} الروم:31-32.
وهذا نص يفيد النهي والتحريم عن التشبه بالمشركين الذين من صفاتهم وخلقهم التفرق في الدين، وإحداث الشيع والأحزاب التي ما أنزل الله بها من سلطان .
وقال تعالى:{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} آل عمران:105.
وقال تعالى:{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} الأنعام:159.أي يا محمد أنت بريء منهم بسبب تفرقهم في الدين وإحداثهم الشيع والأحزاب المتعددة والمختلفة، ليس لك من ولايتهم في شيء .
وقال تعالى:{إن هذه أمتكم أمةً واحدة وأنا ربكم فاعبدون} الأنبياء:92.أمة واحدة، ورب ومعبود واحد ..
وقال تعالى:{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} الأنفال:46.أي وتذهب قوتكم التي بها تخيفون عدوكم ..
وقال تعالى:{أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} الشورى:13.
وغيرها كثير من الآيات القرآنية التي تأمر بالوحدة، والتآلف، والاعتصام بحبل الله جميعاً، وتنهى عن الاختلاف، والتنازع، والتفرق في الدين ..
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم، أنه قال:" إن الله يرضى لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة "[1].أي جماعة إمام المسلمين، أو الجماعة التي تكون على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" الجماعة رحمة والفرقة عذاب "[2].ولا شك أن الأحزاب من الفرقة التي مؤداها إلى العذاب، في الدنيا والآخرة ..
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" يد الله مع الجماعة "[3].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" والذي نفس محمدٍ بيده لتفترقن أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار . قيل: يا رسول الله من هم ؟ قال: الجماعة "[4]. وفي رواية قال:" كلهم في النار إلا ملة واحدةً، ما أنا عليه وأصحابي "[5].
فالحديث أفاد ذم الفِرق كلها التي تفترق في الدين شيعاً وأحزاباً، إلا واحدة وهي الجماعة التي تجتمع كلمتها على اتباع – لا الابتداع – ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من الهدى والالتزام والفهم .
وعن جابر بن عبد الله، قال: كنا جلوساً عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فخط خطاً هكذا أمامه، فقال:" هذا سبيل الله -سبحانه وتعالى- " . وخط خطاً عن يمينه، وخط خطاً عن شماله، وقال:" هذه سبل الشيطان " . ثم وضع يده في الأوسط، ثم تلا هذه الآية:{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبلَ فتفرق بكم عن سبيله} [6].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " متفق عليه .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " البخاري .
وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله[7].
وعن قتادة، قال: إن الله -عز وجل- قد كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها، وحذركموها ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والإلفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله .
ولا يخفى كل منصف متجرد للحق، أن الأحزاب بصورتها المعروفة، وبرامجها المتباينة، وطموحاتها الظاهرة في السلطة وفي تداول السلطة، من شأنها أن تفرق كلمة المسلمين ووحدتهم، وتضعف شوكتهم، وتعدد ولاءاتهم وانقساماتهم في أحزاب وشيع متباعدة متناحرة متنافرة، تورثهم التباغض والتحاسد، والتقاطع والتدابر، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية التي يترتب عليها من المفاسد والمضار مالا يعلمه إلا الله -عز وجل- .. وافتراض أحزاب من دون أن يترتب على وجودها الأمراض الآنفة الذكر هو من قبيل افتراض الشيء وضده في آنٍ واحد، وهو كذل زعم يرده الواقع الملموس والمعايش لواقع الأحزاب، وهذا وجه معتبر من الأوجه التي تحرم الأحزاب في ظل دولة الإسلام .
ومنها، أن الأحزاب السياسية وغيرها – كما هو معلوم من سيرتها وأخلاقها – من شأنها الاستشراف إلى حد التقاتل والتضارب في طلب الإمارة والرياسة والحكم، وهذا الخلق الملموس منها هو الغاية القصوى من وجودها، وإن تسترت بمزاعم الإصلاح وحب النصح، فهي غاية لأجلها يستحلون كل الطرق والوسائل الملتوية التي لا يرضاها الله تعالى؛ كتزكية أنفسهم على الله وعلى العباد، وطعنهم وانتقاصهم لقدر الآخرين الذين هم ليسوا من أحزابهم وتكتلاتهم، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة في شرع الله .
وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- ،قال: دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمرْنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال:" إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه ". وسؤال الإمارة، والتنافس عليها، والحرص عليها هو من الخلق الظاهرة للأحزاب ..
وفي الصحيح كذلك، قال -صلى الله عليه وسلم- :" إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم:" إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه ".
وفي الصحيح كذلك، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها ".
وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قلت: يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال:" يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها " مسلم .
يقول له ذلك رغم أن أبا ذر هو نفسه الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- :" ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى ابن مريم " . ومع ذلك لم ينصحه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإمـارة، ولم يردها له[8] ..!!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ما من رجل يلي أمر عشرةٍ، فما فوق ذلك، إلا أتى اللهَ مغلولاً إلى عنقه، فكه برُّه أو أوثقه إثمه، أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة"[9].
فالإمارة مغرم ومسؤولية في الدنيا والآخرة، وليست مغنماً ومكسباً كما يظنها كثير من الناس وبخاصة منهم دعاة الحزبية ..!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا تسألوا الناس شيئاً " . وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً أتكفل له الجنة "[10]. وهذا كله ليس من خلق الأحزاب والحزبيين الذين عُرفوا بكثرة التزلف في السؤال لكسب ود الناس ومرضاتهم - قبل الانتخابات فقط – ومرضاة الناس غاية لا تدرك، لكي يمنحوهم أصواتهم وأسماءهم عند الانتخابات، ويسمون تذللهم هذا – بكل وقاحة – بالدعاية الانتخابية [11] ..!
وهذا وجه معتبر لتحريم الأحزاب في الإسلام ..
ومنها، أن الأحزاب من شأنها وديدنها – كما هو معلوم لدى الجميع – إظهار عيوب السلطان وزلاته للناس بطريقة استفزازية فيها كثير من الرياء، تفرق ولا توحد، وتنفر ولا تبشر – ليظهروا أمام الجماهير أنهم أمناء على مصالحهم – فيحدثون بذلك فجوة واسعة تعدم بسببها الثقة بين الشعب والنظام الحاكم، تمهيداً لأنفسهم ولحكمهم، مما قد يترتب عليه زعزعة أركان الحكم وفقدان الاستقرار والأمن، ولربما يؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الحرمات .. كل ذلك لا لشيءٍ سوى إشباع رغبة الأحزاب في الوصول إلى الحكم، ولو كان ذلك على حساب الكليات والمقاصد العامة التي جاء الديـن لحمايتهـا والحفاظ عليها !
وهذا خلق لا يرضاه الإسلام ولا يقره، وهو من خلق المنافقين المذبذبين الذين يعطون صفقة يمينهم للسلطان المسلم ويبايعونه على السمع والطاعة في المعروف، ثم هم في المقابل ينقضونها باليد الأخرى عندما يعطون العهد والبيعة للحزب ولأمير الحزب !
روى البخاري في صحيحه، عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة "، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يُبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم يُنصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه .
وفي الصحيح كذلك، قال -صلى الله عليه وسلم- :" من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر،فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتةً جاهلية". ولا أحد أحرص على تفريق الجماعة، وتشتـيت كلمتـها، وإضعاف شوكتها من الأحزاب السياسية بصورتها المعهودة في زماننا، ولا شيء ألصق بصفة الغدر والخيانة العامة للإمام العام من الأحزاب والحزبيين..!
وفي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه، قال -صلى الله عليه وسلم- :" لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة " .
ذكر القاضي عياض في شرح الحديث احتمالين، كلاهما يعنيهما الحديث: أحدهما أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه ا-هـ .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان " مسلم.
وفي الصحيح كذلك، قال -صلى الله عليه وسلم- :" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحدٍ يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ". وليـس فانتخبوه ..!
والمراد هنا من يخرج على الإمام العام للمسلمين بعد أن تمت له البيعة الشرعية من أهل الحل والعقد، يريد أن يفرق كلمتهم وجماعتهم بعد أن اجتمعت عليه، فمثل هذا إن لم يندفع شره إلا بالقتل والقتال، قوتل ولا كرامة .
قال النووي في الشرح 12/241: فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلا بقتاله يقتل . وقوله:" يريد أن يشق عصاكم "، معناه يفرق جماعتكم كما تفرق العصاة المشقوقة، وهو عبارة عن اختلاف الكلمة وتنافر النفوس ا-هـ .
وعليه لا يجوز حمل هذا الحديث وغيره مما جاء في معناه – كما فعلت بعض الجماعات التي لوثت بالغلو ووقعت في سفك الدم الحرام – على من يخرج على حزبه، أو جماعته، أو مجموعته لاجتهاد يراه هو من الصواب أو الحكمة أن يقوم به، ثم يُقتل بسبب ذلك تحت ذريعة الخروج على أمير الحزب أو المجموعة بعد أن اجتمعت الكلمة عليه !!
فإن حمل جميع خصائص وحقوق الخليفة العام على أمير الحزب أو الجماعة التي قد لا يتجاوز تعدادها أصابع اليد هو من الغلو والتنطع، ومن التشبع بما لا يُعطاه المرء، وهو وراء كثير من المصائب والانحرافات التي أصابت كثيراً من الجماعات الإسلامية المعاصرة في تعاملها الداخلي مع أفرادها، وغيرهم من المسلمين ممن لا ينضوون تحت إمرتها ..!
وفي كيفية توجيه النصح للسلطان المسلم والتعامل معه في حال وقوعه في الخطأ والانحراف، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذلك، وإلا كان قد أدى الذي عليه"[12].
وفي رواية:" من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فليأخذ بيده، فليخلو به فإن قبلها قبلها، وإن ردها كان قد أدى الذي عليه "[13].
وذلك أن الاختلاء بالسلطان ونصحه على انفراد هو أقرب للإخلاص والبعد عن الرياء من جهة الناصح، ومن جهة هو أدعى للقبول عند المنصوح وبخاصة إن كان من ذوي الجاه والسلطان، حيث أن النصيحة تُسدى إليه بعيداً عن أعين الناس ومسامعهم، وبعيداً كذلك عن التشهير والتسميع والتجريح .
والأحزاب – كما هو ملموس ومشاهد – من أبعد الناس عن هذه الآداب والأخلاق، الذين من عادتهم أن يعتمدوا – في نشراتهم ووسائلهم الخاصة – سياسة التشهير ونشر العيوب والزلات على الملأ، وتسميع الناس بأعمالهم وإنجازاتهم، وما يدور بينهم وبين السلطان مما يصح أن يُعرف للعامة وما لا يصح، لأن فعلهم هذا هو الذي يرغبه ويستهويه عوام الناس، وهذا هو المهم بالنسبة للأحزاب ليضمنوا مزيداً من الأنصار والأصوات للمراحل القادمة..!
ومنها، أن الأحزاب من شأنها – في ظل دولة الإسلام – أن تربي المسلمين على الازدواجية والتلون والغدر والنفاق؛ فهم من جهة يعطون العهد والبيعة للسلطان المسلم على السمع والطاعة، ومن جهة ثانية وباليد الأخرى يعطونها للحزب وأمير الحزب ..!
وهذا من خلق المنافقين المذبذبين، كما قال تعالى:{مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} النساء:143.
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " البخاري .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة لا تدري أيهما تتبع " مسلم .
وهذا مثل من يعطي ولائين متغايرين في وقت واحد، ولاء للحزب وولاء للسلطان المسلم، ولا يدري أيهما يطيع ويتبع !
وهذا وجه من أوجه تحريم الأحزاب الإسلامية في دولة الإسلام .
ومنها، أن مبايعة أمير الحزب – في ظل وجود الإمام العام للمسلمين – على السمع والطاعة، والمتابعة في المنشط والمكره، هو مما حرمه الإسلام أشد التحريم، إلى درجة أنه أمر بقتل من يطلب البيعة لنفسه من الناس بعد أن تمت البيعة العامة للخليفة المسلم، كما في الحديث الذي يرويه مسلم:" إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما ". وذلك من أجل الحفاظ على وحدة الأمة، وعلى قوة تماسكها وشوكتها في وجه المخاطر والأعداء .
وأمير الحزب عندما يطلب البيعة لنفسه ولحزبه، فهو يمثل في ذلك موقف الذي يستشرف لمنصب الخلافة مع وجود الخليفة وبعد أن تمت البيعة الشرعية له، وهذا وكل من يقف موقفه – بنص الحديث – حكمهم في دين الله تعالى القتل وقطع العنق .
وفي الصحيح كذلك قال -صلى الله عليه وسلم- :" إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان " مسلم .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه "مسلم .
وهذا وجه من الأوجه المعتبرة في التحريم ..
ومنها، أن الأحزاب من شأنها أن تُضعف عقيدة الولاء والبراء في الله عند المسلمين، لأنها تربيهم على عقد الولاء والبراء في الحزب وفي أمير الحزب، حيث يصبح المسلم المتحزب يوالي من يوالي حزبه وأمير حزبه بغض النظر عن أخلاقه واستقامته، ويعادي من يعادي أو يجافي حزبه أو شيخ حزبه، فالموالاة – في هذه الصورة – تُعقد لذات الحزب ولذات الأمير، وليس لذات الله -عز وجل- ، وهذا ضرب من ضروب الشرك – الذي قل من يتنبه له ويسلم منه – لأن المحبوب لذاته هو الله تعالى، وما سواه يُحب له -سبحانه وتعالى- وأيما مخلوق يُحب لذاته ـ بحيث يُعقد الولاء والبراء فيه وعليه من دون الله – فقد اتُّخذ نداً لله -عز وجل- في أخص خصائصه وصفاته .
قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 28/19 : كون الأستاذ يريد أن يوافقـه تلميذه على ما يريد فيوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه مطلقاً، وهذا حرام ليس لأحد أن يأمر به أحداً، ولا يُجيب عليه أحد، بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة، يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله، وتفرق بينهم معصية الله ورسوله .
ومن حالف شخصاً على أن يوالي من والاه ويعادي من عـاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان[14] ا-هـ
وهذا وجه من أوجه التحريم ..
ومنها، أن هذه الأحزاب بصورتها المعروفة والمعهودة، تعتبر من البدع المحدثات التي لم يكن يعرفها سلف الأمة من قبل، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .
كما في الحديث الذي أخرجه مسلم:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي سلمة عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متحزِّقين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله، دارت حماليق عينيه كأنه مجنون[15] .
وقوله:" لم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متحزقين "؛ أي لم يكونوا متقبضين ومتجمعين في جماعات وحِزق متعددة منطوية كل جماعة على ذاتها، بل كان الواحد منهم يعيش للأمة كل الأمة، يألم لجميع المسلمين من غير تفريق، إذا ذُكِّر بأمر فيه طاعة لله، دارت حماليق عينيه – لشدة استجابته وانقياده لتنفيذ أمر الله – كأنه مجنون !
هذه هي أوصاف الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – التي يجب علينا امتثالها والتحلي بها .. فأين الأحزاب والحزبيون من هذه الأخلاق والخصال ؟!
ومنها، أن وجود الأحزاب المتعددة والمتباينة في برامجها ووسائلها في المجتمع الواحد – وإن سُميت إسلامية – يعتبر أرضية خصبة لتحركات المنافقين، وغيرهم من الزنادقة الملحدين أصحاب النفوس المريضة، والغايات الخطيرة، حيث أنهم يجدون في هذه الأحزاب الغطاء الساتر لتحركاتهم ونشاطاتهم الهدامة، والملاذ الآمن لأشخاصهم إذا ما فُضح أمرهم وعُرفت حقيقتهم، لأن الأحزاب من شأنها – كما هو ملاحظ ومشاهد – أن تبالغ في الذود والدفاع عن أفرادها – وبخاصة إذا كانوا في موقع القيادة للحزب – في حال كشفت خيانتها، وعُرفت مؤامراتها، لأن معاقبة الأفراد وتوجيه التهم إليهم – وبخاصة إذا كانوا قياديين – هي معاقبة للحزب ولسمعة الحزب، لأجل ذلك فالعدالة – في ظل مجتمع حزبي – لا تأخذ طريقها بسهولة إلى التنفيذ والتطبيق .
ومن يتابع سيرة كثير من الأحزاب المعاصرة، يجد كثيراً من الشخصيات الخطيرة – يهودية وماسونية وعناصر تابعة لأجهزة أمن الطواغيت – قد استطاعت أن تتسرب إلى داخل هذه الأحزاب، مستغلة حالة الخلاف الدائرة بين الأحزاب ذاتها، لتستلم فيها مناصب عالية تشكل من خلالها خطراً على أمن وسلامة الجماعة وربما الأمة برمتها[16].
ومنها، أن الغاية من وجود الأحزاب السياسية – كما يقولون – التداول على السلطة بالطرق السلمية كل فترة زمنية يتم التعارف على تحديدها فيما بين الأحزاب ذاتها، تُقدر بخمس سنوات أو أكثر أو أقل ..!
وهذه فكرة مرفوضة من أوجه :
أولاً، أنها فكرة مستحدثة ودخيلة على السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، ومن أحدث في ديننا وأمرنا ما ليس منه فهو رد ومرفوض .
ثانياً، أنها فكرة من صنيعة الجاهلية المعاصرة، التي أمرنا بمفاصلتها ومباينتها والتمايز عنها، وعدم التشبه بشيء من راياتها ومبادئها ..
ثالثاً، أنها فكرة مغايرة لما تُقرر في الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة، الدالة على أن السلطان المسلم أو الخليفة المسلم لا يُعزل إلا لداعٍ شرعيٍّ يستدعي العزل، وأهواء الأحزاب ورغباتها في حب التسلط والاستعلاء على الحكم لا يعد من المبررات الشرعية التي بموجبها يُعزل السلطان المسلم ويُستبدل بآخر غيره ..
رابعاً، أنها فكرة مؤداها إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغير ذلك؛ لأن التغيير المستمر في هذا المجال يحدث فجوات وحالة فراغ كبيرة قد تؤثر على أمن وسلامة وازدهار المجتمع، وبخاصة عندما يأتي الجديد ليهدم أو يغير ما قد بناه القديم، وهذا ملاحظ في أرقى الديمقراطيات المعاصرة ..!
خامساً، هذه الفكرة فرصة سانحة للأحزاب الإسلامية البدعية المنحرفة، التي تتبنى اجتهادات وآراء شاذة وضعيفة بعيدة عن هدي السلف، في أن تصل إلى سدة الحكم، ووصول مثل هذه الأحزاب لا شك أنه محبب إلى أهل الكفر والنفاق لإمكانية تمرير مآربهم وأهدافهم عن طريقها أكثر من غيرها من الأحزاب التي تكون أكثر استقامة وقرباً إلى هدي السلف ..
سادساً، هذه الفكرة تعني وجود التنافس فيما بين الاتجاهات الإسلامية للوصول إلى الحكم، وهذا من لوازمه زرع بـذور الفـرقة والبغضاء والعداوة بين المسلمين ..
سابعاً، قد تقدمت الأحاديث الدالة على وجوب قتل من ينافس الخليفة أو السلطان المسلم الأول – المبايع مبايعة شرعية - وينازعه على الحكم، مما يبطل تماماً التعامل مع هذه الفكرة الدخيلة، التي قد تلوث بها كثير من دعاة هذا العصر ..!
وبعد، لأجل جميع هذه الأوجه التسعة الآنفة الذكر – وواحد منها يكفي – نقرر جازمين غير مترددين ولا شاكين: أنه لا حرية للأحزاب في ظل دولة الإسلام أيَّاً كانت عقيدة وهوية هذه الأحزاب، وأيَّاً كانت مسمياتها؛ أي لا يجوز للمسلمين – مهما سمت غاياتهم وحسنت مقاصدهم – أن يشكلوا أحزاباً سياسية في ظل الدولة الإسلامية .

 


[1] صحيح سنن الترمذي:1758.
[2] أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:667.
[3] صحيح سنن الترمذي:1760 .
[4] صحيح سنن ابن ماجة:3229 .
[5] صحيح سنن الترمذي:2129 .
[6] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج:16 .
[7] تفسير الطبري:4/39 .
[8] الحديث أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، صحيح الجامع:5538 .
[9] أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع:5718 .
[10] صحيح الترغيب والترهيب:807 .
[11] في إحدى البلاد العربية التي جرت فيها انتخابات ديمقراطية لتحديد أعضاء مجلس النواب، كان بعض الذين رشحوا أنفسهم للانتخابات يرسلون النساء إلى دور الناس ومحلاتهم يسألونهم أن يصوتوا لمرشحهم وفارسهم .. فتأمل !!
[12] أخرجه أحمد، وصححه الشيخ ناصر في تخريج السنة لابن أبي عاصم .
[13] أخرجه أحمد، وصححه الألباني في تخريجه .
[14] من غلو القوم في الأحزاب أنهم لا يقبلون الحق ويأخذون به إلا إذا كان صادراً عن الحزب وقادة الحزب الذي ينتمون إليه، أما إذا جاءهم الحق عن غير طريق الحزب فهو لا ينال عندهم القبول كما لو جاء عن طريق حزبهم، هذا إذا ما قابلوه بالرد والاستهانة والإعراض .. وهذا من أشنع ما يؤخذ علـى كثير من الأحزاب المعاصرة التي تسمي نفسها إسلامية !
[15] صحيح الأدب المفرد: 432 .
[16] من التجارب المعاصرة المعروفة التي حصل فيها حالة جهاد .. وجود أكثر من فصيل يعمل على الساحة، ولشدة ما بين هذه الفصائل من خلاف ونزاع كان يكفي لكل فصيل منها أن تقبل انضمام الأفراد إلى صفها لمجرد أن هؤلاء الأفراد يقومون بشتم الفصيل الآخر وشتم قياداته، فأدرك الطاغوت هذه الثغرة فاستطاع من خلالها أن يسرب عناصره وأعينه إلى داخل تلك الفصائل لينتظموا فيها، ويحتلوا مراتب قيادية ومتقدمة في وقت وجيز، وكانت المهمة عليهم سهلة لأن المقياس كان كلما اشتدت عداوتهم وعلا صوتهم بالشتم على الفصيل الآخر وقياداته كلما اقتربوا أكثر من مواقع القيادة في الفصيل الذي هم فيه، وبالفعل تمكنوا من أن يصلوا إلى مواقع حساسة في العمل في وقت وجيز جداً فكانت النتيجة اعتقال المئات من الإخوان، وتدمير حركة الجهاد برمتها في ذلك القطر، وقتل آمال أمة طالما كانت ترجو خيراً تنتظره من ذلك الجهاد ..!!

   
F ¥ E