الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
_ شبهةٌ ورد .
  بعض دعاة الحزبية يقولون بشرعية تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية، إذا تقيدت هذه الأحزاب بتعاليم الإسلام وتبنت عقيدته، ويستشهدون على صحة دعواهم بقوله تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [1]} آل عمران:104.
وقالوا: فقوله تعالى:{ولتكن منكم أمة} يعني حزب يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليه بنوا قولهم بحرية تعدد الأحزاب في ظل الدولة الإسلامية ..!
وقالوا: والغاية من وجود الأحزاب وقيامها، تقويم السلطان ومحاسبته إذا ما اعوج وانحرف عن جادة الحق والصواب، وحماية الأمة من ظلمه وجوره .. وهذه ضرورة تفرض على الأمة أن يشكلوا أحزاباً !!
والجواب على هذه الشبهة من أوجه:
منها، أن قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة} هذه الآية الكريمة لها علاقة بفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يجب على الأمة – حكاماً ومحكومين – نحو هذا الواجب الشرعي، وفيها ترغيب وحض للمسلمين بأن تنفر منهم طائفة – عالمة بالكتاب والسنة لا يشترط لها بالضرورة أن تكون في صورة تجمع تنظيمي بعيداً عن مؤسسات السلطان المسلم وتوجيهاته – تتفرغ لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس في الآية أدنى دلالة أو إشارة إلى الأمر بتشكيل الأحزاب والتكتلات السياسية في ظل دولة الإسلام .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمه ابتداءً فرض عين على جميع المسلمين، كل بحسب استطاعته – كالجهاد في سبيل الله – فإذا قامت به طائفة من المسلمين – من العلماء العاملين – وكفت بالمطلوب، سقط حكم الوجوب وأصبح حكمه في حق الآخرين سنة وأمراً يُندب إليه[2].
كما قال تعالى في شأن الجهاد:{وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة:122.
قال القرطبي في التفسير 8/293: وهي أن الجهاد ليس على الأعيان، وأنه فرض كفاية كما تقدم إذا نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد، وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم ا-هـ .
قلت: من الفوارق بين الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن الجهاد يمكن أن يقوم به جميع طوائف المسلمين ممن يقدرون على حمل السلاح، العالم منهم وغير العالم، بينما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من خصوصيات ووظائف أهل العلم العاملين الذين تتوفر فيهم صفتي القوة والعلم، وإن كان هناك حد من الأمر المعروف والنهي عن المنكر – مما لا يستساغ جهله – يمكن أن يقوم به عوام المسلمين وكل بحسب استطاعته ومقدرته[3] .
قال ابن كثير في التفسير 1/406: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه ا-هـ .
وفي قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة}، قال الضحاك: هم الرواة؛ يعني المجاهدين والعلماء ا-هـ .
قلت: لأنها مهمة عظيمة لا يصلح لها الجهال والرعاع من الناس الذين قد لا يفقهون من أمور دينهم شيء، لأن جاهل الشيء كفاقده وفاقد الشيء لا يُعطيه .
ومن يتأمل واقع الأحزاب يجد أن هؤلاء الجهال هم مادة الأحزاب التي تقوم على عنصر الكم والكثرة، وبالتالي من المستحيل أن تكون هذه الأحزاب بصورتها الغثائية المعروفة هي المرادة من قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة} .
ومنها، أن السلطان المسلم – الخليفة – هو أولى الناس بهذا الخطاب والأمر، وهو معني من الآية الكريمة أكثر من غيره لما لديه من الإمكانيات والصلاحيات التي تمكنه من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أكمل وأحسن وجه، ومما لا يتسنى لغيره القيام به .
كما في الحديث الصحيح المتفق عليه:" إنما الإمام جُنَّةٌ – أي كالستر الذي يُحتمى به ويُتقى به من الضربات - يُقاتَل من ورائه، ويُتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً، وإن أمر بغيره فإن عليه وزراً " .
والحزبيون يرون أن هذه الآية الكريمة خاصة بهم من دون السلطان المسلم، وكأن السلطان المسلم من أولى وظائفه ومهامه أن يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ..!!
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال 1/444: لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته، فهناك " دعوة " إلى الخير، ولكن هناك كذلك " أمر " بالمعروف، وهناك " نهي " عن المنكر، وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان ا-هـ .
وقولنا أن السلطان المسلم معني بهذا الخطاب أكثر من غيره، لا يمنع من أن يقوم كل فرد من الأمة – بحسب موقعه وما لديه من صلاحيات وإمكانيات – بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر المستطاع .
كما قال تعالى:{فاتقوا الله ما استطعتم} التغابن:16.
وقال تعالى:{لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} البقرة:286 .
فالكل واجب عليه – بحسب موقعه – بذل الجهد المستطاع لنصرة هذا الدين، كما في الحديث الذي يرويه مسلم:" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "[4] .
ومنها، أن قولهم: في الآية رخصة وأمر بتشكيل الأحزاب السياسية .. قول باطل لا تحتمله معاني الآية، وهو أمر لا يقبله نقل ولا عقل، وما قال به أحد من أهل العلم والتفسير، بل في الآية دليل على خلاف قولهم وزعمهم .
قال ابن تيمية في تفسير الآية كما في الفتاوى 3/421: فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة ا-هـ .
فالآية – كما يقول ابن تيمية – فيها دليل على بطلان الأحزاب – التي من شأنها أن تفرق الجماعة إلى جماعات – وليس على شرعيتها ..!
ومنها، لو نظر دعاة الحزبية في قوله تعالى في الآيتين اللتين قبل وبعد قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ، لوجدوا أن الآيتان تأمران بالجماعة والائتلاف، وتنهيان عن الفرقة والاختلاف، حتى لا يُفهم من قوله تعالى:{ولتكن منكم أمة} ما فهمه الحزبيون من جواز بل ووجوب تشكيل أحزاب سياسية تفرق الأمة في شيع ما أنزل الله بها من سلطان !!
قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} آل عمران:103 .
فالآية تأمر بالوحدة والاعتصام، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، والله تعالى يمن على عباده المؤمنين أن جعلهم أخوة متحابين متآلفين بعد أن كانوا في جاهليتهم أعداءً متباغضين ومتنافرين ومتفرقين ..
ثم قال تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} آل عمران:104 .
وهذه هي الآية التي أشكل فهمها على دعاة الحزبية، ثم تأتي بعدها مباشرة الآية الكريمة:{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} آل عمران:105.
نص ينهى عن التفرق والاختلاف، وعن التشبه بكفار أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم شيعاً وأحزاباً بعد أن جاءتهم البينات التي تنهاهم عن مثل هذا التفرق والتشيع، والتحزب ..
وفي السنة فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة "، قال: من هي يا رسول الله ؟ قال:" ما أنا عليه وأصحابي " وفي رواية قال:" الجماعة " والحديث قد تقدم تخريجه .
وبالتوفيق بين الروايتين يكون المراد: أن الفرقة أو الملة الناجية هي الجماعة التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي . وما سواها من الفرق والملل فإنها تكون قد سلكت مسلك بني إسرائيل في التفرق في الدين، وهي كلها في النار ..
والشاهد مما تقدم أن القرآن والسنة يصدقان بعضهما بعضاً في ذم التفرق والتحزب، وفي بيان أن التفرق في الدين شيعاً وأحزاباً هو من خلق مشركي أهل الكتاب الذين نهينا عن التشبه بهم وبأخلاقهم، وعن أن نتتبع خطاهم ..
وأن الآية الكريمة التي استدلوا بها ليس فيها أدنى دلالة على شرعية الأحزاب وتعدادها، وبالنظر إلى الآيات التي قبل وبعد الآية يُعلم أن الآية دليل عليهم وليس لهم .. !
ومنها، قولهم أن الغاية من وجود الأحزاب هو تقويم السلطان المسلم في حال انحرافه وظلمه للأمة .. هو قول فيه إساءة ظن مسبقة بالحاكم المسلم، وهو دليل على حصول الريب في النفوس وعدم صفائها تجاه السلطان المسلم، وكأن الحاكم - الخليفة – الأصل فيه هو الانحراف عن الإسلام، وظلم الأمة، وخيانة الإسلام والمسلمين ومن أيامه الأولى في الحكم ..!!
ثم هب أن السلطان المسلم كانت سيرته في الحكم والرعيـة كسـيرة الخلفـاء الراشدين المرضيين المهديين – أو قريبة منها - فما قيمة وجود هذه الأحزاب المتكاثرة، وما هو المبرر من وجودها وجثومها على صدر الأمة ..؟!
لم يبق سوى أن نقول: أنه لا مبرر لوجود هذه الأحزاب سوى الهوى وحب التسلط والزعامة، وأن مثل هذه البداية الغير موفقة في التعامل مع الحاكم المسلم لهي مدعاة إلى حصول الفتن وفقدان الاستقرار، وخراب البلاد والعباد ..!
وفي الحديث، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله، ومن أجل سلطان الله أجله الله يوم القيامة "[5].
وسلطان الله في الأرض هو خليفة المسلمين وإمامهم الذي به تُقام الحدود والشعائر، وتنفذ الأحكام، ويُصان الدين، وتجيش الجيوش للجهاد في سبيل الله، وتحفظ مقاصد الدين وكلياته ..
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تبغضوهم واتقوا الله، واصبروا فإن الأمر قريب "[6] .
وهذا ليس من خلق الأحزاب والحزبيين، بل من خلقهم – كما هو معروف لدى الجميع – سب الأمراء وغشهم وبغضهم، وتهويش الناس عليهم، وحب الظهور والرياء، وأن يُحمدوا بما لم يفعلوا .. وهذه كلها أخلاق مذمومة في دين الله تعالى، ترتد على أصحابها بالوبال والعار في الدنيا والآخرة .
وفي حال انحراف الحاكم المسلم عن جادة الحق والصواب، فإن الإسلام قد بين للأمة السبل والكيفية التي تتم بها معالجة وتقويم انحرافاته، وما قد شذ فيه عن طريق الحق والصواب – بالقدر الذي به يُحسم الانحراف من دون أن تتحقق منه مفسدة أو فتنة أكبر – ليس منها قط تشكيل الأحزاب السياسية[7] .
ومنها، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد صح عنه أنه قال:" قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم ما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ "[8].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة "[9].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه "[10].
والشاهد من هذه الأدلة المتقدمة الذكر أن القول بتعدد الأحزاب السياسية في الإسلام هو قول مفترى ومحدث، وهو طرح غريب على ثقافة وعقيدة الأمة، حيث لم يكن معهوداً في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولا في عهد الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - الذين أُمرنا بالاقتداء بسنتهم وهديهم، ولا في القرون الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل..
وبيننا وبين دعاة الحزبية الحمقاء دهر طويل على أن يأتوننا بدليل واحد من سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ، أو سيرة الخلفاء الراشدين من بعده ما يدل على قولهم بجواز تشكيل الأحزاب السياسية في ظل الدولة الإسلامية، وأنَّى ..
ثم لو كان تشكيل الأحزاب السياسية وتعددها في الأمة الواحدة، مما يقرب إلى الله -عز وجل- وإلى رضوانه، ومما يبعد عن النار لكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بينه لأمته بنص صريح، أو فعل، أو إقرار لا يحتمل الصرف أو التأويل، ولمَا ترك الأمر مبهماً – حاشاه – إلى زماننا هذا ليتدارك عليه صعاليك الحزبية الحمقاء، ويقولون: الأحزاب من الدين، والإسلام قد أمر بها ..؟!
بل الثابت عنه -صلى الله عليه وسلم- ـ كما سبق بيان ذلك ـ النهي عن كل ما يفرق الأمة، ويشتت طاقاتها وقدراتها في أحزاب وشيع ما أنزل الله بها من سلطان .
وعليه نقول: الأحزاب فكرة باطلة مستحدثة في الدين، وهي بدعة ضلالة، مضروب بها على وجوه دعاة الحزبية الحمقاء، سمعاً وطاعة للرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- القائل:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وفي رواية:" من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه .
ومنها، أن كلمة " حزب " بصيغة المفرد قد وردت في القرآن الكريم على وجهين: وجه يفيد المدح، ووجه يفيد الذم .
أما الوجه الذي يفيد المدح، كقوله تعالى:{ومن يتولَّ اللهَ ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} المائدة:56. وقال تعالى:{رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} المجادلة:22.
وحزب الله واحد لا يتعدد، يتمثل في جماعة المسلمين وإمامهم الذين يكونون على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من الهدى والفهم لهذا الدين .
أما الوجه الذي يفيد الذم – وهو كل حزب غير حزب الله -سبحانه وتعالى- المتمثل في الجماعة التي تكون على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه – كقوله تعالى:{فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُراً كل حزب بما لديهم فرحون} المؤمنون:53. وقال تعالى:{استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} المجادلة:19.
بينما لم تُذكر كلمة " الأحزاب " بصيغة الجمع والتعدد إلا على وجه الذم والإنكار،وقد وردت في القرآن الكريم في أحد عشر موضعاً كلها جاءت بصيغة الذم [11].
شاهدنا من هذا أن الإسلام لو يقبل بفكرة التعددية الحزبية – وبنفس الوقت تكون جميع هذه الأحزاب على حق – لجاءت ولو مرة واحدة آية تشير إلى أن أحزاب الله هم المفلحون أو الغالبون، ولكن الحق واحد لا يتعدد، وما دونه فهو الضلال{فماذا بعد الحق إلا الضلال} يونس:32.
ثم لو قيل لدعاة الحزبية: كم حزب تريدون ؟ وكم هي عدد الأحزاب التي يسمح بها الإسلام ؟
فإن حددوا عدداً معيناً من الأحزاب، قلنا لهم: ما دام الأصل عندكم الجواز، فمن أين لكم الدليل من الكتاب والسنة على تقييد عدد الأحزاب بهذا العدد ؟ وأنَّى ..
إذاً لم يبق لهم سوى الاحتمال الآخر، وهو أنها دعوة منهم مفتوحة إلى تشكيل الأحزاب وإن تجاوز تعدادها المائة حزب في المجتمع الواحد ..؟‍!
وهذا قول أسخف من أن يُرد عليه، فضلاً أن يسلم به عقل سليم أو يقول به دين..!!
ومما استدلوا به كذلك على تعدد الأحزاب في الإسلام، تعدد المذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي، وقالوا: الأحزاب كالمذاهب الفقهية ..!
أقول: عرف التاريخ الإسلامي مئات العلماء المجتهدين، كالأئمة الأربعة وغيرهم، ولم يُعرف عنهم أنهم طرحوا أنفسهم على الناس كأحزاب أو كمؤسسين لأحزاب سياسية، وكل حزب له برامجه ووسائله المتغايرة في التغيير والحكم كما هو شأن الأحزاب اليوم .
هل طرحوا أنفسهم على الأمة كأحزاب تتناوب على السلطة – بحسب إرادة الشعب ورغبة الأكثرية – مرة يحكم المذهب الشافعي، ومرة الحنفي، أو المالكي، أو الظاهري .. اللهم لا .
ولكن نعترف أن بعض المسلمين – بسبب التخلف والجهل الذي أصابهم – قد مروا في حقبة زمنية متخلفة ومتأخرة عن عهد السلف، قد تعاملوا مع بعض هذه المذاهب الفقهية تعامل حزبي مقيت، يسوده الجهل والتعصب الأعمى كان له أسوأ الأثـر علـى حياتهم السياسية والاجتماعية؛ حيث كانوا يعقدون الولاء والبراء فيما بينهم على أساس الانتماء المذهبي الفقهي، فالحنفي لا يزوج ابنته من شافعي، والحنبلي لا يزوج ابنته من مالكي وهكذا هلم جرَّاً[12]، ولربما وصل بهم الحال إلى التكفير وعدم الصلاة خلف بعضهم البعض، حتى أن المسجد الواحد – كالمسجد الأموي في دمشق – كانت تقام فيه أربع جماعات في وقت واحد على تعداد المذاهب الفقهية الأربعة .. فتأمل !!
ولكن هذه حقبة مقيتة سوداء خيم فيها الجهل والتعصب الأعمى، مردود عليها بالكتاب والسنة، وبأقوال الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، لا ترقى إلى أن تكون دليلاً في المسألة يستحق النقاش .
والقوم لما لم يجدوا دليلاً واحداً من الكتاب والسنة يستدلون به على صحة قولهم بالأحزاب السياسية، لجأوا إلى التحطيب والتقميش في ليل بهيم مظلم، ليخرجوا لنا بمثل هذه العصبيات والجهالات، ليسموها دليلاً ..!!

 


[1] حزب إسلامي معاصر – معروف بتقديم العقل على النقل،وبتعطيل الجهاد إلى حين نزول الخليفة!! – يرى أن هذه الآية الكريمة أمر من الله تعالى من فوق سبع سماوات للمسلمين بأن يشكلوا أحزاباً سياسية في ظل الدولة الإسلامية، وهم في ظل دول الكفر والطغيان يرفعون مبدأ عدم تغيير المنكر، والواقع الكافر عن طريق استخدام المادة أو القوة ما لم تقم الخلافة، فهم يريدون أن يقيموا الخلافة ولكن من دون جهاد، ومن دون أن تسيل منهم قطرة دم واحدة، فالجهاد عندهم يقوم بعد وجود الخليفة وليس قبله .. فتأمل كيف استدلوا بالآية الكريمة في مواضع لا يصح الاستدلال بها، وصرفوها - رهبة من الجهاد وتوابعه - عن المواضع التي تُحمل عليها، ويصح الاستدلال بها ؟!
[2] أحياناً يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على شخص معين دون غيره من الناس، وذلك عندما يتواجد في مكان يجب فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبنفس الوقت لا يوجد غيره - من الحضور – ممن يمكنه القيام بهذا الواجب .
[3] لا يتوقف تغيير المنكر على مجرد العلم بالشيء بأنه منكر، بل لا بد إضافة إلى ذلك من التقدير الصحيح لإمكانية تغيير هذا المنكر بطريقة لا يترتب عليها مفسدة أكبر ومنكر أكبر من المنكر الذي يُزال، وهذا يستدعي تقدير الوصف الصحيح الذي به يُغير المنكر، هل يكون باليد، أم باللسان، أم باللسان ثم يتبعه باليد، أم باليد واللسان معاً، أم بالقلب وذلك أضعف الإيمان، ثم تقدير الزمان والتوقيت المناسب لتغيير المنكر، ثم تقدير حجم وقوة المنكر .. وهذا لا شك أنه يحتاج إلى قسط مـن الفقه والعلم .
[4] انظره في الصفحة القادمة...
[5] رواه الترمذي، وأحمد، صحيح الجامع الصغير:6.
[6] رواه ابن أبي عاصم في السنة، وصححه الشيخ ناصر في التخريج .
[7] انظر فصل الخروج على الحكام، من كتاب " دعاة وقضاة " .
[8] رواه ابن ماجة، وأحمد، السلسلة الصحيحة:937 .
[9] صحيح سنن ابن ماجة:40 .
[10] صحيح، انظر تخريج مناسك الحج والعمرة للشيخ ناصر .
[11] انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، كلمة أحزاب .
[12] كما هو الحال في زماننا فالإخواني لا يزوج ابنته من تحريري، والتحريري لا يزوج ابنته من جهادي، والتبليغي لا يزوج ابنته إلا من تبليغي، وجماعة الشيخ الفلاني لا يزوجون بناتهم من جماعة الشيخ العلاني، وهكذا .. والحالات التي تم رفض الرجل لكونه لا يوافق ولي أمر البنت في الانتماء الحزبي هي أكثر من أن تحصر ..!!

   
F ¥ E