|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية |
| ـ استدلاله على شرعية الأحزاب والاختلاف بالإرادة الكونية على الإرادة الشرعية، والرد عليه: |
|
|
سؤال: ما هو مفهوم التعددية في الإسلام ؟
أجاب الدكتور القرضاوي قائلاً: مفهوم التعددية يعني اختلاف الناس،
يعني أن الناس ليسوا شيئاً واحداً . والتعدد موجود في الحياة
بألوان شتى؛ منها التعدد الديني، ومنها التعدد الجنسي العنصري،
ومنها التعدد اللوني، ومنها التعدد اللساني اللغوي، كما قال
القرآن:{ومن آياته خلْقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم
إن في ذلك لآياتٍ للعالمين} الروم:22.
القرآن اعتبر الاختلاف في الدين، وتعدد الأديان واقعة بمشيئة الله
تعالى، ومشيئة الله تعبر عن حكمته، لا يشاء الله إلا ما فيه الحكمة
علمها من علمها وجهلها من جهلها، ولذلك قال الله تعالى:{ولو شاء
ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك
ولذلك خلفهم} هود:118-119.
المفسرون يقولون: لذلك أي للاختلاف خلقهم، خلقهم ليختلفوا لأنهم ما
دام أعطى كلاً منهم العقل ليفكر والإرادة ليرجح، فعقلي ليس مثل
عقلك، وإرادتي ليس مثل إرادتك، فأنا أفكر بتفكير غير ما تفكر فيه،
وأميل إلى أشياء قد أنت لا تميل إليها، فلا بد أن تختلف، ولذلك
قال:{ولذلك خلقهم}، ما دام أعطاهم العقل والإرادة لا بد أن
يختلفوا، ولذلك لا يفكر المسلم أن يجمع الناس بالقهر وبالقوة على
دين واحد، هذا ضد إرادة الله، ربنا أراد للناس أن يختلفوا ..
التعقيب والرد: يكمن في النقاط التالية:
1- هذه التوطئة التي بدأها الشيخ في حديثه؛ وهي وصفه لواقع الحياة
بما فيه من اختلاف، وتنوع في الخلق، لا يجوز أن يُعتبر دليلاً على
شرعية الاختلاف في الدين والعقائد والمناهج، كما يوهم حديث الشيخ !
كما أن الاستدلال باختلاف التنوع في الخلق الدال على عظمة وقدرة
الخالق سبحانه وتعالى، لا يجوز أن يُقحم كدليل على شرعية الاختلاف
في الدين والمناهج والهدى الدال على سخط الله تعالى ..!
2- لا يجوز الاستدلال بالإرادة أو المشيئة الكونية العامة على
الإرادة أو المشيئة الشرعية التي يحبها الله ويرضاها، فالله تعالى
قدر كوناً وشاء الكفر وعبادة الأوثان، وأن تكون المعاصي من جملة
خلقه، وهذا لا يعني أبداً أن الله تعالى يحب ويرضى ويريد الكفر
والشرك والمعاصي شرعاً وديناً، أو أنه تعالى يرضى ويريد لعباده
الدخول في الشرك والاعتراف بشرعيته لكونه أراده الله كوناً ..
وكذلك فإن الله تعالى قدر وأراد كوناً لأهل الملل والأديان الباطلة
لتنكبها طريق الأنبياء والرسل أن تتفرق وتختلف وأن تكون أحزاباً
وشيعاً، ولكن هذا لا يعني أن الله تعالى يريد التفرق والاختلاف
شرعاً وديناً، يجزي العباد خيراً على الدخول فيه والتزامه، فوجود
الشيء قدراً وكوناً شيء، وإرادته شرعاً وديناً والرضى به شيء آخر،
ولا يخلط بينهما ذو عقل أو دينٍ صحيح .
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن بني إسرائيل
تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملةً،
كلهم في النار إلا ملةً واحدةً " قالوا:مَن هي يا رسول الله ؟
قال:" ما أنا عليه وأصحابي ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم
على ثنتين وسبعين ملةً، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين ملة
– يعني الأهـواء – كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة ".
فكون الله تعالى قدر لهذه الأمة وشاء لها أن تفترق – كما افترق أهل
الكتاب من قبل – إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة أو ملة، هذا لا يعني ولا
يستلزم أن الله تعالى يرضى عـن جميع تلك الفرق، وأنه تعالى يرضى من
عباده أن يعترفوا بشرعيتها، أو يسكتوا عنها، أو يكثروا سوادها لو
شاءوا، شأنها شأن الفرقة الناجية المنصورة، وبخاصة أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قد بين بيان المحذر والمنذر أن جميع تلك الفرق على
ضلال وباطل وأن نهايتها إلى النار والعذاب الأليم إلا واحدة منها؛
وهي الجماعة التي تكون على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-
وأصحابه الكرام رضي الله عنهم من السنة والاهتداء .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا
فهلكوا " البخاري .
لذا فالاستشهاد بالقدر الكوني والمشيئة العامة على الإرادة الشرعية
لا يجوز وهو من خلق الكفار والزنادقة، ومن وسائلهم وشبهاتهم التي
كانوا يردون بها طريق الهداية والطاعة، واتباع الرسل كما قال تعالى
عنهم:{سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا
حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا}
الأنعام:148.
وقال تعالى:{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من
شيء} النحل:35.
قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: فقد ذمهم الله تعالى حيث
جعلوا الشرك كائناً منهم بمشيئة الله، وأنكر عليهم ذلك لأنهم
احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو كره ذلك وسخِطه لما
شاءه فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك، أو أنكر عليهم
اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره، فجعلوا المشيئة العامة
دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على وجه التوحيد وإنما ذكروها
معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه، كفعل الزنادقة والجهال إذا
أُمروا أو نهوا احتجوا بالقدر، وقد احتج سارق على عمر بالقدر فقال:
وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره ا-هـ .
وهذه مسألة معلومة لدى المبتدئين من طلاب العلم، وهي مبحوثة
باستفاضة في كتب العقائد، ولا نحسب أن القرضاوي لم يمر على المسألة
أو لا يعرفها، وإنما هو أسلوبه الخبيث في التضليل ولي النصوص
وتحريفها، وتحميلها من المعاني مالا تحتمل، واستخفافه عقول
السامعين من جهة أخرى هو الذي دفعه إلى أن يستدل باختلاف وتعدد
الآيـات الكونية الدالة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى على شرعية
اختلاف وتعدد الأديان والمناهج والعقائد، وباختلاف التنوع المشروع
على شرعية اختلاف التضاد المذموم، وبالمشيئة الكونية على المشيئة
الشرعية ..!!
3- كذب الشيخ على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من أهل التفسير
عندما قال: إن الله تعالى خلق الناس ليختلفوا ..!!
ونرد على هذا الكذب والفهم السقيم للشيخ من وجهين: أولهما: أن الله
تعالى خلق الخلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وشرع الجهاد في سبيل
الله لتحقيق التوحيد وإفراده تعالى وحده بالعبادة والكفر بكل مألوه
معبود سواه.
فالله تعالى خلق الناس ليعبدوه، لا لكي يختلفوا في الدين شيعاً
وأحزاباً، كما قال تعالى:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}
الذاريات:56. فالاستثناء الذي يأتي بعد النفي يفيد في اللغة الحصر
والقصر؛ أي لم أخلق الجن والإنس لشيءٍ أبداً إلا لعبادتي، وللعبادة
وحدها لا غير .
وكذلك قوله تعالى:{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} البينة:5. أي
لم يؤمروا بشيء إلا بإخلاص العبادة لله تعالى وحده .
وقال تعالى:{ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا
الطاغوت} النحل:36. والنصوص الشرعية التي تؤكد على هذه الغاية من
وجود الخلق كل الخلق هي أكثر من أن تحصر في هذا الموضع، وهي كذلك
من الوضوح وظهور المعنى والدلالة بحيث لا يخفى على عوام الناس
وطوامهم فضلاً عن خواصهم وعلمائهم .
ثانياً: الثابت عن أهل التفسير في تأويل قوله تعالى:{ولذلك خلقهم}
هو بخلاف ما زعم القرضاوي وحاول أن يثبته عنهم، وتتلخص أقوال أهل
التفسير في قولين:
أ- أن قوله تعالى:{ولذلك خلقهم} عائد إلى المؤمنين المستثنين من
الاختلاف في قوله تعالى:{إلا من رحم ربك}، فيكون التأويل: أن الله
تعالى خلق المؤمنين - الفرقة الناجية المرحومة – ليرحمهم بالاعتصام
والجماعة، وهدايتهم إلى عبادته وتوحيده بخـلاف بقية الفرقة الضالة،
وهذا هو الراجح من أقوالهم .
ب – أن قوله تعالى:{ولذلك خلقهم} عائد إلى قوله تعالى:{ولا يزالون
مختلفين} ، وهم المغضوب عليهم من اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم
من أهل الكفر والضلال، ويكون التأويل: أن الله تعالى خلق المشركين
من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الأهواء والضلال ليعذبهم في
الدنيا – بسبب الإعراض والانحراف عن التوحيد – بالاختلاف وإغراء
العداوة والبغضاء والفرقة فيما بينهم، إضافة إلى ما ينتظرهم من
العذاب الأليم يوم القيامة .
وإليك ما قاله أهل التفسير :
قال ابن كثير في التفسير: قوله{ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك}
أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم
ومذاهبهم وآرائهم، وقال عكرمة: مختلفين في الهدى . وقال الحسن
البصري: مختلفين في الرزق يسخّر بعضهم بعضاً. والمشهور الصحيح
الأول .
وقوله:{إلا من رحم ربك} أي إلا المرحومين المؤمنين من أتباع الرسل
الذين تمسكوا بما أُمروا به من الدين أخبرتهم به رسل الله إليهم،
ولم يزل ذلك دأبهم حتى بعث خاتم الأنبياء والرسل -صلى الله عليه
وسلم- فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم
الفرقة الناجية المرحومة .
قال عطاء:{ولا يزالون مختلفين} يعني اليهود والنصارى والمجوس،{إلا
من رحم ربك} يعني الحنيفية .
وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم،
وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم .
وقوله{ولذلك خلقهم} قال الحسن البصر في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم
[1].
وقال مكي بن أبي طلحة عن ابن عباس: خلقهم فريقين كقوله{فمنهم شقي
وسعيد} ، وقيل للرحمة خلقهم، قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد عن
ابن أبي نجيح عن طاوس أن رجلين اختصما إليه فأكثرا . فقال طاوس
اختلفتما وأكثرتما، فقال أحد الرجلين لذلك خُلقنا، فقال طاوس:
كذبت، فقال أليس الله يقول:{ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك
ولذلك خلقهم} قال:لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة،
كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم
يخلقهم للعذاب، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة، ويرجع معنى هذا
القول إلى قوله تعالى:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله:{ولا يزالون مختلفين إلا من
رحم ربك ولذلك خلقهم} قال:الناس مختلفون على أديان شتى{إلا من رحم
ربك} فمن رحم ربك غير مختلف .فقيل له:{ولذلك خلقهم} قال: خلق هؤلاء
لجنته، وخلق هؤلاء لناره وخلق هؤلاء لعذابه، وكذا قال عطاء بن أبي
رباح والأعمش .
وقال ابن وهب سألت مالكاً عن قوله تعالى:{ولا يزالون مختلفين إلا
من رحم ربك ولذلك خلقهم} قال: فريق في الجنة وفريق في السعير، وقد
اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيد الفراء ا- هـ .
وقال البغوي في التفسير: قوله -عز وجل- :{ولو شاء ربك لجعل
الناس} كلهم {أمةً واحدة} على دين واحد، {ولا يزالون مختلفين} على
أديان شتى من بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك، {إلا من رحم ربك}
معناه:لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لا يختلفون {ولذلك
خلقهم} قال أبو عبيدة: الذي أختاره فقول من قال: خلق فريقاً لرحمته
وفريقاً لعذابه، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة
خلقهم؛ يعني الذين رحمهم . وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة،
وأهل الاختلاف للاختلاف .
ومحصول الآية أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحـق متفقون، فخلق الله
أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف ا-هـ .
وقال القرطبي في التفسير:{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدةً} قال
سعيد بن جبير: على ملة الإسلام وحدها، وقال الضحاك: أهل دين واحد،
أهل ضلالة أو أهل هدى،{ولا يزالون مختلفين} أي على أديان شتى؛ قاله
مجاهد وقتادة.{إلا من رحم ربك} استثناء منقطع؛ أي لكن من رحم ربك
بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف .
وعن مالك قال:خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير؛ أي خلق
أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة .
وروي عن ابن عباس أيضاً قال: خلقهم فرقين، فريقاً يرحمه وفريقاً لا
يرحمه .
وقال المهدوي: وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير؛ المعنى:
ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من
الجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم ا-هـ .
قلت: ومن إنصاف الشيخ أنه بتر الآية ولم يكمل قراءتها التي توضح
المعنى والمراد للسامع أكثر، ووقف حيث لا ينبغي ولا يجوز له أن
يقف، وتمام الآية:{ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون
مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم
من الجنة والناس أجمعين} هود:118-119 .
وبعد، فأين قول أهل التفسير – كما زعم الشيخ – أن الله تعالى خلق
الناس – كل الناس مؤمنهم وكافرهم – ليختلفوا، بدليل أن عقول
وإرادات وأفكار الناس تختلف، وبالتالي لا بد من الاختلاف ..!
والدكتور على قوله هذا يريد من الأمة الحنيفية أن تسلك مسلك
الملعونين مـن الضالين والمغضوب عليهم، وغيرهم من المشركين الذين
تفرقوا في دينهم شيعاً وأحزاباً ومللاً .. ثم هو بعد كل ذلك يطالب
الأمة بأن تتعايش مع هذا الاختلاف والتفرق وتتعامل معه على أنه
اختلاف مشروع ولا بد منه، لأنه تم بإرادة الله ومشيئته، ولا يجوز
لنا أن نقف ضد إرادة الله تعالى ..!!
4- قول الشيخ المتقدم وهو أن لكل إنسان عقل ليفكر وإرادة ليرجح،
فعقلي ليس مثل عقلك، وإرادتي ليس مثل إرادتك، فأنا أفكر بتفكير غير
ما تفكر فيه، وأميل إلى أشياء قد أنت لا تميل إليها، فلا بد أن
نختلف، ما دام أعطاهم العقل والإرادة لا بد أن يختلفوا .. الخ .
وهذا قول مفاده أن يختلف المسلمون في المسألة الواحدة على مليار
رأي وقول بحسب تعدادهم؛ لأن كل واحد منهم له فهمه وتفكيره وعقله
المختلف عن الآخر، وبالتالي لا بد لهم أن يختلفوا في المسألة
الواحدة من الدين على مليار فهم وقول .. كما يزعم الدكتور ويريد !
ثم إذا كان من لوازم العقل والإرادة حصول الاختلاف – كما يزعم
الشيخ - فإن من لوازم غياب العقل والإرادة عدم الاختلاف؛ وعلى هذا
يكون المجانين والحيوانات ممن يدبون على أربع وغيرهم ممن سُلبوا
العقل والإرادة متحدين وغير مختلفين، فيكونون من هذا الوجه أفضل من
ذوي العقول والإرادة ..!!
وهذا قول لا شك في بطلانه وتهافته لا يمكن أن يقبله العقل السليم
فضلاً عن أن يقول به شرع ودين منزل من عند رب العالمين .
ولكن لا يعني ذلك أن ننفي إمكانية وقوع اختلاف التضاد بين المسلمين
والمؤمنين، فهذا أمر يقع، ولكن الذي نقوله ونجزم به هو وجوب رد
الاختلاف والتنازع – في حال حصوله - إلى الله والرسول؛ أي إلى
الكتاب والسنة، على ضوء فهم الصحابة ومن تابعهم بإحسانٍ من العلماء
الربانيين .
وهذا الرد إلى الكتاب والسنة في حال حصول النزاع والخلاف يُعتبر من
شروط صحة الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى:{وما اختلفتم فيه من شيء
فحكمه إلى الله} الشورى:10.
وقال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم
تؤمنون بالله واليوم الآخر} النساء:59.
قال ابن القيم في الأعلام 1/50: جعل هذا الرد من موجبات الإيمان
ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم
لانتفاء الآخر ا-هـ .
وهذا المعنى واضح لا خفاء فيه قد دلت عليه عشرات النصوص من الكتاب
والسنة، وهو أصل عظيم من أصول هذا الدين .
والشاهد هنا لماذا يغيب الشيخ هذا المعنى والأصل عندما يتكلم عن
واقع الاختلاف في الأمة، وكأنه داء لا مناص منه، ولا حل له ولا
علاج سوى الاعتراف بشرعيته وشرعية ما يفرزه من نتائج وانعكاسات
سلبية لا تحمد عقباها ..؟!
أترى يا دكتور – وهذا هو المفهوم والمراد من كلامك – أن الله تعالى
خلقنا للاختلاف، ومن دون أن يدلنا على الجواب والحل الذي يحسم أصل
الخلاف والنزاع، وإذا كان الأمر كما زعمت لماذا أرسل الله الرسل
وأنزل الكتب، وأكمل الدين تبياناً لكل شيء بخاتم الأنبياء
والمرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ..؟!
أم أنك ترى أن الله تعالى يأمرنا أن نرد النزاع والاختلاف إلى
الكتاب والسنة ثم لا نجد فيهما حلاً شافياً لما تم النزاع فيه أو
الاختلاف..؟!!
5- قوله: ولذلك لا يفكر المسلم أن يجمع الناس بالقهر والقوة على
دينٍ واحد، هذا ضد إرادة الله .. الخ !
هو قول باطل ومردود لأن مفاده تعطيل الجهاد، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ورد مئات النصوص الشرعية التي تأمر بالجهاد في
سبيل الله تعالى لإعلاء كلمته في الأرض، وأطر العباد على الدخول في
دين الله، وطاعة سلطانه .
فالناس – في نظر الإسلام – ليس لهم إلا أن يدخلوا في الطاعة؛ إما
طاعة عبادة وتوحيد لله -عز وجل- فيكونون بذلك مسلمين
موحدين، وإما طاعة انصياع ورضوخ لسلطان الإسلام وحكمه بعد أن
يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، كما قال تعالى:{قاتلـوا الذين لا
يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا
يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ
وهم صاغرون} التوبة:29.
وقال تعالى:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}
الأنفال:39. أي تكون الطاعة كلها لله؛ إما طاعة عبادة وتوحيد، وإما
طاعة خضوع وانقياد مع بقائهم على الكفر إن آثروا البقاء على الكفر
.
وفي الحديث، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة{كنتم خير أمة
أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في
أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" عجب اللهُ من قومٍ يدخلون الجنة في
السلاسل " البخاري. وفي رواية عند أحمد:" قوم يُساقون إلى الجنة
مقرنين في السلاسل ".
وهم الذين يدخلون في الإسلام من أسرى الحرب وهم له في أول أمرهم
كارهين، ثم ما إن يدخلوا الإسلام ويتعرفوا على حقيقته وعظمته إلا
وتنشرح صدورهم لدين الله، وينقلب كرههم وبغضهم حباً وإيماناً.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:" أُمرت أن أقاتل
الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،
ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم
وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم،
وألسنتكم "[2].
وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تبطل زعم وتحريف الدكتور
للحقيقة الآنفة الذكر، فإن قيل كيف يُفهم ويُفسر قوله تعالى:{لا
إكراه في الدين} البقرة:256.
أقول: لا تعارض ولا تناقض بين نصوص الشريعة ولله الحمد، والتوفيق
بين هذا النص وبين ما تقدم من نصوص، يكون كالتالي:
أ- أن من دخل في دين الله تعالى وصار من المسلمين لا يجوز ولا
يُسمح لـه أن يرتد عن دينه إلى أي دينٍ أو مذهب مكفر آخر، لقوله
-صلى الله عليه وسلم- :" من بدل دينه فاقتلوه ". وكذلك قتال أبي
بكر -رضي الله عنه- للمرتدين، وأطرهم عل الحق وإلى الدين ثانية أمر
معروف للجميع، والمسألة محطة إجماع جميع أهل العلم بلا مخالف .
وعليه لا حرية للمسلمين أن يرتدوا عن دينهم الإسلام إلى دين الكفر
والشرك ثانية، وكل دين غير دين الإسلام هو دين الكفر والشرك، وقوله
تعالى:{لا إكراه في الدين} لا يعنيهم في شيء، وليس لهم فيه أدنى
حظٍ أو نصيب .
وكان ينبغي للشيخ الدكتور أن يشير إلى هذا الأمر وبخاصة أن كلامه
كان موجهاً إلى المسلمين وإلى مجتمعاتهم، التي يرتد فيها كثير من
المسلمين عن دينهم الحنيف، ويتدينون بدين الأحزاب العلمانية
الكافرة كالشيوعية، والبعثية، والناصرية وغيرها من الأحزاب الباطلة
التي ابتليت بها الأمة، تحت عنوان الحرية، وعنوان{لا إكراه في
الدين}!
ب- أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومعهم المجوس من عبدة النار،
يجب جهادهم وقتالهم إلى أن يدخلوا في الإسلام، أو يدخلوا في طاعة
سلطانه وحكمه بعد أن يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فحينها لا
يجوز حملهم على الدخول في الإسلام أو إكراههم على ترك دينهم وتغيير
معتقداتهم، وقوله تعالى:{لا إكراه في الدين} يُحمل على هذه المساحة
والحالة فقط [3].
ج- ما سوى ذلك من الملل والنحل من الملحدين والشيوعيين واللادينين،
وكذلك الأرواحيين من عبدة الشياطين والأوثان، الراجح فيهم أن
الجزية لا تُقبل منهم، وأنه ليس لهم في دين الله تعالى إلا
الإسلام، أو القتل والقتال .. والله تعالى أعلم .
د- في زمن نزول عيسى -عليه السلام- يسقط خيار الجزية، ولم يعد
للناس في دين الله – بما فيهم أهل الكتاب والمجوس – إلا الإسلام أو
القتل والقتال؛ أي أن الآية الكريمة{لا إكراه في الدين} يتوقف
العمل بها في زمن عيسى -عليه السلام- حيث يضع الجزية عن جميع
الملل، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف كما دلت على ذلك السنة
.
عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" ليس بيني وبينه
نبي – يعني عيسى -عليه السلام- - وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه:
رجل مربوعٌ إلى الحمرة والبياض، بين ممصَّرتين – ثياب فيها صفرة
خفيفة – كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على
الإسـلام، فيـدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويُهلك الله
في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويُهلك المسيح الدجال، فيمكث في
الأرض أربعين سنة ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون "[4].
أقول: على ضوء هذا التقسيم والتفصيل ينبغي أن يُفهم قوله تعالى:{لا
إكراه في الدين}، وليس كما يفعل علماء السوء والسلاطين حيث يحملون
الآية على كل متمردٍ وزنديقٍ ومرتد ..!!
[1] قوله رحمه الله " وللاختلاف خلقهم " ينبغي
أن يُحمل على وجهين: أولهما أنه يريد بالاختلاف اختلاف الناس في
الرزق ومستوى المعيشة يسخّر بعضهم بعضاً، كما تقدم في رواية عنه
تأويله لقوله تعالى:{ولا يزالون مختلفين} ، وهو قول مرجوح كما قال
عنه ابن كثير أن المشهور الصحيح خلافه. ثانياً، أنه يريد بقوله"
وللاختلاف خلقهم " أهل الكفر والشرك والضلال دون أهل الهدى
والإيمان، كما هو ثابت عنه في الرواية الأخرى في تأويله وتفسيره
للآية، وسيمر معك قوله أيها القارئ.
[2] أخرجه أحمد، وأبو دواد، والنسائي وغيرهم، صحيح الجامع:3090.
[3] ممن تُحمل عليهم الآية الكريمة كذلك الذين يدخلون في عهد
وأمانٍ أو صلح مع المسلمين ..
[4] صحيح سنن أبي داود:3635 . |
|
|
|
|
F
¥
E |
|