الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
ـ إفراز أهل الحل والعقد في ظل المجتمع المسلم:
  سؤال من مداخل: قال الشيخ بالانتخاب ممكن الناس يعرفوا أهل الحل والعقد، مع احترامي لفضيلة الشيخ، هذا الكلام في عصرنا الحاضر مستحيل، لأن عملياً أن أهل الحل والعقد هم الذين يملكون المال والجاه ويملكون مزايا أخرى، أما الذين يملكون الفهم والفكر ولا يملكون هذه المؤهلات الأخرى في هذا الزمن الأمريكي، في نظري لم يعودوا أهلاً لا للحل ولا للعقد، وأعتقد أن الانتخاب خطأ ..
أجاب الدكتور القرضاوي: كيف يصل الإسلاميون يا أخي بأي طريقة، ما هي الطريقة التي تقترحها ليصل الإسلاميون ..؟!
الآن ما الذي يُفعل، الغرب يؤيد الديمقراطية إلا في بلاد الإسلامية للأسف، فهو يحارب الديمقراطية إذا جاءت بالإسلاميين حتى ولو جاءت بهم جزئياً كما حـدث فـي تركيا لما جاء حزب الرفاه ..!
وأنا أقول للأخ: في المجتمعات الكبيرة والمعقدة كيف نصل إلى أهل الحل والعقد، يعني إذا لم يكن بالانتخاب كيف نعرف أهل الحل والعقد فيها ..؟!
مثلاً 130 مليون مثل الباكستان أو بنغلادش، أو 200 مليون أندونيسيا، بلاد واسعة وعشرات الملايين، ليس هناك من حل إلا أن نقسم البلاد إلى دوائر، ونضع شروط ممكن أن نضع شروط للناخب، ونضع شروط للمرشح، ما نأخذ واحد سكير، لازم يكون إنسان مرضي السيرة، واحد شهد الناس بسوء أخلاقه أو بسوء سيرته لا يصلح ..!
التعقيب والرد: يكمن في النقاط التالية :
1- السائل يسأل – على وجه الاعتراض على قول الدكتور – أننا لا يمكن أن نفرز أهل الحل والعقد عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وفي هذا الزمن الأمريكي .. كما قال .
بينما يأتي جواب الدكتور وتعقيبه – وبخاصة الشطر الأول من كلامه – عن كيفية وصول الإسلاميين إلى الحكم أو المناصب الحكومية .. فالسؤال من هذا الوجه في وادٍ والجواب في وادٍ آخر !
2- قول الدكتور معترضاً على السائل: كيف يصل الإسلاميون بغير طريق الديمقراطية والانتخابات .. يريد من ذلك أن يقول أنه لا سبيل إلى تحقيق الأهداف إلا عن طريق الديمقراطية وصناديق الاقتراع ..!!
وهذا قول باطل مردود بنصوص الكتاب والسنة، ويكفي هنا أن أرد القارئ إلى ما كتبناه في نهاية هذا الكتاب تحت عنوان " المسلمون لا يصلون إلى غاياتهم عن طريق الديمقراطية " وعنوان " ما هو البديل وكيف السبيل " .
3- قول الشيخ الدكتور الذي يوحي أنه لا بديل عن الانتخابات الديمقراطية لإفراز أهل الحل والعقد، وأنه لا يمكن معرفتهم إلا عن طريق الانتخابات .. هو قول باطل ومردود، وذلك من أوجه:
منها، أن المسلمين عبر تاريخهم المديد، وبرغم توسع دولتهم في أطـراف الأرض كان لهم أهل الحل والعقد ومن دون أن يجربوا الانتخابات الديمقراطية أو يفكروا بها أصلاً..!
والدين يقتضي منا أن نتلمس الطرق التي سلكها سلفنا الصالح في إفراز أهل الحل والعقد، فنسلكها ونهتدي بها.
ومنها، أن الانتخابات الديمقراطية – بحكم قوانينها وأنظمتها الملاصقة بها والتي لا يمكن لها الفكاك عنها – تفرز شرائح من الشاذين والمنحرفين لا يمكن بأي حالٍ أن يكونوا من أهل الحل والعقد ..!
ومنها، أن الانتخابات الديمقراطية وسيلة شركية يستوي فيها الكافر والمؤمن، والجاهل والعالم، لها مساس بالعقيدة والتوحيد، وهي ليست مجرد وسيلة إدارية وتنظيمية يمكن اعتمادها كما يصور الدكتور القرضاوي ..!
وللجواب على سؤال الدكتور القرضاوي – الذي جاء بصيغة الرد والتعقيب على السائل – : كيف للمسلمين أن يعرفوا أو يفرزوا أهل الحل والعقد من غير طريق الانتخابات ..؟!
أقول: عند الحديث عن هذا الموضوع الهام، لا بد من التفريق بين المجتمع المسلم الذي تخضع جميع مؤسساته ومناحي الحياة فيه إلى حكم الإسلام وقانونه، وبين المجتمع الذي يخضع لحكم الطاغوت وقوانينه الكفرية .. وهذا التفريق هام وضروري لمن أراد ضبط المسألة وبيان وجهة الحق فيها .
أولاً: إفراز ومعرفة أهل الحل والعقد في ظل المجتمع المسلم الذي يُحكم بالإسلام وشرائعه .
ويتم ذلك من خلال تحديد المعايير والصفات التي تعين على إفراز أهل الحل والعقد إلى حيث الوجود؛ من هذه المعايير اعتبار ومراعاة تاريخ الرجل الجهادي، فمن كان له سابقة جهاد وابتلاء في نصرة هذا الدين يُقدم على من لا جهاد له، ولم يكن له سابقة ابتلاء في سبيل إعلاء كلمة هذا الدين .
وهذا أمر قد دلت عليه السنة، حيث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخص أهل بدر بأمورٍ لم يخص غيرهم بها، كما في الحديث الصحيح:" إن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " . وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لن يدخل النار رجل شهد بدراً والحديبية " مسلم. وكان أهل بدر يُميزون بالمشورة وغيرها حتى في عهد الخلفاء الراشدين ..
ومنها، مراعاة الأقدمية في الدخول ونصرة هذا الدين، فالأقدم يُقدم في الشورى على من كان حديث عهد بهذا الدين، وهذا مقرر في الشريعة، كما قال تعالى:{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد اللهُ الحسنى والله بما تعملون خبير} الحديد:10.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" لا تسبوا أحداً من أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مٍثل أحدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ".
وذلك أن عبد الرحمن بن عوف كان من السباقين في الدخول في هذا الدين، الذين شهدوا المشاهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- كبدر، وبيعة الرضوان تحت الشجرة وغير ذلك، وهؤلاء أخص بصحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وافضل ممن أسلم بعد الحديبية أو فتح مكة، ولم يشهد ما شهده الأوائل من تضحيات ومواقف بطولية مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وفي نصرة هذا الدين فاتت من أسلم بعدهم أو تأخر إسلامه .
بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يراعي هذا المبدأ في التعامل والاصتفاء حتى مع شخصي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، على عظم فضلهما وتقارب منزلتهما في الإسلام، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي الدرداء قال:" كنت جالساً عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ، إذ أقبل أبو بكرٍ آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : أما صاحبكم فقد غامر – أي دخل في غمرة الخصومة – فسلَّم، وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال -صلى الله عليه وسلم- : يغفر الله لك يا أبا بكرٍ ثلاثاً، ثم أن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكرٍ فسأل أثَمَّ هو ؟ فقالوا: لا، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلم عليه، فجعل وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- يتمعَّر حتى أشفق أبو بكر – أي أشفق على عمر لما رأى من غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه، فجثا – أي أبو بكر – على ركبتيه، فقـال: يـا رسول الله، والله أنا كنت أظلَمُ مرتين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : إن الله بعثني إليكم، فقلتم كذبت وقال أبو بكرٍ صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي – مرتين – فما أُذي بعدها " .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، لا يبقين في المسجد خَوخَةٌ إلا سُدت إلا خوخة أبي بكر " متفق عليه . وذلك لأسبقية أبي بكر -رضي الله عنه- في نصرة هذا الدين ورسول هذا الدين .
والأحاديث الدالة على العمل بهذا الأصل والمبدأ – في إفراز القيادة وأهل الحل والعقد - أكثر من أن تُحصر في هذا الموضع .
ومنها، إضافة إلى ما تقدم ينبغي مراعاة الأتقى والأعلم والأقوى؛ وهناك القرائن العديدة التي تعين على تمييز هؤلاء عن غيرهم من الناس، لا يمكن أن تخفى على دولة صادقة في تعيين وإفراز أهل الحل والعقد للبلاد .
ومنها، مراعاة أهل التخصص والكفاءات العلمية المتنوعة .. ويمكن الاستفادة في ذلك من جميع أفراد الأمة بغض النظر عن انتماءاتهم القطرية والجغرافية .
أما عن الآلية التي يتم بها اختيار هذه الصفوة، هل يتم ذلك عن طريق الانتخاب والتصويت، أو عن طريق اختيار لجان متخصصة تُفرز لهذه المهمة، أو عن طريق اختيار الحاكم المسلم لها .. فكل هذه الطرق واردة وممكنة ولا حرج فيها من الناحية الشرعية .
المهم أن يكون هذا الاختيار – إن تم إفرازهم عن طريق الانتخاب والتصويت – بين الأصلح والأصلح، أو على الأقل بين الصالح والأصلح، والحسن والأحسن، فالأصوات في هذه الحالة أينما دارت واستقرت فإنها تستقر على الأحسن والحسن .. وهذا بخلاف الديمقراطية – التي يريدها الدكتور وحزبه – التي تجعل التنافس على الحكم وقيادة البلاد ممكناً بين الكافر والمؤمن، وبين الطالح والصالح، والأصوات على أيهما تستقر وتختار فهو الفائز وهو الذي يحكم البلاد والعباد وبالدين الذي يشاء ..!!
الطريقة الشرعية هي التي تجعل الانتخاب ممكناً عندما يكون اختيار الأمة بين علي وعثمان رضي الله عنهما، بينما الانتخابات الديمقراطية – كما تقدم – هي التي تجـعل التصويت والاختيار بين علي -رضي الله عنه- ومسيلمة الكذاب ممكناً ومباحاً .. أرأيت الفارق ؟!
الطريقة الشرعية هي التي تُقصر التصويت والانتخاب على الأشخاص دون المناهج والأفكار والبرامج، إذا لا خيار للمسلمين أن يختاروا غير الإسلام، إلا في حال آثروا الكفر على الإيمان، والمروق من الدين فحينها ليس بعد الكفر ذنب ..!
بينما الطريقة الديمقراطية تجعل التصويت والاختيار يشمل العقائد والأفكار كما يشمل الأشخاص، فتجعل التصويت على الدين والعقائد كالتصويت على الأشخاص لا فرق ..!
الطريقة الشرعية تلزم الناخب الذي يدلي بصوته لاختيار الحاكم المسلم أن يكون مسلماً عدلاً؛ أي لا يجوز للمطعون في عدالته وأخلاقه أن تُقبل شهادته في هذا الأمر الهام، فضلاً عن أن تقبل شهادة الأعداء من المشركين والمرتدين، كما قال تعالى:{وأشهدوا ذوى عدلٍ منكم وأقيموا الشهادة لله} الطلاق:65.فمن شروط صحة الشهادة عدالة الشاهد، فإن قيل هذا في النكاح والزواج، أقول: اشتراط العدالة في الناخب الذي يدلي بشهادته في تحديد هوية الحاكم المسلم الذي يحـكم البلاد والعباد بالإسلام أولى وأوكد .
بينما الطريقة الديمقراطية – كما تقدم – تستوي فيها شهادة أتقى وأعلم أهل الأرض مع أكفر وأجهل أهل الأرض .. فتأمل !
   
F ¥ E