الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
ـ أولاً: القسم على احترام الدستور الجاهلي والتحاكم إليه.
  أول ما يجب على النائب الفائز أن يقوم به هو إعطاء القسم والأيمان والعهد[1] – حراً مختاراً غير مكره – على الوفاء والإخلاص للدستور الكفري الجاهلي الذي يحكم ويحدد سياسة البلاد الداخلية والخارجية، والذي يعتبر في نظر الإسلام طاغوت كبير يجب الكفر به والبراء منه ومن أنصاره وأوليائه وأتباعه .
وهذا مزلق عقدي خطير ينفي مطلق الإيمان عن صاحبه، كما قال تعالى:{ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} النساء:60. فاعتبر سبحانه وتعالى إيمانهم زعماً وكذباً لا حقيقة له في القلب ولا وجود، وبرهان ذلك وعلامته أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت – في أمر من أمور الدين أو الدنيا – رغم أنهم أمروا بالوحي أن يكفروا به ويتبرؤوا منه !
ولا شك أن من يقسم الأيمان المغلظة على أن يحافظ على العمل بدساتير وشرائع الطاغوت أنه أغلظ كفراً ونفاقاً، وأشد نقضاً وتكذيباً لدعوى الإيمان من أولئك الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت في أمر من أمور حياتهم ..
فالإيمان بالله تعالى وبالطاغوت معاً لا يمكن أن يجتمعا في قلب امرئٍ واحد، قال تعالى:{فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} البقرة:256.
فقدم الله تعالى الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لاستحالة اجتمـاع الإيمـان بالطاغوت مع الإيمان بالله تعالى، أو الإيمان بالله قبل الكفر بالطاغوت .. والقول بخلاف ذلك من لوازمه القول بالشيء وضد في آنٍ واحد؛ ومثاله كأن تصف المرء بأنه موحد ومشرك، أو أنه حي وميت، أو أنه موجود وغير موجود في آنٍ واحد .. وهذا لا يستقيم عقلاً ولا شرعاً[2] .
قال تعالى:{والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد} الزمر:17.
فهذه الآية الكريمة أفادت معنى من معاني الكفر بالطاغوت؛ وهو الاجتناب والاعتزال، والبعد عن الطاغوت وعبادته وكل ما يقرب إليه، فهؤلاء الذين يعتزلون الطاغوت ويجتنبونه ولا يقربوه في شيء، ثم يؤمنون بالله تعالى ويوحدونه، هؤلاء هم الذين – وحدهم – لهم البشرى بالرضوان ونعيم الجنان يوم القيامة .
ونحوه كذلك قوله تعالى:{ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} النحل:36. فالرسل – على مدار التاريخ – ليست لهم مهمة في هذا الوجود سوى تحقيق التوحيد ولوازمه والكفر بالطاغوت وكل ما يقرب إليه .
والطاغوت هو كل مألوه أو معبود مطاع من دون – أو مع – الله تعالى، ولو في وجه من أوجه العبادة والتنسك، وحتى ندرك معنى الطاغوت على وجه التفصيل، وهل الدساتير الوضعية الجاهلية الحاكمة في بلاد المسلمين تدخل في معنى الطاغوت الذي يجب اجتنابه والكفر به، نقف على قول ابن القيم رحمه الله تعالى في تعريف الطاغوت وما يدخل في مسماه ومعناه، حيث يقول في الأعلام 1/50: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، ومن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته .
وقال: من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه ا-هـ .
فإن قيل: نحن إذ نقسم بالله على احترام الدستور الجاهلي الحاكم، فإننا ننوي في قلوبنا الدستور الإسلامي، أو احترام الدستور ما لم يخالف الشرع، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، كما أفتى بذلك الشيخ ابن عثيمين أكثر من مرة وفي أكثر من موضع[3] ..!!
وهذه شبهة ما أكثر ما سمعناها من أنصار وأتباع الطريق الديمقراطي النيابي، والجواب عليها من أوجه:
1- أن تُستحلَف على شيء ثم تنوي قي قلبك خلافه، هو بخلاف ما دلت عليه السنة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث الذي يرويه مسلم وغيره، أنه قال:" يمينك على ما يُصَدقُك عليها صاحبك ". أي يمينك على ظاهره، وينعقد على ما يستحلفك عليه صاحبك، فإن استحلفك مثلاً على احترام الكفر والشرك فحلفت له بذلك حراً غير مكره، فيمينك على ما استحلفك عليه، وتلزمك تبعاته ومضاعفاته ونتائجه، ولا يتشفع لك أن تضمر في قلبك احترام الحق والتوحيد ..!
2- القول بخلاف ما تقدم يستلزم منه الكذب، وضياع كثير من الحقوق، ومثال ذلك: أن يستحلفك صاحبك على أن ترد له دَينه في السنة القادمة، وعندما تأتي السنة القادمة ويحين وقت السداد تقول له: أنا عندما حلفت لك نويت في قلبي أن يكون السداد بعد عشر سنين وليس بعد سنة، لذا فالذي ينفذ علي هو ما أضمرته وليس ظاهر ما استحلفتني عليه .. وهذا عين الغدر والكذب واللصوصية !
3- النية الحسنة لا تحيل السيئة إلى حسنة، ولا المعصية إلى طاعة، والقول بخلاف ذلك يستلزم منه استباحة جميع المحرمات والمحظـورات مادامت النية حسنة وسليمة !
فهذا تراه يعبد الأصنام ثم يقول لك أنا أنوي في قلبي عبادة الله، وذاك يسرق ثم يقول لك نيتي في قلبي أن أنفق على الفقراء والمساكين، وأبني المساجد، والآخر يزني ثم يقول لك نيتي في ذلك التقوي على الطاعة .. وهكذا نجد لكل معصية وجريمة نية حسنة أو تفسير باطني يبيحها ويحلها !!
4- إضافة إلى ما تقدم فإن هذا الموقف فيه تضليل لعوام المسلمين تجاه الباطل والكفر؛ لأن العامة يرون من النائب – الذي يقسم الأيمان على الالتزام بالدستور الجاهلي – ما يظهره من مواقف موالية للكفر لا ما يبطنه من نوايا حسنة .. فهو بموقفه هذا يضل ويُضل .
لأجل هذه الأوجه المتقدمة الذكر نقول: إن هذه الفتوى باطلة وهي لا تصح شرعاً ولا عقلاً، كما أنها لا تنم عن دراية أصحابها بواقع المسألة .. وكنا نتمنى للشيخ أن يصون نفسه عن مثل هذه الفتاوى والمزالق المشينة التي تسيء لشخصه وسمعته الواسعة بين المسلمين، وأن لا يجعل من شهرته سيفاً مسلطاً على الحق وأهله يقاتل به الديمقراطيون البرلمانيون ..!

 


[1] من الصيغ التي يلتزم بها النائب في قسمه كما في بعض الأمصار:" أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للملك والوطن وأن أحافظ على الدستور .." !
[2] فإن اعترض معترض وقال: كلامك مردود عليه بقوله تعالى:{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} يوسف:106. فسماهم الله تعالى مشركين مع إيمانهم بالله تعالى !
أقول: لا تعارض بين ما تقدم وبين قوله تعالى:{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}، فالإيمان المراد في الآية هو إيمانهم بالربوبية، وإشراكهم في الألوهية وتوحيد العبودية، كما كان عليه حال كفار قريش وغيرهم، حيث آمنوا بالربوبية وكفروا بالألوهية، فوصفهم الله تعالى بما تقدم ذكره في الآية، واستحقوا على ذلك القتال والجهاد، لأن إيمان كهذا لا ينفع صاحبه في شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا الذي أردنا الإشارة إليه من كلامنا المتقدم، وهو استحالة اجتماع الإيمان النافع مع الشرك الأكبر في شخص واحد، أو عبادة الله وتوحيده مع عبادة الطاغوت والإيمان به .
[3] انظر مجلة الفرقان، عدد 73، السنة الثامنة، مايو 1996م. في إجابة للشيخ عن حكم المشاركة في المجالس النيابية ..!

   
F ¥ E