الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية
ـ ثالثاً: تغييب عقيدة الولاء والبراء .
  من إفرازات العمل النيابي الديمقراطي تغييب عقيدة الولاء والبراء في الله، وكذلك مبدأ التمايز والمفاصلة الذي يجب على أهل الحق نحو أهل الباطل وتجمعاتهم، حيث أن الجميع يجالس الجميع، والكل يعايش الكل بسلام ووئام تجمعهم عقيدة الانتماء إلى الوطن، أو قل عقيدة الانتماء إلى الإقليم أو الجنس، أو القوم، أو العشيرة، أو الحزب، وغيرها من الانتماءات الجاهلية الوثنية ..!
المهم – عند القوم – تغييب عقد الولاء والبراء في الله، وعلى أساس الإيمان بالله، والتقوى والعمل الصالح، وكذلك تغييب الفوارق بين المواطنين على أساس الكفر والإيمان، والهدى والضلال، فالكل – كافرهم ومؤمنهم – في الوطن وحب الوطن إخوان [1] ..!
ولك أن تعجب من قول هذا الرجل الذي اتسعت فتنته أكثر مما اتسعت شهرته، في كتابه الموسوم بأولويات الحركة الإسلامية، حيث يقول: أذكر أنني منذ سنوات دُعيت إلى المشاركة في ندوة الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي، التي نظمتها منتدى الفكر العربي في العاصمة الأردنية عمان .
وقد دُعي إلى هذه الندوة مسلمون ونصارى وشيوعيون وقوميون من مختلف الفصائل والاتجاهات . ومما لا أنساه ما ذكره لي بعض الأخوة المشاركين وهو نصراني قومي، فقد قال لي ونحن على مائدة الغداء: لقد غيرنا فكرتنا عنك على طول الخط . قلت: وماذا كانت فكرتكم ؟ قال: أنك متعصب متشدد ! قلت: ومن أين جاءتكم هذه الفكرة عني ؟ قال: لا أدري ولكن هذا كان انطباعنا عنك ورأينا فيك بصراحة. قلت: والآن ؟ قال: عرفنا بالسمع والمشافهة والمشاهدة والاحتكاك المباشر ما نسـف تلـك الفكرة الظالمة التي كوناها عنك من قبل، فقد وجدنا فيك رجلاً يحترم المنطق، ويُحكم العقل، ويستمع إلى وجهات النظر المخالفة، لا يتزمت، ولا يتشنج، بل فاق غيره في المرونة والتسامح[2] .
قلت: قد فات هذا العالم الدكتور أن الأخوة التي عقدها للمشرك النصراني القومي ذي الكفر المركب والمغلظ، لا يجوز أن يعقدها إلا للمسلمين المؤمنين الموحدين، كما قال تعالى:{إنما المؤمنون أخوة} الحجرات:10.
وقال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ ومن يتولهم منكم فإنه منهم} المائدة:51. وأي ولاية أوثق وأعلا من ولاية الأخوة .
عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدُكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} [3].
وقد فاته كذلك أن ثناء النصارى ورضاهم عنه وإعجابهم به وبأفكاره هو حقيقته مسبة له، ودليل على انحرافه عن جادة الحق والتوحيد واتباعه لهم في بعض باطلهم مما جعلهم يرضون عنه، كما قال تعالى:{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من وليٍّ ولا نصير} البقرة:120.
فرضى اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر عن المسلم – بدلالة الآية أعلاه – لهو دليل على انحرافه عن جادة الحق والصواب، وعلى متابعته لهم فيما هم عليه من الباطل، وهو مدعاة لهذا المسلم أن يتهم نفسه ويراجعها، وينظر أين هو من دين الله تعالى، لا أن يستشهد بمدحهم له وثنائهم عليه بالخير !

 


[1] من الآلهة التي تُعبد من دون الله تعالى الوطن والوطنية، وبخاصة بعد سقوط الرابطة الإسـلامية المتمثلة في الخلافة العثمانية، حيث قام الكتاب والمثقفون المتأثرون بالثقافات الغربية الوافدة على بلاد المسلمين بتصوير الوطن على أنه المعبود الذي يجب أن يُعقد فيه الولاء والبراء، والحقوق والواجبات، مبعدين في ذلك الولاء والبراء اللذان يُعقدان على أساس الانتماء إلى الدين والعقيدة .. من ذلك ما قاله أحمد محرم في مصر:
فإن يسألوا ما حب مصر فإنـه ***** دمي وفؤادي والجوانح والصـدر
أخاف وأرجو، وهي جهد مخافتي ***** ومرمى رجائي، لا خفاء ولا نُكر
هي العيش والموت المبغّض والغنى ***** لأبنائها والفقر والأمن والذعـر
هي القدر الجاري هي السخط والرضى ***** هي الدين والدنيا هي الناس والدهر
بذلـك آمـنا، فيـا من يلومنا ***** لنا في الهوى إيماننا ولـك الكـفر !!

ومن ضروب هذا الغلو والكفر ما يقوله شوقي كذلك:
ويا وطني لقيتك بعد يأس ***** كأني قد لقيتُ بك الشبابا
وكل مسافر سيئوب يوماً ***** إذا رُزق السلامة والإيـابا
ولو أني دُعيت لكنت ديني ***** عليه أقابل الحتم المجـابـا
أدير إليك قبل البيت وجهي ***** إذا فُهتُ الشهادة والمتابـا !!
[2] عن كتاب أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، ص 168. وهو من أسوأ ما كتبه الرجل، وهو ينسخ كثيراً مما كان قد كتبه في شبابه وفي نشاطه الأول لهذه الدعوة ..!
ومما خطه في كتابه المذكور تحت عنوان " الحركة وقضايا الحرية السياسية والديمقراطية " قوله: والواجب على الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة أن تكون دائماً في صف الحرية السياسية المتمثلة في الديمقراطية الصحيحة غير الزائفة ..!
والحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية لا تتفتح أزهارها، ولا تنبت بذورها، ولا تتعمق جذورها، أو تمتد فروعها إلا في جو الحرية، ومناخ الديمقراطية ..!
لهذا لا أتصور أن يكون موقف الحركة الإسلامية إلا مع الحرية والديمقراطية السياسية ..!
الأدوات والضمانات التي وصلت إليها الديمقراطية هي أقرب ما تكون إلى تحقيق المبادئ والأصول السياسية التي جاء بها الإسلام لكبح جماح الحكام .. فهنا تبرز قوة السلطة النيابية القادرة على سحب الثقة من أية حكومة تخالف الدستور، وكذلك قوة الصحافة الحرة، والمنبر الحر، وقوى المعارضة، وصوت الجماهير .. ا-هـ .
فتأمل: فهو لا يرى موقف حركته الإسلامية إلا مع حرية الكفر والإلحاد والعهر، والديمقراطية السياسية التي تنص على الشرك وعلى ألوهية المخلوق من دون الله تعالى كما عرفت ذلك من خلال ما تقدم !
ثم تأمل كيف ينص على التمسك والحفاظ على الدستور من دون أن يقيده بوصفه الإسلامي، ولما انعدم وجود الدولة التي لها دستورها المستمد من الكتاب والسنة لا غير، علمت أن الرجل يريد من الدستور الدساتير الباطلة الكافرة السائدة والحاكمة في أمصار المسلمين ..!
ولا يفوتنا كذلك أن ننبه القارئ على الفارق بين الصحافة الحرة التي يريدها الدكتور – كما سماها – والتي تشمل جميع أنواع الصحافة الكافرة منها وغير الكافرة، والطالحة التي تنشر كلمة الكفر والفجور وغيرها، وبين الصحافة الإسلامية التي تلتزم وتتقيد بقيود الشرع، وآداب الكلمة الطيبة .. والشاهد أن الدكتور يريد الأولى لا الثانية !!
وما يقال في الصحافة الحرة، كذلك يُقال في المنبر الحر، وقوى المعارضة، وصوت الجماهير .. إذ أن هذه الإطلاقات حمالة أوجه ومعانٍ، وهي أقرب إلى المعنى الباطل منها إلى الخير !!
[3] تفسير ابن كثير:2/71 .

   
F ¥ E