الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حـكم تـارك الـصـلاة
1- أهمية الصلاة .
  اعلم أن الصلاة لها شأن عظيم في الإسلام، فهي عموده الذي لا يقوم بناء صحيح من دونه،والذي بزواله يزول الدين كله.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروةُ سنامه الجهاد " [1] . فكما أن البناء له عمود يزول بزواله وينهار، كذلك الدين فعموده الصلاة يزول بزوالها وينهار ..
وهي أول ما فُرض من العبادات بعد شهادة التوحيد، افترضها الله تعالى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- كفاحاً يوم أُسري به، ليس بينهما حجاب ولا رسول ..
ولأهميتها أمر الله تعالى نبيه أن يقاتل الناس عليها، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه : " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام " .
وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين بأن يخرجوا على أئمتهم وولاة أمورهم ـ على ما لهم من حق ـ إن هم تركوا الصلاة أو تركوا الأمر بها، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، عن أم سلمة ، قالت : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " ستكون أمراء، فتعرفون وتُنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع "، قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : " لا، ما صلوا " .مفهوم الحديث أنهم إذا تركوا الصلاة، قاتلوهم ..
وفي الصحيح كذلك، عن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم " قالوا :قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة " .
وهي أهم ركنٍ في الإسلام بعد ركن التوحيد، لذا يتعين على العلماء والدعاة أن يعطوها الأولوية بعد التوحيد، من حيث الدعوة والبيان والتعليم، كما في الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس، أن معاذاً قال:بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :" إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة .." متفق عليه .
ومراعاة لهذا الأصل فقد رتب البخاري ـ رحمه الله ـ في كتابه الصحيح أولاً كتاب الإيمان والعلم، ثم رتب بعده كتاب الصلاة ومتعلقاتها ولوازمها ..
وهي آخر ما وصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته، وهو على فراش الموت : " الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم ..".
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يكتب إلى عماله في الأمصار: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفـظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة .
وهي أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى إذا أقيمت في ميقاتها من غير تأخير، كما في الحديث عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: " الصلاة على ميقاتها "، قلت ثم أي؟ قال: "بر الوالدين "، قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " البخاري . وفي رواية عنه: قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحبُّ إلى الله؟ قال:" الصلاة على وقتها "ثم ذكر تتمة الحديث، وهو متفق عليه .
وقال -صلى الله عليه وسلم- : " واعلموا أن خير أعمالكم الصلاةُ، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "[2] .وفي رواية قال -صلى الله عليه وسلم- : " واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة " [3] .
وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن قُبلت قُبل سائر عمله، وإن ردَّت رُد عليه سائر عمله، وخاب وخسر ..
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائـر عمله "[4] . وقال -صلى الله عليه وسلم- : " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، ينظر في صلاته فإن صلحَت فقد أفلح، وإن فسدت خاب وخسر "[5] .وقال -صلى الله عليه وسلم- : " فمن أداها بحقها ـ أي الصلاة قُبلت منه، وقُبل منه سائر عمله، ومن رُدت عليه صلاته، رُد عليه سائر عمله" [6] .
والحديث فيه أن الصلاة شرط لقبول الأعمال، وأن حبوطها مؤداه إلى حبوط جميع الأعمال، ولا يحبط جميع الأعمال إلا الشرك والعياذ بالله، كما قال تعالى:{ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} الأنعام:88.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، أنه قال:" من ترك الصلاة فقد حبط عمله" البخاري .
وهي آخر ما يفقد من الدين، فبفقدها يفقد المرء كل دينه، ولم يعد عنده شيء من الدين..
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة " . وفي رواية:" لتنقضنَّ عرى الإسلام عروةً عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهنَّ نقضاً الحكم، وآخرهنَّ الصلاة "[7] .
ومن أجلها يرزق الله العبادَ بالمال، فقد خاب وخسر من شُغل بالدنيا وجمع المال عنها ..
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" إن الله قال: إنَّا أنزلنا المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة "[8] .والمال هنا عام وشامل لكل النعم والأرزاق، وما فيه من الخير لابن آدم ..
ومن حسناتها أنها تُسقط الذنوب، وتطهر النفس من درن الآثام، وتطفئ نار المعاصي والذنوب ..
قال تعالى: {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار} المائدة:12.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " إن الصلوات الخمس يُذهبن بالذنوب كما يُذهب الماء الدرن "[9] . وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن العبد إذا قام يُصلي أُتي بذنوبه كلها فوضعت إلى رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه "[10] . إنها صورة ـ من صور الرحمة والمغفرة ـ ما أجملها وأروعها لو تصورها العبد وهو قائم يصلي بين يدي الله تعالى .
وقوله" بذنوبه كلها "، يفيد أن الصلاة تكفِّرُ جمع الذنوب بمافي ذلك الكبائر إن شاء الله [11] .
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"تحترقون تحترقون ـ أي بسبب ذنوبكم ومعاصيكم ـ فإذا صليتم الصبح غسَلَتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقـون فـإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا " [12] .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن لله ملكاً ينادي عند كل صلاة : يابني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها " [13] . أي قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها بذنوبكم ومعاصيكم، فأطفئوها بالوضوء والصلاة .
وفي الصحيحين، قال -صلى الله عليه وسلم- :" أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء" قالوا: لا يبقى من درنه شيء . قال: " فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهنَّ الخطايا " .
قال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثوبه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب حتى لاتبقي له ذنباً إلا أسقطته وكفرته .انتهى.
وقال -صلى الله عليه وسلم- : " ما من مسلم يتوضأ فيُسبغ الوضوء، ثم يقوم في صلاته، فيعلم مايقول، إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه " [14] .وهذا من جملة الأحاديث التي تقوي ما ذهبنا إليه من أن الصلاة ـ إن أُقيمت بحقها من غير انتقاص لشيء من شروطها وواجباتها ونوافلها ـ تكفر جميع الذنوب بما في ذلك الكبائر إن شاء الله تعالى .
وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيَّ ماشئت. فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال فلم يرد النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئاً، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} . فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة ؟ قال: " بل للناس كافة"[15] . وفي رواية، قال له -صلى الله عليه وسلم- : " هل حضرت الصلاة معنا ؟" قال" نعم ، قال: " قد غُفر لك ". وفي رواية عند مسلم، قال له -صلى الله عليه وسلم- : " أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ؟" قال: بلى يا رسول الله، قال: " ثم شهدت الصلاة معنا؟" فقال نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " فإن الله قد غفر لك ذنبك " .
والحديث فيه ذكرى وموعظة لمن يترك الصلاة بحجة أنه يتابع المنكرات، ويقع في الفجـور والمعاصي فيسول له الشيطان الرجيم أنه لا يمكن أن يجمع بين فعل المنكرات وإقام الصلاة، وأن القيام بأحدهما من شروطه ولوازمه الانتهاء عن الآخر، فيضطر لذلك إلى ترك الصلاة، فتجتمع عليه ظلمـة المنكرات وظلمة ترك الصلاة، ظلمات بعضها فوق بعض، فتقتله ويبوء بالهلاك والخسران في الدنيا والآخرة .
وكذلك فإن الصلاة ترفع عن صاحبها السيف، وتتشفع له عند حدوث الزلات وحصول الشبهات، كما في الحديث الذي يرويه مسلم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله !! فقال: " ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!" قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: " لا، لعله أن يكون يصلي " قال خالد : وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" . فانظر كيف أن الصلاة تشفعت لذلك الخارجي، علماً أنه قال مقولة يستحق عليها ضربة سيف تفصل رأسه عن عنقه .
وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- إذا غزا قوماً لم يُغر حتى يُصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يصبح . البخاري. لأن الأذان علامة على أن القوم من أهل الصلاة والملة ..
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إني نُهيت عن قتل المصلين "[16] . أي بالشبهات والظنون المرجوحة، والكفر المحتمل، أما إن ظهر منهم الكفر البواح، وتحققت الردة صراحة، فلا يتشفع لهم أمام حد الله شيء .
يدل على ذلك نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين أن يخرجوا على أئمة الجور ما داموا يقيموا الصلاة، كما في صحيح مسلم: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة " ، وفي رواية: قالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم ؟ قال: " لا، ما صلوا " .
وفي رواية عند البخاري ومسلم:"إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "، فسوى -صلى الله عليه وسلم- بين الكفر البواح، وترك الصلاة كمبرر وداعٍ للخروج على الحاكم .. فتأمل .
والصلاة قرينة دالة على إسلام المرء، تمنع من تكفيره، أو إساءة الظن فيه، كما في صحيح البخاري: " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله" .
هذه بعض مزايا الصلاة التي تُظهر أهمية الصلاة في الإسلام، أردنا الإشارة إليها كتمهيد ضروري للدخول في موضوع الرسالة، والله تعالى المستعان .

 


[1] رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، مشكاة المصابيح:29.
[2] رواه الحاكم، وابن حبان.صحيح الترغيب:375.
[3] رواه الطبراني في الأوسط، صحيح الترغيب:376.
[4] رواه الطبراني في الأوسط.صحيح الترغيب:372.
[5] في الأوسط أيضاً. صحيح الترغيب:373.
[6] رواه البزار .قال الحافظ في الترغيب: إسناده حسن .صحيح الترغيب:540.
[7] رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم . صحيح الجامع:5075. والمراد بالحكم هنا نظام الحكم وليس الحكم بما أنزل الله، والحديث يفيد أن الذين غيروا نظام الحكم من خلافي شوري إلى نظام حكم ملكي وراثي كالأمويين ومن جاء بعدهم، ليسوا بكفار لعدم انتفاء عرى الدين الأخرى عنهم .
[8] رواه أحمد، والطبراني .صحيح الجامع:1781.
[9] رواه أحمد، صحيح الجامع:1668.
[10] رواه الطبراني، صحيح الجامع:1671.
[11] باستثناء الذنوب المتعلقة بحقوق العباد،فلا بد من القصاص واسترداد الحقوق لأصحابها .. هذا ما يستلزمه مبدأ الأخذ بمجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة.
[12] رواه الطبراني، صحيح الترغيب:354.
[13] رواه الطبراني، صحيح الترغيب:355.
[14] رواه الحاكم وغيره، صحيح الترغيب:547.
[15] قال النووي في الشرح17/80: معنى عالجها أي تناولها واستمتع بها، والمراد بالمس الجماع، ومعناه استمتعت بالقبلة والمعانقة وغيرها من جميع أنواع الاستمتاع إلا الجماع. انتهى.
[16] رواه أبو داود، صحيح الجامع:2506.

   
F ¥ E