الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حـكم تـارك الـصـلاة
3- حكم المصلي الذي لا يحافظ على الصلاة .
  إذا كان تارك الصلاة كلياً يكفر كفراً أكبر يخرج به عن الملة كما تقدم بيانه، فما هو حكم من يصلي لكن يترك أحياناً بعض الصلوات، فهل حكمه حكم التارك كلياً، أم أن حكمه يختلف ؟
أقول: الراجح ـ والله تعالى أعلم ـ أن المصلي الذي لا يحافظ على صلاته؛ فيصلي أحياناً ويترك أحياناً، لكن يغلب عليه عدم الترك، فمثل هذا رغم أنه قد أتى بوزرٍ كبير وإثم عظيم إلا أنه لا يبلغ به درجة الكفر الأكبر، هذا ما دلت عليها نصوص الشريعة، وما يقتضيه مبدأ التوفيق بين النصوص من دون ضربها بعضها ببعض، وإليك بعضها :
قال تعالى:{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً} مريم:59. فسر السلف ـ رضي الله عنهم ـ إضاعة الصلاة بإضاعة وقتها، وقالوا: لو كان تركاً لكان كفراً، وكانوا كفاراً [1] . فدل أن ضياع المواقيت يعتبر ذنباً كبيراً وعظيماً إلا أنه لا يرقى إلى درجة الكفر الأكبر .
وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " أول ما يُحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا -سبحانه وتعالى- لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم أنقصها ؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم "[2] .
فلو كان انتقاص شيء من فريضة الصلاة يعتبر كفراً، لما نفعه التطوع ولما جبرت صلاته بالنوافل؛ لأنه لا ينفع مع الكفر عمل ولا طاعة .
وقوله -صلى الله عليه وسلم- : " انتقص منها شيئاً "، يحتمل أمرين كلاهما دلت عليهما السنة، أحدهما: أنه أقام الصلاة، لكنه أحياناً لم يأتِ بأركانها وفرائضها على الوجه المطلوب . والثاني : أنه ترك صلاة كاملة أو أكثر خلال حياته في الدنيا، فتُجبر صلاته وتكمل من صلاة التطوع إن كان له تطوع .
وقال -صلى الله عليه وسلم- : " إنها ستكون عليكم بعدي أمراء، يشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها،فصلوا الصلاة لوقتها " قال رجل: إن أدركتها معهم أصلي معهم ؟ قال:" نعم إن شئت".
أي يصليها معهم نافلة؛ لأن الفريضة لا تُعاد في اليوم مرتين .
وكونه -صلى الله عليه وسلم- أذن للرجل بأن يأتم بهم ويصلي معهم، فدل أنهم ليسوا كفاراً بترك الصلاة حتى يذهب كل وقتها .
وقال -صلى الله عليه وسلم- : " فإن ربكم يقول: من صلى الصلاة لوقتها، وحافظ عليها ولم يُضيعها استخفافاً بحقها، فله علي عهد أن أدخله الجنة . ومن لم يصلها لوقتها، ولم يحافظ عليها، وضيعها استخفافاً بحقها، فلا عهد له علي،إن شئت عذبته،وإن شئت غفرت له"[3] .
فكونه يترك للمشيئة فدل أنه غير كافر؛ لأن الكافر ليس له في الآخرة إلا الخلود في النار، أعاذنا الله منها .
وقوله -صلى الله عليه وسلم- : " ولم يحافظ عليها، وضيعها استخفافاً بحقها "، لا ينبغي أن يفهم منه مطلق الترك؛ لأن ترك الصلاة كلياً كفر كما تقدم .
قال ابن تيمية: فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلماً، لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظـون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن، حديث عبادة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".
وقال ـ بعد أن ذكر الحديث الآنف الذكر ـ : يظهر أن الاحتجاج بذلك على تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة، لكنه يدل على أن تارك المحافظة لا يكفر [4] .
فتأمل كيف فرق بين تارك الصلاة، وبين تارك المحافظة، حيث أن الأول يكفر والآخر لا يكفر .
وقال ابن القيم في تأويل الحبوط الوارد في قوله -صلى الله عليه وسلم- " فإن من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله " : والذي يظهر في الحديث ـ والله أعلم بمراد رسوله ـ أن الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبداً، فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين في يوم معين، فهذا يحبط عمل ذلك اليوم، فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابل الترك المعين[5] .
فتأمل كيف فرق بين الترك الكلي العام المكفر، الذي يؤدي إلى حبوط جميع الأعمال، وبين الترك الجزئي الخاص في يوم معين الغير مكفر، الذي يؤدي إلى حبوط أعمال ذلك اليوم فقط .
ومن الأدلة كذلك، قوله -صلى الله عليه وسلم- : " أُمرَ بعبد من عباد الله أن يُضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعوا حتى صارت جلدة واحدة، فجُلد جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني ؟ قالوا: إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره "[6] (1).
أفاد الحديث عدم كفر هذا الرجل رغم أنه صلى صلاة واحدة بغير وضوء، وهو مثله مثل من لم يصلِ، لأن الطهور والوضوء شرط لصحة الصلاة، فالحديث فيه أن تارك صلاة أو بعض الصلوات خلال حياته لا يكفر، وليس فيه أن تارك الصلاة كلياً ـ كما ذهب البعض إلى ذلك ـ لا يكفر، فليس في الحديث ما يدل على ذلك، لا من حيث المنطوق ودلالة الألفاظ، ولا من حيث المفهوم، والله تعالى أعلم .

 


[1] انظر تفسير ابن كثير:3/134.
[2] رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، صحيح الجامع:2571.
[3] رواه الطبراني وغيره، صحيح الترغيب:397.
[4] الفتاوى : 7/578، و22/49.
[5] كتاب الصلاة وحكم تاركها، ص65.
[6] أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، السلسلة الصحيحة:2774.

   
F ¥ E