الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حـكم تـارك الـصـلاة
ـ الدليل الثاني:
  روى ابن ماجة بسنده عن أبي معاوية، عن أبي مالك الأشجعي ، عن ربعي، عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : " يَدرسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب[1] ، حـتى لا يُدرى ما صيامٌ، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسْرى على كتاب الله -عز وجل- في ليلةٍ، فلا يبقى في الأرض منه آيةٌ، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءَنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولُها " .
فقال صلة بن زفر لحذيفة: ما تُغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يُعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: ياصِلَةُ تنجيهم من النار، ثلاثاً .
قال الشيخ الألباني: أخرجه ابن ماجة (4049)، والحاكم (4/473) من طريق أبي معاوية .. وقال الحاكم:صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي .
هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لايقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها[2] .
قلت: لفظ الحديث هو من رواية ابن ماجة فقط،أما رواية الحاكم كما في المستدرك(4/473)، والتي قال عنها ـ أي الحاكم ـ : صحيح على شرط مسلم، ووافقه عليها الذهبي، ليس فيها ذكر للصلاة لا في متن الحديث، ولا في سؤال صلة لحذيفة بن اليمان، وكان ينبغي للشيخ أن يشير إلى ذلك، وبخاصة أنه استشهد بتصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له، واعتبر الحديث انتصاراً لمذهبه في عدم كفر تارك الصلاة .
وقد وهم الشيخ الألباني ثانية عندما قوَّل الحافظ ابن حجر، والغزالي مالم يقولا، انتصاراً لمذهبه في تارك الصلاة، فقال: "ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في الفتح(12/300) عن الغزالي أنه قال: والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المسلمين المقريـن بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة، أهون من الخطأ في سفك دمٍ لمسلم واحد"[3] .
والصواب كما في الفتح(12/314)، أن الغزالي لم يقل: " فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ "، وإنما قال: " فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ " ، فواضح الفرق بين القولين والنقلين، ولو أثبت الشيخ كلمة المصلين بدلاً من كلمةالمسلمين كما في الأصل، لما كان لاستشهاده بمقولة الغزالي أي معنى أو دليل،لأنه استدل به لبيان حرمة تاركي الصلاة وخطأ تكفيرهم!
عودة إلى الحديث ثانية، فأقول: على افتراض صحة الحديث[4] ، فإنه ليس فيه دليل على عدم كفر تارك الصلاة، أو تارك العمل بأركان الإسلام الخمسة ـ كما زعم الشيخ ـ وإنما يدل على مبدأ العذر بالجهل المعجز الذي لا يمكن دفعه؛ فالقوم لا يدرون، ولا يستطيعون أن يدروا لأن القرآن قد رُفع، واندرست تعاليمه وآثاره من الأرض، فهم ـ بنص الحديث ـ عاجزون عن معرفة الحق، وبالتالي عن العمل به، والعجز الذي لا يمكن دفعـه يرفع التكليف عن صاحبه ـ أياً كان نوع هذا التكليف ـ بلا خلاف، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} التغابن:16.وقال تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} البقرة:286.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: فإن الله يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه[5] .
لذلك عندما سُئل حذيفة: هل تنفعهم شهادة التوحيد وهم بهذه الحالة من التقصير الذي سببه العجز والجهل، فأجاب أن نعم تنفعهم وتنجيهم من العذاب .
وهم مثلهم مثل من أسلم بالشهادتين ثم مات قبل أن يتمكن من معرفة شيء عن بقية أركان الدين، فضلاً عن أن يعمل بها، ومثلهم كذلك بمن أسلم حديثاً وهو في منطقة نائية تمنعه من أن يصل العلم ويطلبه من مظانه، كما تمنع العلم من أن يصله، ومثل هؤلاء لا خلاف أنهم يعذرون بالجهل ما داموا يعيشون ظروفهم القاهرة تلك، التي لا يستطيعون الفكاك منها، وأن لا إله إلا الله تنفعهم وتنجيهم من نار جهنم .
وعليه فإننا نقول: لا يجوز قياس العاجز على القادر المستطيع أو العكس، وحمل الأحكام التي تقال في الجاهل العاجز على العالم القادر وتعميمها عليه .
ولو سُئل حذيفة -رضي الله عنه- أو غيره من أهل العلم، عن أناس انتشر العلم في زمانهم وظهر، وسهل طلبه لمن يريده ويسعى إليه، ثم هم مع ذلك لا يأتون بشيء من أركان الإسلام وواجباته سوى مجرد التلفظ بشهادة التوحيد.. أتراهم كانوا سيقولون عنهم: أن اكتفاءهم بتلفظ شهادة التوحيد ينفعهم وينجيهم من النار، وإن لم يأتوا بشيء من أركان الإسلام، وأعماله الظاهرة والباطنة ؟! اللهم لا، وألف لا ..!
قال ابن تيمية: إن العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وإلا متى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيه، لم يكن معذوراً[6] (1).
خلاصة القول: أن الحديث ليس فيه أدنى دلالة على عدم كفر تارك الصلاة، وإنما يدل على مبدأ العذر بالجهل المعجز الذي لا يمكن دفعه، وحمل الحديث على غير هذا المعنى هو من بـاب تحميل المعاني ما لا تحتمل .
وقول الشيخ الألباني أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة، ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها . هو قول أقرب ما يكون إلى قول أهل التجهم والإرجاء، وقد تقدم إغلاظ السلف وتكفيرهم لمن يقول بهذا القول .
قال الإمام أحمد: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على أمره، وعلى الرسول ما جاء به عن الله .انتهى .
وقال ابن تيمية في الفتاوى(7/142): قال تعالى:{ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق.انتهى.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب،كما في مجموعة التوحيد، ص 83: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما . انتهى .
وقال ابن القيم: مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته، وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم، وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده، ولا بمعرفة القلب مع ذلك، بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسولـه وانقياده لدينه، والتزامه طاعته ومتابعة رسوله [7] .
وقال الشيخ سليمان آل الشيخ في رده على صاحب المقدمة، في كتابه النافع" توحيد الخلاق ": إنه فهم أن الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق القلبي وإن لم يوجد عمله، وقد رد البخاري وغيره من الأئمة الأعلام على هؤلاء القوم اللئام وبينوا غلطهم وسوء اعتقادهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة ..انتهى .
وقد أخطأ الشيخ ناصر عندما قول ابن القيم ما لم يقل وحرف قوله انتصاراً لمذهبه في الإيمان، وذلك عندما نسب إليه قوله: " أن الكفر نوعان: كفر عمل . وكفر جحود واعتقاد " بينما قول ابن القيم كما في كتابه الصلاة:" أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد " فبدل قوله " جحود وعناد " إلى " جحود واعتقاد " انتصاراً لقوله في حصر الكفر في الجحود والاعتقاد القلبي فقط ..!! [8] .
وقد أخطأ ثانية عندما اجتزأ ـ في رسالته حكم تارك الصلاة ـ كلام ابن القيم وحذف منه مالا ينبغي له ليظهره أنه على قوله في حكم تارك الصلاة ..وبشيء من المتابعة يجد القارئ المنصف الفارق الكبير بين الشيخين من حيث المنهج والاعتقاد، والاستدلال، والتقريرات والأحكام وبخاصة في مسألتنا هذه حكم تارك الصلاة !!

 


[1] يَدرس: أي يمحو وتذهب معالمه وآثاره . وشي الثوب: أي نقشه .
[2] السلسلة الصحيحة: 1/127_130.
[3] رسالة حكم تارك الصلاة للشيخ الألباني،ص61، الطبعة الأولى.
[4] لأن الحديث في سنده أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو من المرجئة، والحديث المذكور مما يتعلقون به وبأمثاله من الأحاديث الواردة في الموضوع، ولأن روايته من غير الأعمش فيها اضطراب وأوهام كما قاله أحمد وجماعة، وهذا منها، ولأنه قد رُمي بالتدليس، وهذا الحديث رواه بالعنعنة فيخشى أن يكون قد دلس .( عن فتوى لرئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء . رقم الفتوى:7649، بتاريخ1/11/1404هـ).
[5] عن شرح العقيدة الطحاوية ، ط المكتب الإسلامي، ص271.
[6] رفع الملام، ص114.
[7] مفتاح دار السعادة:1/93_94.
[8] حكم تارك الصلاة للألباني، 38.وكتاب الصلاة لابن القيم،55.

   
F ¥ E