الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين
ـ المقدمة الثانية: وجوب الوفاء بالعهود والعقود، وبيان أن الغدر حرام.
  الوفاء بالعهود والعقود والمواثيق وعدم الغدر .. من جملة المعاني الكثيرة التي شوشت صورتها وحقيقتها في أذهان كثير من الناس؛ حيث حُصرت في صور باهتة ضيقة، مما أدى بهم إلى الاستهانة بحرمات العهود والعقود، والمواثيق، فاستحلوا الغدر والخيانة لأتفه الأسباب والعوارض، ولم تعد الكلمة تُلزم الرجال، لندارة الرجال في الرجال، حيث ترى أحدهم ـ مع تعاظم مظهره الإسلامي ـ يعطي عهداً وميثاقاً مغلظاً في الصباح لينقضه بعد سويعات في المساء، ويعطيه في المساء لينقضه بعد سويعات في صباح اليوم التالي، وكما يقولون في المثل: كلام الليل يمحوه النهار .. وأعطي كلاماً ولا تدفع ثمناً .. وهو كلام بكلام ..!
فضعفت الذمم .. وفُقدت الأمانة .. وقلَّ الأمناء .. حتى يُقال في بني فلان رجل أمين .. وفشى الكذب والغدر ـ أقبح بهما من خلق ـ حتى صار الغدر ـ في عرف كثير من الناس – كياسة وشطارة، وذكاء ورجولة ..!
مما حمل القوم على الاعتداء على حقوق الآخرين، واستحلال حرماتهم بغير وجه حق، وهذا لم يقتصر بين المسلم والكافر وحسب، بل بين المسلم وأخيه المسلم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لذا فقد تعين البيان والتذكير بأهمية الوفاء بالعهود والعقود في دين الله .. وأن الغدر لا يليق بالمؤمنين .. وهو من سمات المنافقين .. ومن كبائر الذنوب التي تستوجب لصاحبها الوعيد والعذاب.
قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}المائدة:1.
قال ابن كثير في التفسير 2/4: قوله تعالى:{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحدٍ يعني بالعقود العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعقود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}يعني العهود، يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حدّ في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثواا-هـ.
وقال تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}النحل:91.
قال القرطبي في التفسير 10/169 : قوله تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} لفظ عام لجميع ما يُعقد باللسان ويلتزم الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة ا- هـ.
وقال تعالى:{وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}النحل:95.
قال القرطبي 10/173 : قوله تعالى:{وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، نهى عن الرّشا وأخذ الأموال على نقض العهد؛ أي لا تنقضوا عهودكم لعرَض قليل من الدنيا ا- هـ.
وقال تعالى:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}الإسراء:34.
قال ابن كثير في التفسير: قوله{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}أي الذين تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يُسأل صاحبه عنه ا- هـ.
وقال القرطبي في التفسير: قيل إن العهد يُسأل تبكيتاً لناقضه، فيقال: نقضت، كما تسأل الموؤدة تبكيتاً لوائدها ا-هـ .
ـ الغدر ونقض العهد من خلق وصفات المنافقين والكافرين.
قال تعالى:{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}البقرة:27.
قال ابن كثير في التفسير: وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين ا- هـ.
وفي رواية عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: سألت أبي ـ أي عن المراد من هذه الآية ـ فقال: هم الحرورية؛ يعني الخوارج!
وقال تعالى:{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}البقرة:100.
قال القرطبي في التفسير: قال عطاء: هي العهود التي كانت بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين اليهود فنقضوها، كفعل قريظة والنضير ا-هـ .
وقال تعالى:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}البقرة:27.
قال ابن كثير في التفسير: أخبر تعالى أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين كلما عاهدوا عهداً نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه ا- هـ.
وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}الرعد:25.
قال القرطبي في التفسير: قال سعد بن أبي وقاص: والله الذي لا إله إلا هو إنهم الحرورية ا- هـ . يعني الخوارج، الذين عُرفوا بنقضهم للعهود .. وما يتبعون ذلك من إفساد في الأرض، وقد تقدم.
وقال ابن كثير في التفسير: هذا حال الأشقياء وصفاتهم وذكر ما لهم في الآخرة ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون .. كما ثبت في الحديث:" آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " وفي رواية:" وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ". ولهذا قال:{أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} وهي الإبعاد عن الرحمة {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} وهي سوء العاقبة والمآل.
وقال أبو العالية في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ}، قال هي ست خصال في المنافقين إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا ا- هـ.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " البخاري.
وفي رواية عند مسلم:" أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر ".
وهذه خصال من اعتادهن وألفهن في حياته حتى أنه يُذكر حينما تُذكر هذه الخصال، يخشى عليه أن ينتهي به الحال إلى النفاق الخالص الأكبر الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام والعياذ بالله.
قال الخطابي: معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تُفضي به إلى حقيقة النفاق ا- هـ.
وإذا كان نقض العهود والمواثيق من خلق وطبائع المنافقين والكافرين، فإن المؤمنين الموحدين على نقيضهم تماماً؛ حيث أن من أخلاقهم وصفاتهم الوفاء بالعهود إذا عاهدوا .. كما قال تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}البقرة:177. قلت: هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات، والتي منها{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}، هم الذين صدقوا في إيمانهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} حقاً.
قال القرطبي في التفسير:{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} أي فيما بينهم وبين الله تعالى، وفيما بينهم وبين الناس ا- هـ.
وقال تعالى:{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ}الرعد:20.
قال القرطبي في التفسير: هذا من صفة ذوي الألباب، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد الله ا- هـ.
وقال ابن كثير في التفسير: وليسوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان ا- هـ.
وقال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}المعارج:32. قال ابن كثير في التفسير: أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين .. ا- هـ.
ـ دلالة السنة على وجوب الوفاء بالعهود، وعلى حرمة الغدر.
تحت باب ما يجوز من الشروط في الإسلام، أخرج البخاري في صحيحه عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" لما كاتب سُهيل بن عمرو يومئذٍ كان فيما اشترط سُهيل بن عمرو على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يأتيك منا أحد ـ وإن كان على دينك ـ إلا رددتَه إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سُهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، فردَّ يومئذٍ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردَّه في تلك المدة وإن كان مسلماً "، التزاماً بالعهد .. وحتى لا يُقال أن الغدر من دين محمد -صلى الله عليه وسلم-!
وفي رواية في الصحيح كذلك، فقال سهيل:" وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ـ وإن كان على دينك ـ إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُردُ إلى المشركين وقد جاء مسلماً ؟!
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أُقاضيك عليه أن ترده إلي . قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً ؟! ألا ترون ما قد لقيت ؟! وكان قد عُذب عذاباً شديداً في الله ".
قال ابن حجر في الفتح 5/407 : زاد ابن إسحاق فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً ".
قلت: تأمل كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد آثر وقدم أن يرد أبا جندل إلى المشركين ـ وإن أدى ذلك إلى أن يُعذب وأن يُفتن ـ على أن لا يغدر بالعهد الذي أمضاه وأعطاه للمشركين ..!
وهذا إن دل فهو يدل على الدرجة العالية الرفيعة التي أولاها الإسلام للوفاء بالعهود، وعلى شدة حرمة الغدر بالعهد وإن كان في ذلك هلاك بعض المسلمين، ونوع فتنة لهم ..!
ونحوه ـ كما في الصحيح ـ عندما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بصيرٍ بأن يلحق بقومه المشركين، وسلمه للرجلين الكافرين اللذين جاءا في طلبه، وفاء بالعهد الذي تم التعاقد عليه في الحديبية.
قال ابن حجر في الفتح 5/411: وفي رواية ابن إسحاق، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" يا أبا بصير إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك " فقال: أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبونني ؟! قال:" اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً ".
يا سبحان الله إلى هذا الحد تُراعى حرمة العهود في ديننا .. لا غرابة ـ أخي المسلم ـ ولا عجب من ذلك إذا علمت أنها أخلاق النبوة الرفيعة التي لا يعلوها ولا يوازيها أخلاق .. صلى الله على نبينا وقدوتنا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
فتأمل يا من يهون عليه الغدر ونقض العهد من أجل دريهمات يقتاتها بالحرام؟!
وأخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه الخبر، فقال:" انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم "!
تأمل المانع لحذيفة -رضي الله عنه- من المشاركة ـ بأمر وإذن من النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ في أشرف وأعظم معركة يخوضها المسلمون عبر تاريخهم على الإطلاق، وإلى يوم القيامة؛ إنما هو الوفاء بالعهد الذي كان قد أعطاه حذيفة للمشركين، حتى لا يُساء إلى سمعة هذا الدين؛ فيقال أن أصحاب محمد ينقضون العهد ..!
قال النووي في الشرح 12/144: وفيه الوفاء بالعهد، وقد اختلف العلماء في الأسير يعاهد الكفار أن لا يهرب منهم، فقال الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون لا يلزمه ذلك بل متى أمكنه الهرب هرب، وقال مالك: يلزمه ا- هـ.
ونحن هنا لسنا في صدد ترجيح أحد القولين، وإنما أردنا أن نظهر قيمة وحرمة العهد في الإسلام، والتي بلغت حداً أن المسلم لو أعطى الكفار عهداً بأن لا يهرب منهم ومن سجنهم للزمه الوفاء على قول مالك!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" إن الغادر يُنصب له لواءٌ يوم القيامة فيُقال: هذه غدرة فلان بن فلان "متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُعرف به "متفق عليه .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لكل غادرٍ لواءٌ عند استه يوم القيامة " مسلم . وفي رواية:" لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره "مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً "[1]. وفي رواية:" مَن أمَّن رجلاً على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة "[2].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من قتل نفساً معاهدة بغير حلها، حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها "[3].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً " البخاري.
وفي رواية:" من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً " البخاري.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من قتل معاهداً في غير كُنْهه حرَّم الله عليه الجنة "[4].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ فأنا حجيجه يوم القيامة "[5].
وفي رواية:" ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة "[6].
وقوله -صلى الله عليه وسلم- " من ظلم معاهداً "؛ أي من ظلمه في داره من قِبَل من يدخل في عهدهم وأمانهم من المسلمين، أو من ظلمه في ديار المسلمين بعد أن دخلها بعهدٍ وأمان من المسلمين، فالحديث يشمل المعنيين .. فليتنبه هؤلاء الذين يهون عليهم ـ لشبه واهية مرفوضة لا قيمة لها في ميزان العلم ـ أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- حجيجهم وخصمهم يوم القيامة!
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" ألا لا يحلُّ ذو نابٍ من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطَةُ من مال معاهدٍ إلا أن يستغني عنها .."[7]. فإذا كانت اللقطة المرمية في الشارع من مال المعاهد المستأمَن لا تحل ولا تجوز .. فكيف بماله المصان المحفوظ .. فكيف بدمه وسائر حرماته .. لا شك أنها أشد حرمة وأغلظ!
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك "[8].
أفاد الحديث أن السيئة لا تُقابل بالسيئة، وإنما تُقابل وتُدفع بالتي هي أحسن، كما قال تعالى:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}المؤمنون:96. وقال تعالى:{وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}فصلت:34.
فكما أنه لا يجوز خيانة الخائن ومقابلة خيانته بخيانة، كذلك لا يجوز مقابلة الغدر بغدر آخر، أو مقابلة السرقة بالسرقة، أو الزنى بحريم الزاني، أو قتل أطفال من قتل أطفال الآخرين .. فالمقابلة بالمثل في هذه المواضع ـ بذريعة أن العين بالعين ـ لا تصدر إلا عن جاهل قليل الورع .. وهي مخالفة للنصوص الشرعية العديدة التي تفيد أن المرء لا يؤخذ بجريرة غيره، كما قال تعالى:{وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}الأنعام:16. فقاعدة أن المعاملة بالمثل ليست على إطلاقها ـ كما يظن البعض ـ وإنما في مواضع دون مواضع بحسب ما بينته قواعد ونصوص الشريعة.
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له "[9] وهذا من أشد ما قيل في عواقب الغدر ونقض العهد والأمان؛ لأن الإيمان والدين لا ينتفيان عن المرء إلا لذنب عظيم .. وكبيرة من كبائر الذنوب!
قلت: من ينتفي عنه مطلق الأمانة، ومطلق الوفاء بالعهد، فهذا لا يكون مؤمناً ولا مسلماً، والحديث يحمل على ظاهره؛ وهو انتفاء مطلق الإيمان والدين المؤدي إلى الكفر والعياذ بالله.
أما من ينتفي عنه بعض الأمانة والعهد فإنه ينتفي عنه من الإيمان والدين بقدر ـ ونوعية ـ ما ينتفي عنه من الأمانة والعهد، والله تعالى أعلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" إني لا أَخيسُ بالعهد "[10]. أي لا أنقضه ولا أسيء له.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" مَن كان بينه وبين قومٍ عهد فلا يشدُّ عُقدَةً ولا يحلُّها حتى ينقضي أمدُها أو ينبذ إليهم على سواء "[11].
والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تُحصر في هذا الموضع، وطالب الحق يكفيه من كل ما تقدم حديث واحد أو دلالة حديث واحد لينصاع إلى الحق ويلتزمه .. وهو رجاؤنا ومطمعنا من هذا البحث .. أما صاحب الهوى والأخلاق الردية .. رقيق الدين والذمة والعهد .. لو سقت له مجموع أدلة الكتاب والسنة .. وجميع أقوال علماء الأمة فلن ينتفع منها .. ولن يُصغي إليها .. ويأبى إلا أن ينصاع لهواه .. وما تميل إليه أخلاقه الردية!
خلاصة القول: أن الغدر بالعهود والوعود حرام؛ وحرمته مغلظة ومشددة في ديننا، وهو من أخلاق الكافرين والمنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار .. فلينظر كل امرئٍ لنفسه ودينه أين هو من دين الله، وأين هو من أخلاق وعظمة هذا الدين، ومن أخلاق سيد الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وسلم-، وأخلاق الأولين من أصحابه والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين؛ الذين أُمرنا بأن لا نلتفت عن طريقتهم وهديهم وأخلاقهم إلى من سواهم من المتأخرين، ممن لم تُؤمن عليهم الفتنة، ممن حطت بهم هممهم وأخلاقهم وطبائعهم السفلية عن النهوض والارتفاع إلى مستوى أخلاق وعظمة هذا الدين، وبخاصة أننا في الزمان الذي أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله:" يصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يُقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، وحتى يُقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان " متفق عليه. نعوذ بالله من الخذلان .. ونسأله تعالى الثبات والعفو والعافية.

 


[1] رواه النسائي وابن ماجة، وأحمد، السلسلة الصحيحة:440.
[2] السلسلة الصحيحة:440.
[3] صحيح سنن النسائي:4423.
[4] صحيح سنن النسائي: 4422. وقوله " في غير كنهه "؛ قيل: وقته، وقدْرُه، وقيل غايته؛ يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله ( النهاية ).
[5] صحيح سنن أبي داود: 2626.
[6] صحيح الجامع الصغير: 2655.
[7] صحيح سنن أبي داود: 3229.
[8] أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة:423.
[9] أخرجه أحمد.
[10] صحيح سنن أبي داود:2396.
[11] صحيح سنن أبي داود:4423.

   
F ¥ E