الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين
ـ المقدمة الثالثة: إظهار أخلاق هذا الدين في التعامل مع الكافرين لا يتعارض مع عقيدة الولاء والبراء في الإسلام.
  يظن البعض ـ ممن ضاقت بهم طبائعهم وأخلاقهم السفلية .. وغلب عليهم الجهل ـ أن من لوازم عقيدة الولاء والبراء في الإسلام التعامل مع الكفار ـ ممن دخلوا في أمانهم وعهدهم ـ بطريقة منفرة وغير أخلاقية؛ طريقة لا تعرف غير الأذى والسب واللعن، والسطو والغدر، والغش والكذب وغير ذلك مما يُشين .. وأن خلاف ذلك يعني ـ في عرفهم وفقههم الغريب الغوغائي ـ الدخول في موالاتهم، والركون إليهم ..!
أقول: وهذا خطأ شنيع لم يسبقهم إليه أحد ممن لم يُتهم في أخلاقه ودينه، فالتعامل مع الكافرين وفق أخلاق وتعاليم هذا الدين الحنيف شيء، والدخول في موالاتهم والركون إليهم شيء آخر .. وأن أحدهما لا يستلزم مطلقاً الوقوع في الآخر، وإليك بيان ذلك بشيء من التفصيل.
عندما أمر الله تعالى بإجارة الكفار والمشركين ـ إن طلبوا الجوار والأمان ـ حتى يسمعوا كلام الله تعالى، وتبلغهم دعوة التوحيد، كما قال تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ}التوبة:6.
أقول: لم يفهم من ذلك الصحابة ـ رضوان الله تعالى عنهم ـ التعارض مع ما يجب عليهم من البراء والمعاداة للكفر والكافرين، مع علمهم بما يكتنفه مفهوم الجوار من إحسان ورعايةٍ وحماية تُعطى للمستجير إلى أن يعود آمناً إلى مسكنه ومأمنه الذي جاء منه!
وكذلك لما أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين الكافرين، وبمصاحبتهما في الدنيا معروفاً، كما قال تعالى:{وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}العنكبوت:8. وقال تعالى:{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}لقمان:15.
أقول: لم يفهم الصحابة والتابعون لهم بإحسانٍ من هذا التوجيه الرباني الدخول في موالات الوالدين الكافرين والركون إليهما، فبرهما والإحسان إليهما ومصاحبتهما في الدنيا معروفاً شيء، وطاعتهما ومتابعتهما على الكفر والشرك شيء آخر.
وفي الحديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدِمت عليَّ أُمي راغبةً ـ أي طامعة بما عندي تسألني الإحسان والعطاء ـ في عهد قريش، وهي راغمةٌ مشركة ـ أي كارهة للإسلام مشركة ـ أفأصلها؟ قال:" نعم؛ صلي أُمَّكِ "[1].
وعندما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألف قلوب بعض من هم أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان بالإحسان والعطاء الجزيل ليستميل قلوبهم إلى الإيمان وليمكن الإسلام في صدورهم، كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- : لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يُعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي[2].
عندما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك لم يكن ـ حاشاه ـ موالياً للكافرين ولا محباً لهم، وإن كان يحب لهم خير الهداية ويجاهد من أجل إيصالها إليهم؛ فأن تحب الكافر لذاته وشخصه ودينه شيء، وأن تحب له خير الهداية وتحرص على هدايته بالوسائل المشروعة شيء آخر!
والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن موالياً للكفار المشركين عندما كان يحافظ على أماناتهم التي أودعوها عنده، في الوقت الذي كان يلقى منهم كل حرب وعداء، حتى لقبوه وهم خصومه وأعداؤه الألداء بالصادق الأمين!
ولما سأل الأخنس أبا جهل ـ عدو الإسلام الأول وفرعون هذه الأمة ـ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال أبو جهل: ويحك والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، وإني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لعبد مناف تبعاً ..؟!
هذه شهادة ألد أعداء الأمة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وبأخلاقه وأمانته وصدقه .. رغم عداوته الشديدة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللإسلام .. إلا أنه لم يستطع أن يصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يُشين؛ لأنه لو فعل سيُعرف بين العرب جميعاً أنه كذاب!
وعندما قال -صلى الله عليه وسلم- :" من قتل نفساً معاهدة بغير حلها، حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها "، لم يكن -صلى الله عليه وسلم- ـ حاشاه ـ يدافع عن الكفار والمشركين بغير وجه حق، ولا محباً لهم ولدينهم، وإنما كان يظهر أخلاق هذا الدين، وكان يريد أن يربي أصحابه وأتباعه على قدسية الوفاء بالعهد ولو كان ذلك مع أعدائهم من الكافرين!
عندما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا جندل ـ وغيره ممن جاءه مسلماً في فترة صلح الحديبية ـ بأن يعود إلى كفار قريش رغم ما سيلاقيه من عذاب وفتنة في دينه، لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ حاشاه ـ يريد أن يعينهم على مسلم، وإنما علل فعله بأن الغدر بالعهد حرام، وأننا أمة لا تعرف الغدر .. وليس من أخلاقها الغدر!
عندما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" أدعو الناس، وبشروا ولا تنفروا " مسلم. إنما أراد الخطاب الراقي الأخلاقي ـ البعيد عن السباب والفحش، والتكلف والمراء ـ الذي يليق بعظمة هذا الدين، الذي يبشر ولا ينفر، ويرغب الآخرين بهذا الدين العظيم!
ومن يتأمل بعض البلدان الأسيوية والإفريقية كإندونيسيا وماليزيا وزنجبار وغيرها من البلدان، وكيف دخل أهلها في دين الله أفواجاً، يجد أن سبب ذلك يعود ـ بعد توفيق الله وهدايته ـ إلى وجود بعض التجار المسلمين اليمنيين والعُمانيين في تلك الديار، وإلى أخلاقهم الرفيعة التي رغبت الملايين من السكان المحليين في الدخول في الإسلام ..!
تصوروا لو أن هؤلاء التجار من المسلمين امتهنوا السطو والسرقة، والغدر وغير ذلك من الأخلاق المشينة بدعوى أن الآخرين مالهم حلال وحرماتهم مستباحة .. ويفعلون ذلك باسم الدين .. أترى أحداً كان سيتابعهم على الدخول في الإسلام، كلا ..!!
ولو تحريت عن سبب إسلام كثير من الأوربيين في هذا العصر .. والذي تجاوز بفضل الله ومنته الملايين منهم .. تجد أن السبب الرئيسي يعود إلى معاملة حسنة تلقاها أحدهم من مسلم ذو خلق حسن شدته للتعرف على الإسلام .. والقراءة عن الإسلام .. فيهديه الله تعالى ويشرح صدره للدخول في الإسلام[3].
قال تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}آل عمران: 159. وهذا قيل بحق الصحابة الأوائل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- .. فاحتمال وقوعه من الكفار حينما يرون من أخلاق المسلمين وبخاصة منهم الدعاة ما ينفر ولا يبشر، من باب أولى .. فالحق ـ لكي يسود ـ لا بد لدعاته وحملته من أن يكونوا على خلق عظيم كما كان قدوتنا ونبينا سيد الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم- على خلق عظيم كما قال تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}القلم:4.
عندما كان إبراهيم -عليه السلام- ـ الذي لا يرغب عن ملته وهديه إلا من سفه نفسه، والذي لنا فيه قدوة حسنة ـ يتلطف في دعوة أبيه وفي خطابه؛ الأب الكافر المعاند الذي كان يدعو إلى عبادة الأصنام من دون الله تعالى .. لم يكن إبراهيم -عليه السلام- ـ حاشاه ـ عندما فعل ذلك موالياً ومناصراً للمشركين ..!
اقرأ هذه الآيات الكريمات وتأمل المعنى الآنف الذكر:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً . يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً}مريم:41-45.
وكذلك تلطف ورفق النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوة عمه أبي طالب ـ الذي آثر إلا أن يموت على الكفر والشرك ـ وغيره الكثير .. والآثار في هذا الباب أكثر من أن تُحصر.
عندما يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بالصدقة على أهل الأديان الأخرى على ما هي عليه من وثنية وكفر وشرك، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-:" تصدقوا على أهل الأديان "[4]. لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك ـ حاشاه ـ موالياً ومظاهراً للكافرين المشركين ..!
عندما أنصف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ذاك الذمي النصراني المصري من ابن الأمير المسلم عمرو بن العاص، وأمره بأن يقتص منه ويضربه كما ضربه .. لم يكن عمر -رضي الله عنه- موالياً للكفار، وإنما كان يحيي أخلاق ومبدأ الإنصاف والعدل ـ حتى مع الكافر المخالف ـ الذي تلقاه من قائده ومعلمه وقدوته محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وعندما صالح أبو عبيدة ابن الجراح نصارى الروم على مدينة دمشق، وكان قد افتتحها خالد ابن الوليد عنوة من جهة الباب الشرقي للمدينة، ولم يكن يعلم ما أمضاه أبو عبيدة مع القوم من الصلح .. رد أبو عبيدة المدينة إلى النصارى وأمضى صلحه معهم، وفاءً والتزاماً بالكلمة التي أعطاها لهم، ولم يُعد ذلك من قبيل مظاهرة المشركين وموالاتهم، وإنما هو من باب إظهار أخلاق الوفاء بالعهد .. وإنصاف الآخرين ولو كانوا أعداء .. وإن أدى ذلك إلى خسارة مدينة بكاملها، وكانت تلك المدينة دمشق ذاتها ..!
كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}المائدة:8.
فالتزام أخلاق ومبادئ هذا الدين شيء، وموالاة الكافرين والركون إليهم ومظاهرتهم على المسلمين شيء آخر .. فأحدهما لا يستلزم الآخر، ولا يعني الآخر .. ولا يخلط بينهما ويجعل أحدهما لازماً للآخر إلا كل جاهل متهم في دينه وأخلاقه ومروءته!
وفي الأثر عن محمد بن الحنفية قال:" ليس بحكيم من لا يُعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدَّاً، حتى يجعل الله له فرجاً ومخرجاً "[5].

 


[1] أخرجه أبو داود، صيحي الترغيب: 2500.
[2] انظر زاد المعاد:3/484. وقيل: إن من المؤلفة قلوبهم من يكون على الكفر الصريح، لكن يُطمع بإسلامه بالعطاء والإحسان إليه!
[3] أتحدى واحداً من هؤلاء الذين عُرفوا بالاستحلاليين .. رغم إقامتهم الطويلة في بلاد الغرب .. أن يذكروا لنا شخصاً واحداً دخل على أيديهم في الإسلام .. فهم من أزهد الناس بهذا الأمر .. علماً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" لأن يهدي اللهُ بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النّعم " أي الجمال الحمراء؛ وهي أنفس أنواع الإبل وأجودها.
[4] السلسلة الصحيحة:2766.
[5] صحيح الأدب المفرد: 682.

   
F ¥ E