الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين
ـ المقدمة الرابعة: خلق الاعتراف بالمعروف والصنيع الجميل والثناء عليه وعلى صاحبه خُلق شرعي وإسلامي.
  من عجائب القوم وغرائبهم، وسوء طبائعهم تحرج البعض منهم من الاعتراف بالجميل والمعروف، أو الثناء عليه وعلى فاعله بالخير إن جاء عن طريق الكافر، ظناً منهم أن ذلك يتعارض مع ثوابت وتعاليم هذا الدين الحنيف .. ومع عقيدة الولاء والبراء!
فيحملهم ذلك على جحود المعروف وعلى أن يقابلوا الحسنة بالسيئة، والإحسان بالإساءة، والمعروف بالمنكر، والجميل بالقبيح، والأمن بالغدر .. ثم تراهم بعد ذلك يقولون: هذا هو الدين، ومَن رغب عنه فقد سفه نفسه، ودخل في موالاة المشركين ..!
وهذا خطأ ظاهر وخُلق مذموم، لا يقدم عليه إلا كل لئيم الطبع والخلق .. وإليك بيان ذلك بشيء من التفصيل.
قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}المائدة:8.
قال ابن الجوزي في زاد المسير 2/306: كونوا قوامين لله بالحق، ولا يحملنكم بغض قومٍ على ترك العدل، اعدلوا في الولي والعدو هو أقرب للتقوى؛ أي إلى التقوى، والمعنى: أقرب إلى أن تكونوا متقين ا- هـ.
قلت: ومن العدل الذي أمرنا به أن نشهد على المرء بما فيه ـ حتى ولو كان كافراً ـ فإن أصاب وأحسن، نقول: قد أصاب وأحسن، وإن أساء نقول: قد أساء.
فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" فاشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء ". أيَّاً كان هذا المحسن أو هذا المسيء، سواء كان كافراً أم مسلماً، يجب أن نشهد عليه بما فيه من غير زيادة أو نقصان .. وخلاف ذلك يدخل في وزر شهادة الزور التي حذر الإسلام منها أشد التحذير!
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من أُعطي عطاءً فوجد ـ أي ما يكافئ به هذا العطاء ـ فليجزِ به، فإن لم يجد فليُثنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر "[1]. أي من أثنى على صاحب المعروف بما هو أهله بين الناس فقد شكره وكافأه، أما من يكتم الثناء والاعتراف بالجميل فقد كفر النعمة، وكفَرَ حق المتفضل عليه والمحسن إليه .. ثم تأمل كيف سمى كتمان الشكر والثناء كفراً، وهذا إن دل فهو يدل على فداحة الذنب وعظمه!
وفي رواية:" من أُلي معروفاً فلم يجد له جزاءً إلا الثناء، فقد شكرَه، ومن كتمَه فقد كفَرَه "[2].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من أُتي إليه معروف فليكافئ به، ومن لم يستطع فليذكره ـ أي بين الناس ـ فإن من ذكره فقد شكره "[3]. أي إن نشر معروفه عليه بين الناس وذكر صاحبه بما هو أهله يكون قد أدى شكره وكافأه!
وفي رواية:" من أولي معروفاً فليذكره، فمن ذكره فقد شكرَه، ومن كتمه فقد كفرَه "[4] .
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر "[5].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لا يشكر الله من لا يشكر الناس "[6].
وقال -صلى الله عليه وسلم- :" لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر ـ لأطلقتهم له " البخاري. علماً أن المطعم مات على الشرك وعبادة الأوثان، ولكن لما كان له صنيع جميل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث أجاره لأيامٍ يوم الشدة في مكة، لما عاد من الطائف .. أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكافئه ويرد جميله بصنيع أجمل، وهو أن يعطيه أسرى بدرٍ ـ الذين تجاوز تعدادهم السبعين رجل ـ إن كلمه بهم ..!
عندما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لم يكن موالياً للمشركين ولا محباً لهم حاشاه، وإنما أراد أن يعلم الأمة خلق الاعتراف بالجميل، وكيف يقابَل المعروف بالمعروف، والإحسان بالإحسان، لا بالغدر والإساءة .. والجحود!
ولما أراد عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- أن يرد جوار الوليد بن المغيرة في مكة، قال له الوليد: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغير الله!
قال الوليد: فانطلق إلى المسجد فاردد عليَّ جواري علانية كما أجرتك علانية، قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليَّ جواري، قال: صدق، قد وجدته وفياً كريمَ الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله ..[7].
فانظر كيف أن الصحابي عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- أنصف المشرك الوليد بن المغيرة .. ووصفه على الملأ بأنه كان معه وفياً كريم الجوار .. ولم يكن ذلك خادشاً لإيمانه .. ولا لعقيدة الولاء والبراء!
وأخرج البخاري في صحيحه أن قريشاً لما أرسلت عروة بن مسعود الثقفي لمفاوضة النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية فكان مما قاله: فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندَعُه؟! فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك!!
تأمل المانع لهذا الرجل ـ وهو على جاهليته وكفره ـ من أن يرد على أبي بكر -رضي الله عنه- بالمثل؛ هو أن لأبي بكر يد فضل عليه ـ في يومٍ من الأيام ـ لم ينسها له، قد منعته من أن يرد عليه بالمثل ..!
أيكون هذا الرجل ـ وهو على كفره وجاهليته ـ أكثر التزاماً وفقهاً بخلق الاعتراف بالجميل والمكافأة عليه من كثير من دعاة هذا العصر ..؟!!
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:" تقوم الساعة والروم أكثر الناس "، فقال له عمرو: أبصر ما تقول ؟ قال: أقول ما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً:" إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك ".
وهذه الخصال الحسنة نلمسها في كثير من البلدان الأوربية في زماننا المعاصر .. والتي بها ظهروا وظفروا وحصل لهم التمكين في الأرض .. والشاهد أن شهادة عمرو بن العاص في الروم ـ الذين يمثلون في زماننا العنصر الأوربي النصراني ـ ووصفه لهم بتلك الأوصاف الجميلة واستحسانه لها لا يمكن أن يُعد من قبيل موالاتهم ومظاهرتهم على المسلمين .. وإنما هو من الإنصاف والعدل الذي تمليه علينا أخلاق هذا الدين وتعاليمه.
قال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث، كما في مختصر صحيح مسلم:" قال صديق حسن خان في الشرح: لم يشرح النووي هذا الحديث ولم يبين المراد بـ ( الروم )، والظاهر أنهم النصارى، وهذه الخصال الخمسة موجودة فيهم، وهم ولاة الأمر اليوم في أكثر الأرض، وهذا معجزة ظاهرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- حيث وقع ما أخبر به مطابقاً لنفس الأمر، ولله الأمر من قبل ومن بعد " ا- هـ.
ونحو ذلك ثناء النبي -صلى الله عليه وسلم- على حلف الفضول لقيامه على معنى شرعي صحيح، علماً أن القائمين عليه كانوا من صناديد وكفار قريش ..!
وعن عقبة بن عامر الجُهَني -رضي الله عنه- أنه مر برجل هيئته هيأة مسلم، فسلّم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إنه نصراني ! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك[8]. وهذا الدعاء منه للنصراني مكافأة له على ابتداره السلام عليه .. فتأمل!
وعن ابن عباس قال: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك ! وفرعون قد مات[9].
وهذا كله من باب مقابلة المعروف بالمعروف، والحسنة بالحسنة، والصنيع الجميل بالثناء الحسن .. ولو كان صاحبه فرعون[10]!
ومن ذلك ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته إلى ملك قبرص، ورؤساء الدين، وعظماء القسيسين والرهبان وغيرهم، جاء فيها[11]: من أحمد بن تيمية إلى سرجواس عظيم أهل ملته، ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين والرهبان، والأمراء والكتاب وأتباعهم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: .. نحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة، فإن أعظم ما عُبد الله به نصيحة خلقه، وبذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين، ولا نصيحة أعظم من النصيحة فيما بين العبد وبين ربه ..
وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلوشاه، وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يُطلقون. فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإنا نفكهم ولا ندع أسيراً، لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله.
وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا خاتم المرسلين حيث قال في آخر حياته: " الصلاة وما ملكت أيمانكم ".
ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمان مالا يحصي عددهم إلا الله، ومعاملتنا فيهم معروفة، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة ولا ذو دين[12]؟!
لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا أخوته، فإن أبا العباس[13] شاكر للملك ولأهل بيته كثيراً، معترف بما فعلوه معه من الخير، وإنما أقول عن عموم الرعية، أليس الأسرى في رعية الملك ؟!
وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وأخوته عندنا، واستعطف قلوبنا إليه فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه، وطلب الخير لهم ..!
والذي أختم به الكتاب، الوصية بالشيخ أبي العباس وبغيره من الأسرى، والمساعدة لهم، والرفق بمن عندهم من أهل القرآن والامتناع من تغيير دين واحد منهم، وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله، ونحن نجزي الملك على ذلك بأضعاف ما في نفسه، والله يعلم أني قاصد للملك الخير لأن الله تعالى أمرنا بذلك، وشرع لنا أن نريد الخير لكل أحد ونعطف على خلق الله، وندعوهم إلى الله وإلى دينه، وندفع عنهم شياطين الإنس والجن.
والله المسؤول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير ... ا- هـ.
قلت: أرجو أن لا يقول هؤلاء الذين قل فقههم، وضاقت بهم طبائعهم وأخلاقهم .. أن ابن تيمية رحمه الله ـ لكلماته الآنفة الذكر ـ قد دخل في موالاة النصارى ومظاهرتهم ..!

 


[1] رواه الترمذي وغيره، صحيح الترغيب والترهيب:958.
[2] أخرجه ابن حبان، صحيح الترغيب:958.
[3] أخرجه أحمد، صحيح الترغيب:962.
[4] رواه الطبراني، صحيح الترغيب:964.
[5] صحيح الترغيب:966 . قلت: شكر الناس يكون بمكافأة الجميل بصنيع جميل يقابله، أو بالدعاء لهم بالخير، أو بالثناء على صاحب المعروف بما هو أهله، كما في الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" مَن صُنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء ".
أما شكر الله تعالى يكون شكر عبادة؛ وصفته أن يحمل العبد على الطاعة لخالقه فيما استخلفه الله عليه من النعم الظاهرة والباطنة، وأن يرد الفضل كله إليه -سبحانه وتعالى-؛ لأنه هو المنعم والمتفضل الحقيقي الذي بيده أسباب الرزق والخير كلها يسخرها كيفما يشاء، ويصرفها إلى من يشاء من عباده .. فالفضل فضله، والمال ماله، والخير كله إليه -سبحانه وتعالى- .
فإن قيل: هل يجوز أن يُدعى للكفار بالخير ..؟!
أقول: نعم يجوز أن يُدعى للكافر بخير الهداية، وهو أسمى وأعظم خيرٍ يُساق للكافر .. فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا بالهداية لأبي جهل فرعون هذه الأمة، وسأل الله تعالى أن يعز الإسلام بأحب الرجلين إليه: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام، فكان أن أعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب .[ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ].
وقد يُشكل على البعض الفرق بين الدعاء للكافر بالرحمة بعد موته، وبين الدعاء له بالهداية في حياته، فالأول لا يجوز لورود النص، والثاني جائز ومستحب .. فتنبه!
[6] رواه الترمذي وأبو داود، صحيح الترغيب:963.
[7] صحيح السيرة النبوية، لإبراهيم العلي: 130.
[8] صحيح الأدب المفرد:847.
[9] صحيح الأدب المفرد:748.
[10] أذكر أن أحد الإخوان حدثني أنه استوقف امرأة من القوم في الطريق يسألها عن عنوان يهمه، فظلت واقفة معه أكثر من عشر دقائق وهي تشرح له، وتبين له كيف السبيل للوصول إلى هدفه وعنوانه .. وعندما انتهت تركها وذهب من دون أن يقول لها عبارة شكر مستعظماً ذلك في نفسه، ظناً أن ذلك لا يجوز، أو ربما يخدش إيمانه وإسلامه .. فما كان من المرأة إلا أن نادته، واستوقفته وسألته: لماذا لم تقل لي شكراً ..؟!!
[11] نثبت من الرسالة ما يناسب المقام والبحث، وهي رسالة كبيرة وقيمة جداً جمعت بين العزة والقوة والفقه والسياسة، والأدب والإنصاف، والرقي في الخطاب في سياق واحد من غير تكلف أو تملق أو إطراء ..!
[12] رغم غدر النصارى ومعاملتهم السيئة لأسرى المسلمين عندهم .. لم يكن ذلك مبرراً لشيخ الإسلام ومن معه من المسلمين أن يغدروا بمن دخل ديار المسلمين بعهد وأمان من قبيل المعاملة بالمثل .. وهذا يدل على أن قاعدة المعاملة بالمثل ليست على إطلاقها؟!
[13] أبو العباس كان أسيراً عند الملك، فُك أسره بفداء ..!

   
F ¥ E