الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين
ـ صفة العقد الذي يتحقق به الأمان.
  فإن قيل: ما هي صفة العقد الذي يتحقق به الأمان المذكور ؟
أقول: يتحقق عقد الأمان المذكور أعلاه من خلال صورتين كلاهما ملزمتان للطرفين بالوفاء بما تم الاتفاق والتعاقد عليه.
الصورة الأولى: تتمثل في التعبير اللفظي أو الخطي عن طلب الأمان والجوار وقبول اللجوء، أو الرغبة في الدخول إلى ديار الطرف الآخر، وهو عادة ما يحصل مع اللاجئ منذ اللحظة الأولى من وصوله إلى الدار الملجِئ؛ حيث يرمي بنفسه إلى النقطة التي يُطلب فيها اللجوء، ثم يبادئهم بالتعريف عن نفسه وعن مظلمته التي نزلت بساحته من أبناء قومه وجلدته في بلده، وعن رغبته وحاجته في الدخول في أمان وجوار الطرف الآخر المُضيف.
والذي يحصل عادة أن الطرف الآخر ـ كما هو حاصل في كثير من الدول الأوربية ـ يجيره ويؤمنه، ويمنحه كثيراً من الامتيازات والخصائص التي لم يكن يحصل عليها وهو في بلده وبين أهله وعشيرته، إلى أن يُبت في طلبه ويُنظر في أمره[1].
وهذا يعتبر من أوثق وأقوى صور العقود التي يجب احترامها والوفاء بها من كلا الطرفين، والغادر بهذا العقد تُحمل عليه جميع النصوص ـ التي تشنع على الغادر غدرته ـ الواردة في المقدمة الثانية من هذا البحث.
الصورة الثانية: تكون على شكل عقد ضمني عرفي متعارف عليه بين الناس على أنه عقد أمان؛ كأن يحصل المرء على فيزة أو تأشيرة تمكنه من دخول البلد الآخر، فهذه الفيزة أو التأشيرة في حقيقتها هي عقد أمان متبادل بين الطرفين، بين المانح للفيزة والتأشيرة وبين طالبها، وإن لم يحصل بينهما تقرير لفظي على عقد الأمان هذا كما تقدم في الصورة أو الصيغة الأولى.
بدليل أن صاحب التأشيرة يُمنح كامل ومطلق الأمان والحماية من قبل الدولة المانحة للتأشيرة، لمجرد كونه يحمل الإذن ـ الذي هو بمثابة عقد أمان ـ بالدخول، بخلاف لو أنه جاءهم بغير تأشيرة دخول فإنه لا يحظى بشيء مما حظي به في حالته الأولى، كما أنه لا يستطيع أن يطالبهم بحقوق الدخول والحماية والأمن كما لو كان يحمل الإذن والتأشيرة في الدخول.
ولو نظرنا في المقابل إلى صاحب التأشيرة وطالبها لوجدنا أنه ـ إما بلسان القال أو بلسان الكتابة والحال ـ قد أعرب للجهة المانحة للتأشيرة عن غرضه من سفره إلى بلادهم؛ فهو إما طالب يقصد الدراسة، وإما لزيارة صديق أو رحم، وإما لغرض العلاج، وإما لغرض العمل والتجارة .. وهذه كلها تلميحات بل وتصريحات تفيد الأمان، وأنه لم يقصدهم لشرٍّ أو سوء، وإنما لأمر من الأمور السلمية الآنفة الذكر .. وعلى هذا الأساس فهم يعطونه التأشيرة والإذن في السفر إلى بلادهم.
وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان من العقلاء، حتى المخالفون لنا في المسألة يعترفون أن الفيزة أو التأشيرة هي بمثابة عقد أمان بين الطرفين!
وهذا العقد ـ وأقصد العقد الضمني العرفي المتعارف عليه بين الناس على أنه عقد وعهد ـ هو عقد شرعي، يجب الوفاء به كالعقد اللفظي، والغدر به كالغدر بالعقد اللفظي لا فرق.
قال تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}الأعراف:199. والعرف الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر به هو كل معروف، وكل " خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس " مما لا يتعارض مع الشرع.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن يُنكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها .. لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحدٍ أبداً " متفق عليه.
قال ابن القيم رحمه الله: فتضمن هذا الحكم أموراً:
أن الرجل إذا اشترط لزوجه أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ ..
ومعلوم قطعاً أنه -صلى الله عليه وسلم- إنما زوَّجه فاطمة رضي الله عنها على ألاَّ يؤذيها، ولا يريبها، ولا يؤذي أباها -صلى الله عليه وسلم- ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشروطاً في صلب العقد؛ فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه.
فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفاً كالمشروط لفظاً وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه، فلو فُرض من عادة قوم أنهم لا يُخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون الزوج من ذلك البتة، واستمرت عادتهم بذلك؛ كان كالمشروط لفظاً، وهو مطرد على قواعد أهل المدينة.
وقواعد أحمد رحمه الله؛ أن الشرط العرفي كاللفظي سواء ..
وعلى هذا فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة، ولا يمكنونه من ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك كان كالمشروط لفظاً.
وكذلك لو كانت ممن يُعلم أنها لا يمكن إدخال الضرة عليها عادة لشرفها، وحسبها وجلالتها، كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظاً.
وعلى هذا فسيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء بهذا، فلو شرطه علي -رضي الله عنه- في صلب العقد كان تأكيداً لا تأسيساً[2]ا- هـ.
وقد تقدم أن الرسل لا تُقتل، ولا يعتدى عليها في شيء وفاءً لشرطٍ عرفي قد تضافرت أعراف الناس على إقراره ومراعاته واحترامه، فأصبح الوفاء به كالوفاء بالشرط اللفظي سواء.
وسيأتي معنا ـ إن شاء الله ـ مزيد من الكلام لأهل العلم الذي يؤكد أن التعامل مع الأمان العرفي كالتعامل مع الأمان اللفظي؛ يجب إنفاذه والعمل بمقتضاه، إذ لا فرق بين الأمانين أو العقدين.
وعليه فإننا نقول: إن القادم إلى بلاد الكفر ـ أيَّاً كان الغرض من قدومه وسفره ـ عن طريق حصوله على التأشيرة أو الفيزة[3]، فهو في الحقيقة يوجد بينه وبين الدولة المانحة للتأشيرة عقد أمان عُرفي، وإن لم يشترطوا عليه الأمان لفظاً، يجب عليه الوفاء به، والعمل بمقتضاه، وإن كنا نعتقد أن التأشيرة ـ وما يتبعها من معاملات وإجراءات للحصول عليها ـ ترقى إلى درجة الأمان اللفظي.

 


[1] للإنصاف .. ولكي يعلم الظالمون من طواغيت الحكم في بلادنا، نقول: أن مما يحصل عليه اللاجئ ـ إلى بلاد الغرب ـ ومن أيامه الأولى: السكن المجاني، والمال الذي يكفيه للإنفاق على نفسه وأهله، وتأمين جميع الخدمات الصحية والتعليمية مجاناً، مع الحماية الكاملة له ولأهله من أي اعتداء يستهدفه .. كما له كامل الحرية في أن يتنقل في أطراف البلاد كيفما يشاء، إضافة إلى الحريات المعروفة الأخرى ..!
وعندما يحصل لأحدهم أي تقصير من قبل القوم تراه يطالبهم بحقوقه بكل جرأة ووقاحة، وكأنه من أهل البلد ومن مؤسسيها القدامى ..!!
ثم بعد كل ذلك تراه يتشبع ويتظاهر لك بما ليس فيه ولا عنده، ويقول بكل خسة ووقاحة: أنه حربي، ومقاتل، ولا يوجد بينه وبين القوم عهد أو أمان يرعاه ويلتزمه ..!!
تراه يتصرف كالطاووس، وكأنه يعيش في خيام هارون الرشيد، ولولا ذرة الحياء المتبقية لخاطب الغيمة السوداء وهي في السماء بأن تهطل حملها من المطر أينما شاءت فإن خراجها سيأتيه .. وهو في حقيقة أمره يعيش في خيام القوم يقتات من فتاتهم ..!!
صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" إذا لم تستحي فاصنع ما شئت "، وقال -صلى الله عليه وسلم- :" مَن تشبع بما لم يُعط فهو كلابس ثوبي زور ".
[2] عن فقه السنة:2/105.
[3] سواء حصل عليها من سفارة الدولة .. أو من نقطة الحدود أو العبور، فلا فرق.

   
F ¥ E