|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين |
| ـ بيان الحكم، والنتيجة المستخلصة: |
|
|
بناءً على ما تقدم فإننا نصل إلى نتيجة صحيحة وشرعية لا تتخلف،
وهي: أن من يدخل إلى بلاد الكفر عن طريق طلب اللجوء أو التأشيرة
سفر فإنه يوجد بينه وبين القوم عهد أمان يحرم عليه ترويعهم أو
الاعتداء على أنفسهم أو أموالهم أو أي شيء من حرماتهم، وأيما امرئٍ
لا يراعي ذلك ولا يحافظ عليه فهو غادر بالعهد والأمان، وواقع في
كبيرة من الكبائر، تُحمل عليه جميع نصوص الوعيد الخاصة بالغدر
والواردة في المقدمة الثانية من هذا الكتاب .. والمال الذي يتحصل
عليه منهم عن طريق السرقة أو الغش والكذب والاحتيال هو مال حرام،
وكسب خبيث، يجب رده إلى أصحابه .. ولا يتشفع له تسميته للسرقة ـ
زوراً ـ بالغنائم، أو قوله عنها بأنها حلال!!
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره، أن المغيرة بن شعبة كان
صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم!، ثم جاء فأسلم، فقال
النبي -صلى الله عليه وسلم- :" أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال
فإنه مال غدرٍ لا حاجة لنا فيه ".
قال السرخسي في كتابه المبسوط 10/96: أكره للمسلم المستأمِن إليهم
في دينه أن يغدر بهم لأن الغدر حرام، قال -صلى الله عليه وسلم- :"
لكل غادر لواء يركز عند باب أسته يوم القيامة يعرف به غدرته "، فإن
غدر بهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه
إذا علم ذلك لأنه حصله بكسب خبيث، وفي الشراء منه إغراء له على مثل
هذا السبب وهو مكروه للمسلم، والأصل فيه حديث المغيرة بن شعبة -رضي
الله عنه- حين قتل أصحابه وجاء بمالهم إلى المدينة فأسلم، وطلب من
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخمس ماله، فقال:" أما إسلامك
فمقبول، وأما مالك فمال غدر فلا حاجة لنا فيه "ا- هـ.
وقال ابن حجر في الفتح 5/402: ويستفاد منه ـ أي حديث المغيرة ـ أنه
لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً؛ لأن الرفقة يصطحبون
على الأمانة، والأمانة تُؤدى إلى أهلها مسلماً كان أو كافراً، وأن
أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة ا- هـ. لا بالغدر
والخيانة!
قلت: لا يوجد بين المغيرة وأصحابه عقداً لفظياً بالأمان، ولكن لما
عُلم بالعرف والعادة أن الصحبة في السفر لا تكون إلا بأمان، فكان
الغادر من الأصحاب بأصحابه غادراً بالأمان العرفي الذي بينهم ..
فتأمل!
وهذا يؤكد ـ ما تقدم ذكره ـ أن كل ما هو أمان في العرف هو أمان
ملزم في الشرع يجب إنفاذه وعدم الغدر به .. شأنه شأن الأمان
اللفظي[1].
ثم تأمل قوله ـ رحمه الله ـ:" أن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة
والمغالبة "؛ أي ليس بسوى ذلك، وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، فعض
عليه بالنواجذ ولا تلتفت إلى ما سواه!
ومثاله ـ إضافة لما تقدم ـ نقول: لو اجتمع في صف مدرسي طالب مسلم
وطالب كافر، فلا يجوز للطالب المسلم أن يسرق الطالب الكافر بزعم
أنه لا يوجد عقد أمان لفظي بينهما؛ لأن الموقف ذاته هو موقف أمان
عرفي، لتعارف الناس على أن مقاعد الدراسة مكان أمن وأمان ـ لا حرب
وقتال ـ لا يجوز الغدر به، لذا لا يُعرف من عادة الناس أنهم يأخذون
العهود والمواثيق على الطلاب طالباً طالباً بأن لا يسرقوا الآخرين؛
لأن هذا أمر مفروغ منه ومن العبث توكيده باللسان[2]..!!
وكذلك لو اشتغل المسلم كعامل أو أجير عند الكافر، لا يجوز له أن
يسرقه أو يغشه بزعم أن ماله حلال، ولا يوجد عقد أمان لفظي بينهما،
لأن العمل ذاته هو عقد أمان عرفي بين الطرفين، وكون صاحب العمل
ارتضى عاملاً يعمل عنده والآخر وافق على ذلك .. فهذا بحد ذاته عقد
أمان بين الطرفين لا يجوز الغدر به .. إذ لا يُعقل أن يقول صاحب
العمل لعامله عليك عهد الله وميثاقه أن لا تسرقني ولا تغدر بي ..
فهذا معلوم بداهة وعرفاً لمجرد رضاهما بالعمل معاً .. ولو حصل شيء
من هذا لعده الطرف الآخر شتماً له وانتقاصاً من أمانته وعفته
وكرامته، ولربما أدى إلى تركه للعمل معه كلياً؛ لأن هذا التوكيد هو
توكيد لما هو معلوم بداهةً وعرفاً للناس جميعاً!
والأمثلة على الأمان العرفي في واقعنا وحياتنا العملية هي أكثر من
أن تُحصر في هذا الموضع لو أردنا أن نتتبعها ونذكرها .. فتنبه
لنفسك ولدينك ـ يا مسلم يا عبد الله ـ وانظر أين أنت منه .. واحرص
على أن تكون من أهل الوفاء لا الغدر، وأن يكون كسبك، ومطعمك وملبسك
حلال، ولا تغرنك الفتاوى الضالة والشاذة .. فتهلك وتضل.
قال الشافعي رحمه الله في الأم 4/284: وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب
بأمان .. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئاً قلّ
أو كثر؛ لأنه إذا كان منهم في أمان فهم منه في مثله، ولأنه لا يحل
له في أمانهم إلا ما يحل له من أموال المسلمين، وأهل الذمة، لأن
المال ممنوع بوجوه أولها إسلام صاحبه، والثاني مال من له ذمة،
والثالث مال من له أمان إلى مدة أمانه وهو كأهل الذمة فيما يمنع من
ماله إلى تلك المدة ا- هـ.
وقال رحمه الله 4/296: إذا قدم الحربي دار الإسلام بأمان فمات
فالأمان لنفسه وماله، ولا يجوز أن يؤخذ من ماله شيء، وعلى الحاكم
أن يرده إلى ورثته حيث كانوا ا- هـ.
وقال رحمه الله 4/292 : وإذا أسر العدو الرجل من المسلمين فخلوا
سبيله وأمنوه وولوه ضياعهم أو لم يولوه فأمانهم إياه أمان لهم منه،
وليس له أن يغتالهم ولا يخونهم.
وقال: ولكنه ليس له أن يغتالهم في أموالهم وأنفسهم لأنهم إذا أمنوه
فهم في أمان منه، ولا نعرف شيئاً يروى خلاف هذا ا- هـ.
قلت: تأمل قوله " ولا نعرف شيئاً يروى خلاف هذا "، فهو ـ رحمه الله
ـ على سعة علمه واطلاعه على أقوال أهل العلم المتعددة والمختلفة،
لا يعرف لأحدٍ منهم قولاً خلاف قوله هذا!
وقال النووي رحمه الله في الروضة 10/291 : دخل مسلم دار الحرب
بأمان، فاقترض منهم شيئاً، أو سرق وعاد إلى دار الإسلام، لزمه رده،
لأنه ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان ا- هـ.
تأمل كيف وصف فعله بأنه سرقة، ويجب عليه أن يرد ما سرق، وليس كما
يصور بعض ضعاف النفوس على أنه غنيمة، وأطيب كسب .. زعموا!
وقال القاضي أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية، 152: وإذا دخل ـ
أي المسلم ـ دار الحرب بأمان، أو كان مأسوراً معهم فأطلقوه وأمنوه،
لم يجز أن يغتالهم في نفس ولا مال، وعليه أن يؤمنهم كما أمنوه ا-
هـ.
وقال ابن قدامة في كتابه القيم المغني 9/237 : مسألة: من دخل إلى
أرض العدو بأمان، لم يخنهم ولم يعاملهم بالربا.
أما تحريم الربا في دار الحرب، فقد ذكرناه في الربا، مع إن قول
الله تعالى:{وحرم الربا}، وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم
الربا عامة، تتناول الربا في كل مكان وزمان.
وأما خيانتهم فمحرمة؛ لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بتركه
خيانتهم، وأمنه إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكوراً في اللفظ،
فهو معلوم في المعنى، ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضاً
لعهده، فإذا ثبت هذا، لم تحل له خيانتهم لأنه غدر، ولا يصلح في
ديننا الغدر؛ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :" المسلمون عند
شروطهم "، فإن خانهم أو سرق منهم، أو اقترض شيئاً وجب عليه رده ما
أخذ إلى أربابه، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان، أو إيمان
رده عليهم، وإلا بعث به إليهم، لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه،
فلزمه رد ما أخذ، كما لو أخذه من مالٍ مسلم ا- هـ.
وقال رحمه الله في المقنع: يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو
أنثى، حراً أو عبداً، مطلقاً أو أسيراً .. ويصح أمان الإمام لجميع
المشركين، وأمان الأمير لمن جعل بإزائه، وأمان أحد الرعية للواحد
والعشرة والقافلة.
ومن قال لكافر أنت آمن أو لا بأس عليك أو أجرتك أو قف أو ألق سلاحك
أو مترس فقد أمنه، ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فأنكره فالقول
قوله ا- هـ. أي فالقول قول المشرك الذي ادعى أنه مؤمَّن!
وفي الشرح الكبير للمقدسي 10/555: أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب
حرُم قتلهم، ومالهم، والتعرض لهم ا- هـ.
وقال ابن مفلح في المبدع 3/396 :فإن أطلقوه ـ أي من الأسر ـ
وأمنوه، فله الهرب لا الخيانة، ويرد ما أخذ منهم، لأنهم صاروا
بأمانه في أمان منه، فإذا خالف فهو غادر، وإن أطلقوه بشرط أن يبعث
إليهم مالاً باختياره، لزمه إنفاذ المال إليهم إذا قدر عليه، لأنه
عاهدهم على أداء مال، فلزمه الوفاء به، كثمن البيع، وإن عجز عنه
عاد إليهم لزمه الوفاء لهم، نص عليهما ـ أي الإمام أحمد ـ ولأن في
الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم، لكونهم لا يأمنون
بعده، والحاجة داعية إليه ا- هـ. فتأمل ..!
وقال ابن همام الحنفي في شرح فتح القدير 6/17 : إذا دخل المسلم دار
الحرب تاجراً، فلا يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم ودمائهم، لأنه
بالاستئمان ضمن لهم أن لا يتعرض لهم، فإخلافه غدر، والغدر حرام
بالإجماع.
وفي سنن أبي داود عنه عليه الصلاة والسلام:" إن الغادر ينصب له
لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان "، وتقدم قوله عليه الصلاة
والسلام لأمراء الجيوش والسرايا:" لا تغلوا ولا تغدروا " في وصيته
لهم ا- هـ .
ونحوه ما جاء في حاشية ابن عابدين 4/166 : دخل مسلم دار الحرب
بأمان حرم تعرضه لشيء من دم ومال وفرج منهم، إذ المسلمون عند
شروطهم، فلو أخرج إلينا شيئاً ملكه ملكاً حراماً للغدر، فيتصدق به
وجوباً، قيد بالإخراج لأنه لو غصب منهم شيئاً رده عليهم وجوباً ا-
هـ.
وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه السير 2/66: ولو أن
رهطاً من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا: نحن رسل
الخليفة، وأخرجوا كتاباً يشبه كتاب الخليفة، أو لم يُخرجوا، وكان
ذلك خديعة منهم للمشركين، فقالوا لهم: ادخلوا، فدخلوا دار الحرب.
فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب، ولا أخذ شيء من أموالهم ما
داموا في دارهم .
فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم، فيجعل ما أظهروه بمنزلة الاستئمان
منهم، ولو استأمنوا فأمنوهم وجب عليهم أن يفوا لهم، فكذلك إذا ظهر
ما هو دليل الاستئمان، وكذلك لو قالوا: جئنا نريد التجارة ..ا- هـ.
قال شارحه السرخسي: لأن ما أظهروه لو كان حقاً كانوا في أمانٍ من
أهل الحرب، وأهل الحرب في أمانٍ منهم أيضاً لا يحل لهم أن يتعرضوا
لهم بشيء، هو الحكم في الرسل إذا دخلوا إليهم كما بينا، فكذلك إذا
أظهروا ذلك من أنفسهم لأنه لا طريق لهم إلى الوقوف على ما في باطن
الداخلين حقيقة، وإنما يبنى الحكم على ما يظهرون لوجوب التحرز عن
الغدر . وهذا لما بينا أن أمر الأمان شديد والقليل منه يكفي، فيجعل
ما أظهروه بمنزلة الاستئمان منهم، ولو استأمنوهم فأمنوهم وجب عليهم
أن يفوا لهم، فكذلك إذا ظهر ما هو دليل الاستئمان، وكذلك لو قالوا:
جئنا نريد التجارة، وقد كان قصدهم أن يغتالوهم؛ أنهم لو كانوا
تجاراً حقيقةً كما أظهروا لم يحل لهم أن يغدروا بأهل الحرب، فكذلك
إذا أظهروا ذلك لهم ا- هـ.
قلت: والعلة في أن التاجر يجب عليه الوفاء بالعهد هو لتضافر العرف
على أن التجار لم يعرف عنهم ـ في العادة ـ أنهم من أهل القتال، فإن
بدر منهم شيء من ذلك فهو غدر بالأمان الممنوح لهم عرفاً .. وهو
بخلاف المعهود المتعارف عليه!
ومما يستدل به كذلك على حرمة السرقات المسماة بالاستحلال سلوك
الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عندما لجأوا إلى النجاشي ملك الحبشة
ينشدون عنده الأمان .. وكان وقتها لا يزال على كفره .. وداره دار
كفر .. فإنهم كانوا بسمو أخلاقهم خير رسل يمثلون حقيقة هذا الدين،
حيث لم يُعرف عنهم الغدر، ولا شيء مما يفعله ضعاف النفوس من طالبي
اللجوء والأمان ـ في هذه الأيام ـ في ديار الغرب ..!
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح:" الإثم ما حاك في
صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس " مسلم.
وقد عُرف عن كل واحدٍ من هؤلاء الذين تلوثوا في هذا الأمر، أنه
يتحرج أشد الحرج أن يُنسب إليه عمله، وهو يكره من الآخرين أن
يطلعوا عليه أو أن يعرفوا عنه شيئاً من ذلك!
ولو نسبته إلى الاستحلاليين لغضب عليك أشد الغضب، ولربما قاتلك
وقاطعك؛ لأنه يعد ذلك مسبة لشخصه، وطعناً بمروءته ورجولته وأخلاقه
.. وهو بعد كل ذلك يعتبر فعله حلالاً .. ويسألك عن الدليل الذي
يفيد التحريم!!
وقد ذُكر عن بعض من عُرف وضبط بالجرم المشهود ـ وبعد أن سألوه هل
يرضى الإسلام عمَّا تفعل ـ أنه تمنى أن تبلعه الأرض وتنشق من تحته،
قبل أن يُضبط أو يُعرف بهذا الأمر المشين ..!!
وقالت لي إحدى الأخوات التي تلوثت بشيء من ذلك .. ثم ضُبطت .. وددت
لو أني لم أكن متحجبة يومئذٍ .. وأني كنت سافرة .. للآثار السلبية
التي عكستها بفعلها هذا على الإسلام والمسلمين .. وعلى سمعة
المتحجبات من المسلمات!
ثم بعد كل ذلك، يقولون لك بكل جرأة ووقاحة: آتنا بدليل على أن
المسألة حرام ..؟!
نقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" الإثم ما حاك في صدرك
وكرهت أن يطلع عليه الناس ". يكفيك هذا فقط لو كنت فعلاً ممن
يتحرون الدليل .. وينشدون الحق!
ثم إذا كانت المسألة حلالاً ـ كما يزعمون ـ فعلام يتحرجون
ويتضايقون من نسبتها إليهم، ويعدونها سُبة وانتقاصاً لهم ..
ولرجولتهم؟!
إضافة لما تقدم فإن هذا المسلك الخاطئ يجر بصاحبه إلى الوقوع في
معاصي وذنوب أخرى لا تقل إثماً وجرماً عن السرقة والغدر؛ كالكذب،
والغش، وشهادة الزور، وملازمة أقران السوء، والبعد عن مجالسة
الصالحين، وغيرها من السيئات التي تعتبر من لوازم وإفرازات سيئة
السرقة ..!
فالسيئات من عادتها أن تجر وتدل صاحبها إلى أمثالها وغيرها من
السيئات، وهكذا إلى أن يتسع الخرق، ويصعب الترقيع، وتعز التوبة،
كما يقول ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي عندما تكلم عن آثار
المعاصي، فقال: ومنها، أن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها
بعضاً، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض
السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة
الحسنة بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني
أيضاً، فإذا عملها قالت الثالثة كذلك، وهلم جرَّا ، فتضاعف الربح،
وتزايدت الحسنات، وكذلك جانب السيئات أيضاً .. ا- هـ.
وبعد، هذه ـ أخي المسلم ـ أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وآثار
الصحابة، وأقوال جهابذة العلم والدين بين يديك، فاستعصم بها وعض
عليها بالنواجذ، ولا تلتفت عنها إلى بنيات الطريق .. إلى جهالات
ضعاف النفوس من أهل الشغب .. ممن هبطت بهم طبائعهم وأخلاقهم
السفلية .. فتضل وتُضل، وتخسر دنياك وآخرتك.
ـ هي أيضاً حرام لغيرها.
وأقصد إضافة إلى كون المسألة حرام لذاتها لورود النص الذي يفيد
حرمة الغدر، فهي حرام لغيرها أيضاً لما يترتب عليها من مفاسد دينية
ودنيوية لا تحمد عقباها؛ فكم من مسلمة ـ منقبة ـ تعرضت وعائلتها
إلى الإهانات وإلى أن تتكشف عوراتها بسبب تلوثها بهذا العمل
المشين، وبسبب ما تتعرض له من مداهمة وتفتيش .. إضافة إلى ما يعكس
مظهرها الإسلامي المحتشم مع تلبسها بذلك الجرم الشنيع من انعكاسات
سلبية وخطيرة على سمعة وأخلاق هذا الدين، مما أدى في عدد من
الحالات إلى ارتداد بعض المسلمات ـ الحديثات عهد بالإسلام ـ عن
دينهن من أسلمن على يد هؤلاء المسلمات المنقبات .. إضافة إلى الحرج
البالغ الذي تحدثه للمسلمين من حولها !!
وكذلك تلك الإيحاءات والدلالات القاتمة التي تنفر ولا تبشر التي
يرسلها ذلك المسلم المتدين ـ بمظهره الإسلامي المميز عندما يضبط
بالسطو والسرقة ـ للمجتمع الغربي من حوله، وهي دلالات لا تليق
أبداً بسمعة وسمو أخلاق هذا الدين العظيم، ولا بأخلاق حملته
وأتباعه!
ومنها، كذلك تزايد عدد السجناء المسلمين في سجون الغرب بسبب
تعاملهم مع هذا الأمر المشين، ومعلوم ماذا تفرز السجون ـ وبخاصة
الأخلاقية والجنائية منها في بلاد الإباحية والفجور ـ من نتائج
وخيمة على أخلاق ودين وسلوك السجين المسلم[3]..!
ومنها، كذلك أن بعض ضعاف النفوس ـ كما بلغني ـ ذهبوا إلى استحلال
الفروج، والقول بإباحة الزنا والعياذ بالله، واعتمدوا نفس أدلة
وشبهات الواقعين في استحلال الأموال[4]، وقالوا الذي يبيح هذا يبيح
ذاك .. وإذا كان المال حلالاً فمن باب أولى أن تكون الفروج
حلالاً!!
ومنها، كذلك صد الناس عن دين الله تعالى، وبخاصة عندما تتبنى مهمة
التشويه وإبراز الحدث أجهزة إعلام الكفر الحاقدة، وما أقدرها على
ذلك .. فهي قادرة على تضخيم الحدث إلى حدٍّ تجعل المسلمين وكأنهم
كلهم شركاء في هذا الحدث ومسؤولين عنه!
ومنها، كذلك ما تتعرض له عائلة السجين وأطفاله الذي يسجن بسبب
الغدر والسرقة ولاختلاس ـ بسبب غياب الراعي والمعيل ـ من إهانات
وإهمال من قبل الآخرين ..!!
ومنها، أن هذه الأعمال المشينة الخاطئة قد تكون حافزاً للقوم على
أن يصدروا القوانين التي تؤدي في نهايتها إلى التضييق على عامة
المسلمين الذين يعيشون في بلاد الغرب[5]، وغيرهم ممن يعيشون ظروفهم
.. فيذهب ضحية تلك الأعمال الشاذة المنفرة الصالح والطالح[6]!
وغيرها من المفاسد التي لا يعلمها إلا الله .. ولا حول ولا قوة إلا
بالله.
[1] وعليه فإنني لا أستحسن ولا أرى أسلوب خطف
الطائرات لأنه من الغدر وهو لا يجوز، ولأن الصحبة في السفر الأصل
فيها الأمان .. إضافة إلى أنه يعرض الآمنين من الأطفال والنساء
والشيوخ وغيرهم من الأبرياء إلى الخطر، وربما إلى الهلاك .. وهذا
لا يجوز .. وهذا معنى سيتضح للقارئ أكثر في الصفحات القادمة إن شاء
الله.
[2] بلغني مؤخراً أن من الجامعات والكليات في بلاد الغرب من تلزم
الطلاب بالتوقيع على عقد يتعهد فيه أن لا يسرق ولا يعتدي على شيء
من حرمات وممتلكات الجامعة أو الكلية .. فالقوم لشدة ما لدغوا فقد
تعلموا ..!
[3] ذكرت جريدة القدس العربي، عدد 3212 :" تحت عنوان بريطانيا
تواجه مشكلة تضاعف عدد المسلمين في سجونها "، وقد نسبت إلى مصادر
معنية ومطلعة قولهم: أن عدد المسلمين الذين يؤدون محكوميات سجن في
بريطانيا قد ارتفع من 1840 عام 1990 إلى 4355 هذا العام .. وعللت
تلك المصادر المحلية هذه الظاهرة: أن بعض هؤلاء حاولوا الرفع من
مرتبتهم الاجتماعية عن طريق كسب المال بواسطة الجريمة !! فتأمل.
[4] سنأتي ـ إن شاء الله ـ إلى ذكر شبهات المخالفين، والرد عليها
شبهة شبهة ..!
[5] قدرت إحدى الإحصائيات عدد المسلمين الذين يعيشون في بلاد الغرب
بأكثر من أربعين مليون مسلم، منهم عشرة ملايين طفل دون سن البلوغ!!
[6] وقد فعلوا .. فهم في كل يوم ـ بسبب ما يصدر عن بعض القلة من
الشاذين المسلمين من سلوكيات خاطئة ـ يُفاجؤوننا بقوانين ..
يستهدفون منها التضييق على جميع المسلمين .. منها قانونهم الأخير
الذي سموه بقانون الإرهاب؛ والذي بموجبه يعتقلون المسلم لأدنى
شبهة، وأحيانا من دون أية شبهة أو تهمة محددة .. وللفترة الزمنية
التي يشاؤونها ومن دون أية محاكمة! |
|
|
|
|
F
¥
E |
|