|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين |
| ـ مسألة: حكم من يدخل ديارهم بأوراق مزورة غير صحيحة. |
|
|
وهذه مسألة واقعية يتكرر حدوثها وفي أماكن متعددة، لا يمكن إغفالها
أو تجاوزها من غير بحث، لذا لا بد من تناولها وبحثها وبيان الحكم
الشرعي فيها.
أقول: الذين يدخلون إلى ديار الكفر بأوراق غير صحيحة نوعان، نوع
يلزمه الأمان ويجب في حقه، ونوع لا يلزمه، أما النوع الذي يلزمه
فهم أقسام، وهي:
1- كل من دخل إليهم بأوراق غير صحيحة تثبت بأنه مسلم ـ سواء علموا
أن هذه الأوراق صحيحة أم أنهم لم يعلموا ـ لزمه الأمان والوفاء
بالعهد؛ لأنه دخل إليهم مستأمناً على أنه مسلم، فاختلاف الأسماء
والقياسات والأرقام المسطورة في الأوراق أو الجواز لا تؤثر على
الحكم في شيء ـ ما دامت تدل على أنه مسلم ـ لأن مناط الحكم على
الدين الذي يظهره لهم عند الدخول وليس على شيء سواه.
2- من دخل إليهم بأوراق غير صحيحة تثبت بأنه كافر وهو منهم، ثم
اعترف لهم ـ بلسان القال أو الحال ـ عن حقيقته وهويته وأنه مسلم،
فاستأمنوه على ذلك لزمه الأمان والوفاء بالعهد .. وعدم الغدر.
3- كذلك من دخل إليهم متسللاً من غير أوراق، ثم عرفهم على نفسه من
الداخل بأنه مسلم، وطلب منهم الأمان فأمنوه، لزمه الأمان والوفاء
بالعهد بعد أن عرّفهم على نفسه وطلب منهم الأمان.
قال الشيباني في السير 2/66: ولو أن رهطاً من المسلمين أتوا أوّل
مسالح أهل الحرب فقالوا: نحن رسل الخليفة، وأخرجوا كتاباً يشبه
كتاب الخليفة، أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين، فقالوا
لهم: ادخلوا، فدخلوا دار الحرب، فليس يحل لهم قتل أحدٍ من أهل
الحرب، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم، فكذلك إذا
أظهروا ذلك من أنفسهم، فيجعل ما أظهروه بمنزلة الاستئمان منهم، ولو
استأمنوا فآمنوهم وجب عليهم أن يفوا لهم . فكذلك إذا أظهروا ما هو
دليل الاستئمان، وكذلك لو قالوا: جئنا نريد التجارة، وكان قصدهم أن
يغتالوا، وكذلك لو لقوهم في وسط دار الحرب إلا أن ما كانوا أخذوا
قبل أن يلقوهم، فهو سالم لهم، ولا يحل أن يتعرضوا لشيء بعد ذلك ا-
هـ.
قلت: فتأمل قوله وأخرجوا كتاباً يشبه كتاب الخليفة على وجه الخداع
والتضليل، وكذلك لو أظهروا من أنفسهم أنهم تجار وهم غير ذلك، وهذا
يشبه في زماننا إظهار الأوراق المزورة التي تضلل القوم .. لكن كل
هذا لا يسمح لهم بالغدر، ولا يمنع عنهم لزوم الوفاء بالعهد
والأمان، ما دام ظاهرهم يوحي ويدل على أنهم مسلمون.
أما النوع الذي لا يلزمه الأمان، وهي صورة واحدة؛ وصفتها أن يدخل
إليهم بأوراق تثبت على أنه كافر منهم ومثلهم، ولم يُظهر لهم ما يدل
على إسلامه لا بلسان القول ولا بلسان الحال والواقع، وذلك من أجل
تحقيق هدف عام كبير يرتد لصالح الإسلام والمسلمين بالخير الكثير،
فهذا لا يلزمه بشيء نحوهم لأنه دخل إليهم بغير استئمان أو أمان،
وبالتالي لا يلزمه ما يلزم من يدخل إليهم بأمان وعهد من المسلمين.
قال الشيباني في السير 1/ 185: وإذا دخل المسلم دار الحرب بغير
أمان فأخذه المشركون فقال لهم: أنا رجل منكم، أو جئت أريد أن أقاتل
معكم المسلمين، فلا بأس بأن يقتل من أحب منهم ويأخذ من أموالهم ما
شاء.
وقال: ولو كانوا تشبهوا بالروم ولبسوا لباسهم، فلما قالوا لهم: من
أنتم؟
قالوا: نحن قوم من الروم كنا في دار الإسلام بأمان، وانتسبوا لهم
إلى من يعرفونه من أهل الحرب، أو لم ينتسبوا فخلوا سبيلهم. ولا بأس
بأن يقتلوا من يقدرون عليه منهم ويأخذوا الأموال، وكذلك لو أخبروهم
أنهم قوم من أهل الذمة أتوهم ناقضين للعهد مع المسلمين، فأذنوا لهم
في الدخول، فهذا والأول سواء.
ثم استدل عليه بحديث عبد الله بن أنيس المتخصر في الجنة حين قال
لخالد بن سفيان الهذلي ـ وكان قد جمع الجموع لقتال النبي -صلى الله
عليه وسلم- ـ: جئت لأنصرك وأكثرك وأكون معك، ثم قتله .. فدل أن مثل
هذا لا يكون أماناً ا- هـ.
واستدل عليه كذلك بقتل الصحابة لطاغوت اليهود كعب بن الأشرف، عندما
قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- : يا رسول الله، نحن نقتله، فأذن
لنا فلنقل، فإنه لا بد لنا منه؛ أي نخدعه باستعمال المعاريض وإظهار
النيل منك، قال: فقولوا ..!
قلت: قوله " لا بأس بأن يقتلوا من يقدرون عليه منهم ويأخذون
الأموال "، فيه نظر يشكل عليه حديث المغيرة؛ حيث أنه كان على الكفر
لما غدر بأصحابه الكفار فقتلهم وأخذ مالهم، ومع ذلك قال له النبي
-صلى الله عليه وسلم- :" أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه
مال غدر لا حاجة لنا فيه " وقد تقدم.
والشاهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقره على فعله لكونه فعل
فعلته وهو على الكفر، وكفره لم يمنع عنه وعن فعله وصف الغدر ..!
ثم ليس من السهل ـ من الناحية الشرعية ومن حيث تقدير المصالح
والمفاسد ـ أن يُقال للمسلم تظاهر بالكفر، وأنك من القوم وعلى
دينهم من أجل حفنة من المال، أو من أجل أن يقتل من يشاء من رعاع
الناس ممن يقدر عليهم .. فهذا بعيد أن يكون مستساغاً في الشرع ..
وما استدل به الشيباني رحمه الله لا يدل على جواز ذلك.
والذي نراه ـ وهو الذي تفيده قصة مقتل الطاغوت خالد بن سفيان
الهذلي، ومقتل طاغوت اليهود كعب بن الأشرف، وغيرهما من أئمة الكفر
والطغيان ـ أن الكفر لا يجوز أن يُمارس إلا لإزالة كفر أكبر وأغلظ
وأشد ـ وبالقدر الذي يزال من غير زيادة أو استرسال أو توسع، مع
وجود الحاجة الماسة إليه ـ من قبيل دفع أغلظ الكفرين، وأكبر
الضررين والمفسدتين بارتكاب أقلهما ضرراً وفساداً.
فعبد الله بن أنيس حين قال للطاغية خالد بن سفيان الهذلي الذي كان
يجمع الجموع لمحاربة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من
المسلمين: جئت لأنصرك وأكثرك وأكون معك ضد النبي -صلى الله عليه
وسلم- .. هو في ظاهره قول كفري ومكفر، لكنه كفر كان سبباً في دفع
وإزالة كفر أشد وأغلظ، وأبغض إلى الله، كان من الممكن أن يكلف
الدعوة الإسلامية وهي في مهدها الشيء الكثير، وما كان كذلك فهو
محمود في الشرع لا حرج فيه إن شاء الله.
وهذا فقه قل من يتنبه إليه من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.
لذلك عندما أنجز عبد الله بن أُنيس مهمته بنجاح، وقد رآه النبي
-صلى الله عليه وسلم- قال:" أفلح الوجه "، فقلت: وجهك الكريم يا
رسول الله، فأخبرته خبري، فدفع إلي عصاً، وقال:" تخصر بهذه يا ابن
أنيس في الجنة فإن المتخصرين في الجنة قليل "[1].
وعليه فإننا لا نرى ولا نستحسن للمسلم أن يدخل إلى ديار الكفر على
أنه كافر ومنهم، ثم يستمر على ظاهره الكفري من أجل أمور تافهة ـ
كتحصيل المال ونحوه ـ لا ترقى ولا ترجح على مفسدة التظاهر بالكفر
.. ولا نراه إلا لإزالة كفر أغلظ وأشد، أو لإزالة طاغوت كبير تغلظ
كفره واشتدت فتنته على الإسلام والمسلمين .. ويكون لا سبيل إلى
إزالته إلا بارتكاب ذلك الكفر الأصغر نوعاً وكماً كما تقدم، والله
تعالى أعلم.
فإن قيل: كيف يتم التوفيق بين حديث المغيرة، وبين القول بجواز
اغتيال رؤوس الكفر والطغيان، بعد أن يُعطوا الأمان ممن ظاهره
الكفر.
أقول: حديث المغيرة عام يفيد تحريم مطلق الغدر بالأمان، سواء جاء
الغدر من مسلم أو كافر، وحديث عبد الله بن أُنيس، ومقتل كعب بن
الأشرف خاص وحالة مستثناة رخصت باغتيال أرباب الكفر والطغيان،
لكفرهم وطغيانهم المركب والمغلظ .. وفق الشروط المذكورة والمبينة
أعلاه.
ويُمكن أن يُقال كذلك: فيما يتعلق بمقتل الطاغية كعب بن الأشرف،
إضافة إلى كونه طاغية من الطغاة اشتد أذاه وخطره على الإسلام
والمسلمين .. فإنه قد نقد العهد والذمة .. بطعنه وهجائه للنبي -صلى
الله عليه وسلم-؛ حيث لا يصح عهد ولا ينفع أمان مع شتم النبي -صلى
الله عليه وسلم- والنيل منه .. فشاتم النبي -صلى الله عليه وسلم-
يُقتل حداً ـ سواء كان الشاتم مسلماً أم كافراً ـ ولا ينفع مع الحد
عهد ولا أمان!
ويكون التوفيق كالتالي: لا يجوز الغدر بالعهد والأمان سواء كان
صاحبه مسلماً أم كافراً، إلا مَن تظاهر بالكفر وعلى أنه من القوم؛
لغرض أن يتقصد المحاربين من أئمة وزعماء الكفر والطغيان المركب
والمغلظ .. فيغتالهم وإن أعطاهم العبارات التي تفيد الأمان؛ فأمانه
لهم ـ بهذا الوصف ـ ليس بأمان، واغتياله لهم لا يجوز أن يسمى غدراً
بالأمان لحديث عبد الله بن أُنيس، وحديث مقتل كعب ابن الأشرف،
والله تعالى أعلم.
وهذا كله في الطاغوت المحارب الذي كفره كفراً أصلياً، أما الطاغوت
المرتد فهو لا يحتاج إلى جميع ما تقدم، حيث يجوز اغتياله من قبل
المسلم بأمان أو غير أمان؛ لأن الأصل في المرتد أن دمه هدر ـ إلا
الرسل منهم في فترة أداء الرسائل بين الطرفين ـ يُقتل حداً من حدود
الله، وأمانه أو استئمانه غير لازم ولا جائز، ولو حصل شيء من ذلك
فهو ضرب من ضروب اللغو والعبث؛ لأنه لا شفاعة، ولا جوار ولا أمان
لمن وجب عليه حد من حدود الله.
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من آوى
محدِثاً ـ أي أجاره وأمنه وحماه ومنع عنه الحد الشرعي ـ فعليه لعنة
الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل "
البخاري.
قلت: ولا أرى حدثاً أغلظ وأشد من حدث الردة، ولا محدثاً أغلظ وأشد
من المرتد عن دينه، ولا آوياً لمحدثٍ أشد جرماً ممن يأوي ويحمي
المرتد، وبخاصة إن كان طاغوتاً من ذوي الردة المغلظة[2].
[1] السلسلة الصحيحة: 2981.
[2] على القارئ أن يفرق بين استتابة المرتد ـ وهي الفترة الزمنية
التي يُعطاها ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، وتُقدر على الراجح بثلاثة
أيام ـ وبين استئمانه، وإجارته وحمايته، فهذا شيء وذاك شيء آخر،
وأحدهما لا يستلزم الآخر .
كما ينبغي له أن يفرق بين المرتد ردة مجردة، وبين المرتد ردة
مغلظة، فالأول يستتاب والآخر على الراجح أنه يُقتل ولا يُستتاب،
وتفصيل ذلك له موضع آخر من أبحاثنا. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|