|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| حُكمُ استحلالِ أموالِ المشركين لمن دخَلَ في أمانِهم وعهدِهم من المسلمين |
| ـ القدر الذي يتحقق به الأمان للكافر. |
|
|
قد تقدم معنا في كثير مما نقلناه عن أهل العلم أن شبهة الأمان
أمان؛ فأي كلمة أو إشارة ـ تصدر من مسلم ـ توحي للعدو بالأمان فهو
أمان ملزم وجائز يجب الوفاء به، والعبرة في ذلك فيما يفهمه ويظنه
المستأمَن لا فيما يقصده ويريده المستأمِن، فإن أشار ـ مثلاً ـ
المسلم بيده إلى الكافر المحارب أن تقدم أو تعال وأراد بذلك قتله،
فجاءه الكافر رامياً لسلاحه ظاناً أنه قد أعطاه الأمان، فهو آمن
لأن العبرة فيما يظنه ويفهمه المؤمَّن لا فيما يقصده المؤمِّن،
وإذا كان الأمان يثبت للآخر بهذا القدر من الإشارة والتلميح .. فمن
باب أولى أن يثبت بعبارات الترحيب والتأهيل .. وإليك مجدداً بعض
أقوال أهل العلم الدالة على ذلك:
قال الشيباني في السير 1/183 : ذكر عن عمر بن الخطاب -رضي الله
عنه- قال: أيما رجل من العدو أشار إليه رجل بإصبعه: إنك إن جئت
قتلتك، فجاءه فهو آمن فلا يقتله.
وبعد هذا نأخذ فنقول: إذا أشار إليه بإشارة الأمان وليس يدري
الكافر ما يقول فهو آمن ا- هـ.
قال السرخسي في شرح السير: فهو آمن؛ لأنه بالإشارة دعاه إلى نفسه،
وإنما يُدعى بمثله الآمن لا الخائف، وما تكلم به: إن جئت قتلتك، لا
طريق للكافر إلى معرفته بدون الاستكشاف منه، ولا يتمكن من ذلك قبل
أن يقرب منه، فلا بد من إثبات الأمان بظاهر الإشارة وإسقاط ما وراء
ذلك للتحرز عن الغدر، فإن ظاهر إشارته أمان له، وقوله: إن جئت
قتلتك؛ بمعنى النبذ لذلك الأمان، فما لم يعلم بالنبذ كان آمناً
عملاً بقوله تعالى:{فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي سواء
منكم ومنهم في العلم بالنبذ، وأشار إلى المعنى فيه فقال:{إن الله
لا يحب الخائنين}، ومبنى الأمان على التوسع حتى يثبت بالمحتمل من
الكلام، فكذلك يثبت بالمحتمل من الإشارة.
وبيان هذا في حديث الهرمزان، فإنه لما أتي به عمر -رضي الله عنه-
قال له تكلم، قال: أتكلم بكلام حي أم كلام ميت؟ فقال عمر: كلام حي،
فقال: كنا نحن وأنتم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لكم دين، فكنا
نعدكم معشر العرب بمنزلة الكلاب، فإذا أعزكم الله بالدين وبعث
رسوله منكم لم نطعكم، فقال عمر: أتقول هذا وأنت أسير في أيدينا؟!
اقتلوه. فقال: أفيما علمكم نبيكم أن تؤمّنوا أسيراً ثم تقتلوه؟!
فقال: متى أمنتك؟ فقال: قلت لي تكلم بكلام حي، والخائف على نفسه لا
يكون حياً، فقال عمر: قاتله الله، أخذ الأمان ولم أفطن به!
فهذا دليل على التوسع في باب الأمان ا- هـ. فتأمل!
وقال الشيباني في السير كذلك 1/199: وإذا نادى المسلمون أهل الحرب
بالأمان فهم آمنون جميعاً، إذا سمعوا أصواتهم بأي لسانٍ نادوهم به،
لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنه كتب إلى جنوده بالعراق:
إنكم إذا قلتم: لا تخف، أو مترس، أو لا تذهل فهو آمن فإن الله يعرف
الألسنة. والمعنى ما أشار إليه، فإن الأمان التزام الكف عن التعرض
لهم بالقتل والسبي حقاً لله تعالى، والله لا يعزب عنه مثقال ذرة،
ولا يخفى عليه خافية، وإن نادوهم بلسان لا يعرفه أهل الحرب، وذلك
معروف للمسلمين فهم آمنون أيضاً، وإذا قال المسلمون للحربي: أنت
آمن، ولا تخف، أو لا بأس عليك، أو كلمة تشبه هذا فهو كله أمان.
وقال: ولو أن مسلماً أشار إلى مشرك في حصن أو منعة لهم أن تعال، أو
أشار إلى أهل الحصن أن افتحوا الباب، أو أشار إلى السماء، فظن
المشركون أن ذلك أمان، ففعلوا ما أمرهم به، وقد كان هذا الذي صنع
معروفاً بين المسلمين وبين أهل الحرب من أهل تلك الدار أنهم إذا
صنعوا كان أمناً، ولم يكن ذلك معروفاً، فهو أمان جائز بمنزلة قوله:
قد أمنتكم. ثم استدل عليه بحديث عمر: أيماً رجل من المسلمين أشار
إلى رجل من العدو أن تعال، فإنك إن جئت قتلتك، فأتاه فهو آمن ا-
هـ.
قال السرخسي في الشرح: فهو أمان جائز بمنزلة قوله: قد أمنتكم؛ لأن
أمر الأمان مبني على التوسع، والتحرز عما يشبه الغدر واجب، فإذا
كان معروفاً بينهم فالثابت بالعرف كالثابت بالنص، فلو لم يجعل
أماناً كان غدراً، وإذا لم يكن معروفاً فقد اقترن به من دلالة
الحال ما يكون مثل العرف أو أقوى منه، وهو امتثالهم أمره وما أشار
عليهم به، فهو أبين الدلائل على المسالمة ا- هـ.
وقال الشيباني 2/4: ولو أن المسلمين قالوا لأربعة من أهل الحصن:
انزلوا، فأنتم آمنون حتى نراوضكم على الصلح، فنزل عشرون رجلاً فيهم
أولئك الأربعة، ولكن لا نعلم الأربعة بأعيانهم، وكل واحد يقول: أنا
من الأربعة، فهم جميعاً آمنون، لا يحل قتل أحد منهم ولا أسره
ولكنهم يبلغون مأمنهم بمنزلة ما لو أُمنوا جميعاً.
وقال: ولو أن المشرك نادى من الحصن قبل أن يُظفر به: الأمان
الأمان. فقال له المسلم: الأمان الأمان، فرمى بنفسه إلى المسلمين،
فقال الذي أمنه: إنما أردت التهديد، لا يلتفت إلى كلامه، وخلي
سبيله ا- هـ.
قلت: تأمل كيف اعتبر ظن وفهم المؤمَّن لظاهر الخطاب، وليس قصد
وإرادة المؤمِّن، وقد تقدم من كلام أهل العلم الكثير الذي يدل على
هذا المعنى.
وفي المغني لابن قدامة 9/199: إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان
نظرت، فإن كان معه متاع يبيعه في دار الإسلام، وقد جرت العادة
بدخولهم إلينا تجاراً بغير أمان، لم يعرض لهم، وقال أحمد: إذا ركب
القوم في البحر، فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو يريدون
بلاد الإسلام، لم يعرضوا لهم ولم يقاتلوهم، وكل من دخل بلاد
المسلمين من أهل الحرب بتجارة، بويع ولم يسأل عن شيء ا-هـ.
قلت: والعلة في قبول أمان التجار من غير استئمان، ولا سؤال هو
اعتمادهم على الأمان العرفي السائد بين الناس يومئذٍ؛ وهو أن
التجار في العادة مسالمون، لا غرض لهم سوى البيع والشراء، ولم
يأتوا لحرب أو قتال، فركنوا عليه ـ أي على الأمان العرفي ـ وظنوا
أنفسهم في أمان، وأنهم لا يحتاجون إلى توكيده لفظاً بعد أن حصلوا
عليه عرفاً، لأجل هذا نص أحمد رحمه الله وغيره من أهل العلم على
جواز أمانهم، وعدم التعرض لهم بسوء.
ونحوه ما جاء في المبدع في شرح المقنع لابن مفلح 3/394: ومن دخل
دار الإسلام بغير أمان، فادعى أنه رسول، أو تاجر ومعه متاع يبيعه،
قُبل منه لأن ما ادعاه ممكن، فيكون شبهة في درء القتل، ولأنه يتعذر
إقامة البينة على ذلك، وفيه دلالة على أنه لا يُتعرض إليه، وصرح به
الأصحاب ـ أي أصحاب مذهب الإمام أحمد ـ أما الرسول فلما سبق، وأما
التاجر فلأنه إذا جاء بماله ولا سلاح معه، دل على قصده بالأمان،
ولم يشترط المؤلف هنا أن تكون العادة جارية به، والمذهب ـ أي
المعتمد في مذهب الإمام أحمد ـ اشتراطه، لأن العادة جارية مجرى
الشرط ا-هـ. فتأمل!
وفي شرح السنة للبغوي 11/90: ولو نزل كافر بأمان صبيٍّ، فقال ظننته
جائزاً يُرَدُّ إلى مأمنه لجهله بالحكم، وقال شقيق بن سلمة: كتب
إلينا عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- ونحن بخانقين إذا قال أحدكم
للرجل: مَترس ـ وهي كلمة فارسية بمعنى لا تخف ـ فقد أمنه، فإن الله
-عز وجل- يعلم الألسنة.
وعن عمرو بن الحمِق قال: سمعت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-
يقول:" مَن آمن رجلاً على نفسه فقتله، أُعطي لواء الغدر يوم
القيامة " ا- هـ.
وفي الاستذكار لابن عبد البَر 14/84 : وسُئل مالك عن الإشارة
بالأمان أهي بمنزلة الكلام ؟ فقال: نعم . وإني أرى أن يُتقدَّم إلى
الجيوش أن لا تقتلوا أحداً أشاروا إليه بالأمان؛ لأن الإشارة عندي
بمنزلة الكلام، وإنه بلغني أن عبد الله بن عباس قال: ما ختَرَ قوم
بالعهد إلا سلَّط الله عليهم العدو[1].
قال أبو عمر بن عبد البَر:إذا كان دم الحربي الكافر يحرم بالأمان،
فما ظنك بالمؤمن الذي يُصبح ويُمسي في ذمة الله ..؟!
ثم ذكر قصة عمر مع الهرمزان، وكيف عد قوله له: تكلم كلام حي، لا
بأس، هو بمثابة الأمان له، علماً أن عمر بقوله ذلك لم يكن يقصد أن
يعطيه الأمان .. وقد تقدمت القصة.
وقال: ولا خلاف علمتُه بين العلماء في أن من أمَّن حربياً بأي كلام
لهم به الأمان، فقد تم له الأمان.
وأكثرهم يجعلون الإشارة الأمان إذا كانت مفهومةً بمنزلة الكلام ا-
هـ.
قلت: وهذا القدر الذي يتحقق به الأمان للكافر، هو ملزم وجائز سواء
أعطاه المسلم لهم وهو في دارهم أم أعطاه لهم وهم في دار وبلاد
المسلمين.
وبعد أن عرفنا القدر الذي به يتحقق الأمان للمشرك المحارب، بقي أن
نعرف بشيء من التفصيل مَن من الأمة مخول في أن يُعطي مثل هذا
الأمان، وأمانه يكون جائز وملزم للآخرين ..؟
[1] وهذا ما ينبغي أن يحتاط له المجاهدون
ويحذروا منه أشد الحذر .. فالاستخفاف بالعهد والأمان .. وكذا
الاستهانة بمحظور الغدر .. والوقوع ولو في شبهة غدر .. مدعاة لأن
يتسلط عليهم عدوهم .. وينال منهم بعد أن كانوا عزيزي المنال! |
|
|
|
|
F
¥
E |
|