الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
ـ قاعدة في التكفير:
  قبل البدء في تناول موضوع " العذر بالجهل "، وتناول مسائله .. لا بد من توضيح قاعدة من قواعد التكفير، [1]، تقول:" التكفير المطلق العام لا يستلزم دائماً تكفير المعين "؛ لاحتمال وجود موانع التكفير وانتفاء لوازمه.
فأن يُقال: هذا كفر، ومن اعتقد كذا أو قال كذا فقد كفر، لا يستلزم منه دائماً أن يكون صاحب هذا الاعتقاد أو القول بعينه قد كفر، لاحتمال انتفاء لوازم التكفير ووجود موانعه عند هذا الشخص المعين.
ومن أو كد موانع تكفير المعين وجود " الجهل المُعذر" عند هذا المعين، كما في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال:" قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له ".
قال النووي في الشرح: معناه أن الله قادر على أن يعذبني إن دفنتموني بهيئتي، فأما إن سحقتموني وذريتموني في البر والبحر فلا يقدر علي [2].
فهذا رجل شك في قدرة الله .. وأن الله تعالى لا يقدر عليه إذا فُعل به ما أوصى به ـ وهذا كفر أكبر ـ لكن لجهله .. وخوفه .. قد عذره الله، فغفر له. فيقال: قول الرجل كفر، لكن هو بعينه لم يكفر لوجود مانع من موانع التكفير ألا وهو الجهل.
قال ابن تيميه في شرحه للحديث: فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك[3].
وقد صح الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك أنه قال:" أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله -عز وجل- لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها، ومُسقيها "[4].
وبالمقابل فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: أنه كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل يدعى حماراً وكان يشرب الخمر، وكان يُضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً، فأمر به فجُلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تلعنه إنه يحب الله ورسوله ".
قال ابن تيميه رحمه الله: فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- لعن في الخمر عشرة. ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق. ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط وانتفاء موانع[5].
وقال: وموانع لحوق الوعيد متعددة منها: التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية للسيئات، ومنها بلاء الدنيا ومصائبها، ومنها شفاعـة شفيع مطاع، ومنها رحمة أرحم الراحمين.
فإذا عُدمت هذه الأسباب كلها ولن تُعدم إلا في حق من عتا وتمرد على الله وشرد شرود البعير على أهله، فهناك يلحق الوعيد به.
ذلك أن حقيقة الوعيد: بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه. أما أن كل شخص قد قام بذلك السبب، يجب وقوع ذلك المسبب به، فهذا باطل قطعاً، لتوقف ذلك على وجود الشرط وزوال جميع الموانع.
وهذه القاعدة تظهر بأمثلة، منها: أنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه هم سواء" مسلم.
وصح عنه أنه قال: لمن باع صاعين بصاع يداً بيد " أوَّه، عين الربا"[6]. كما قال " البر بالبر رباً إلا هاء وهاء"[7].
وهذا يوجب دخول نوعي الربا ـ ربا الفضل وربا النَّسأ ـ في الحديث، ثم إن الذين بلغهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:" إنما الربا في النسيئة " متفق عليه. فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يداً بيد، مثل ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه أبي الشعثاء وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير وعكرمة، وغيرهم من أعيان المكيين الذين هم صفوة الأمة علماً وعملاً. لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحداً منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده، تبلغهم لعنة آكل الربا، لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلاً سائغاً في الجملة.
وكذلك ما نقل عن طائفة من الفضلاء المدنيين من إتيان المحاش مع ما رواه أبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" من أتى امرأة في دبرها فهو كافر بما أنزل على محمد ".
وكذلك قد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم-:" أنه لعن في الخمرة عشرة: عاصر الخمر، ومعتصرها، وشاربها ..." وثبت عنه من وجوه أنه قال:" كل شراب أسكر فهو خمرة " وقال:" كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " متفق عليه.
وقد كان رجال من أفاضل الأمة ـ علماً وعملاً ـ منهم الكوفيين يعتقدون أن لا خمر إلا من العنب، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا بمقدار ما يسكر، ويشربون ما يعتقدون حله.
فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد، لما كان لهم من العذر الذين تأولوا به، أو لموانع أخر.
وكذلك لا يجوز أن يقال: إن الشراب الذي شربوه ليس من الخمر الملعون شاربها. ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد لعن البائع للخمر.
وقد باع بعض الصحابة خمراً حتى بلغ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها"[8].
ولم يعلم أن بيعها محرم، ولم يمنع عمر -رضي الله عنه- علمه بعدم علمه أن بين جزاء هذا الذنب ليتناهى هو وغيره عنه بعد بلوغ العلم به.
وقد لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العاصر والمعتصر، وكثير من الفقهاء يجوزون للرجل أن يعتصر لغيره عنباً وإن علم من نيته أن يتخذه خمراً.
فهذا نص في لعن العاصر، مع العلم بأن المعذور تخلف الحكم عنه لمانع.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-:" إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" متفق عليه.
يجب العمل به في تحريم اقتتال المؤمنين بغير حق، ثم إنا نعلم أن أهل الجمل وصفين ليسوا في النار لأن لهم عذراً وتأويلاً في القتال، وحسنات منعت المقتضى أن يعمل عمله[9]ا-هـ.
ومن يتتبع السنة وأخبار السلف يجد كثيراً من الأحاديث والآثار التي تثبت صحة القاعدة الآنفة الذكر. لذلك نجد كثيراً من الأئمة وأهل العلم يطلقون حكم التكفير على اعتقاد أو قول، أو سلوك على وجه العموم لا التعيين، فيحمل من قبل عامة الناس على أنه تكفير للمعين، وهذا غلط شنيع ليس هو مراد الأئمة رضوان الله عليهم.
فكان الإمام أحمد يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته ـ على وجه العموم ـ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ظاهرة بينة، ولأن حقيقة أمرهم يدور على التعطيل وجحود الأسماء والصفات .. وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، ولكن لم يكن يكفِّر أعيانهم على الإطلاق من دون النظر إلى ثبوت لوازم التكفير بحقهم وانتفاء موانعه عنهم .. فإن الذي يدعو إلى القول الكفري أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب عليه أعظم كفراً من الذي يدعو ويقول، ومع ذلك فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرءان مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة، وغير ذلك. ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: بأن القرءان مخلوق وغير ذلك. ولا يولون متولياً ولا يعطون رزقاً من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يكن يريدون تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا الجحود بما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك .. ممن حسبوه من أهل العلم!
وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم. بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله[10].
لكن قولنا أن التكفير المطلق لا يستلزم دائماً تكفير المعين؛ هذا يعني أنه أحياناً يستلزم ذلك بحسب حال المعين، فإن توفرت شروط التكفير وانتفت عنه موانعه فإنه حينئذٍ يكفر بعينه. وتفصيل هذه القاعدة تجده في كتابنا " قواعد في التكفير" فالمسألة هناك قد أوفيناها بحثاً وتفصيلاً.
والذي دعانا هنا للتمهيد بذكر هذه القاعدة، هو أن فهمها ـ من قِبل القارئ ـ ضروري لفهم ما بعدها من فصول البحث، ولكي يتمكن من إنزال العبارات والإطلاقات ـ الواردة في هذا الكتاب ـ منزلها الصحيح، ولا يحملها ما لا تحتمل ولا يُراد.

 


[1] انظر كتابنا" قواعد في التكفير".
[2] شرح صحيح مسلم: 17/ 74.
[3] مجموع الفتاوى: 13/ 331.
[4] صحيح الجامع الصغير: 72.
[5] الفتاوى: 10/ 329.
[6] تمام الحديث: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-قال: جاء بلال إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمر برني ـ وهو نوع جيد ـ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: من أين هذا؟ قال: كان عندنا تمر رديء فبعت مكانه صاعين بصاع، فقال: "أوَّه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به".
والحديث متفق عليه. فرغم أن الله لعن آكل الربا، إلا أنه لا يجوز لعن الصحابي لأكله الربا، لوجود المانع، وهو عدم علمه أن الذي فعله من الربا الذي يُلعن آكله.
[7] متفق عليه. وقوله:" هاء وهاء" أي خذ وخذ، يداً بيد من دون فاصل زمني.
[8] متفق عليه. قلت: والأغرب من ذلك إن من الصحابة من أهدى للرسول -صلى الله عليه وسلم- حمراً بعد نزول التحريم، لكن لجهله بالتحريم وعدم بلوغ النص إليه، فقد عذره الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فما زجره ولا لعنه وإنما علمه.
قال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- راوية خمر! فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" هل علمت أن الله عز وجل حرمها؟" فسار ولم أفهم ما سار كما أردت، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" بم ساررته؟ قال: أمرته أن يبيعها!! فقال:" إن الذي حرم شربها حرم بيعها". ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيها. صحيح سنن النسائي.
[9] رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص 63، 64 ، 81، 86.
[10] انظر الفتاوى لابن تيميه:23/ 348ت349.

   
F ¥ E