|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ |
| ـ تنبيه: |
|
|
ممن لا يرون الجهل عذراً شرعياً، يفرقون بين الجهل في مسائل الأصول
أو العقائد؛ وهو ما يعلم من الدين بالضرورة. وبين الجهل في مسائل
الفروع أو المسائل العملية الغير معلومة من الدين بالضرورة.
ويقولون: من كان جهله في مسائل الأصول ـ أياً كان سبب جهله والظروف
المحيطة به ـ لا يُعذر بالجهل مطلقاً؛ لأنه محجوج من جهة حُجج أخرى
غير حجة نذارة الرسل .. أما من كان جهله في الفروع أو المسائل
العملية .. فهو معذور بالجهل إلى أن تقوم عليه الحجة الشرعية من
جهة نذارة الرسل.
أقول: هذا التفريق في الجهل إلى نوعين، جهل في الفروع يعذر وجهل في
الأصول لا يعذر، لا أصل له عند السلف، وهو باطل يعلم بطلانه من
سياق الأدلة الآنفة الذكر في إثبات شرعية العذر بالجهل، حيث اتضح
أن الجهل حيثما وجدت أسبابه ودواعيه التي لا يمكن دفعها يعذر
صاحبه، سواء كان جهله في المسائل الأصولية العقدية أو كان في مسائل
الفروع العملية.
ومما يُرد به على هذه الشبهة:
1- أنه قول يعوزه الدليل من الكتاب والسنة .. فمثل هذا التقسيم لا
يمكن إقراره، والقول به إلا بدليل صريح من الكتاب والسنة.
2- أن الأدلة من الكتاب والسنة التي تعذر بالجهل ـ الآنفة الذكر ـ
جاءت عامة لجميع أنواع الجهل، من دون تفريق بين جهل وجهل، وتخصيصها
بنوع من الجهل دون نوع يحتاج لدليل مخصص، وأنَّى ..!
3- أن من الأدلة الآنفة الذكر جاءت كدليل صريح على العذر في مسائل
الأصول كما في حديث عدي بن حاتم، وغيره ..!
4- أنه قول محدث مردود لم يقل به الصحابة ولا السلف الصالح رضوان
الله تعالى عليهم، وهو قول مأثور عن المعتزلة وغيرهم من أهل البدع
والأهواء .. وعن بعض ممن تأثر بهم ـ وهو لا يدري ـ من أهل العلم
..!
ولشيخ الإسلام كلام مفيد في المسألة يحسن ذكره، حيث قال: أما
التفريق ين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل
الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم
بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من
أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق
متناقض، فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي
يكفر المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال
مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل. قيل
له: فتنازع الناس في محمد -صلى الله عليه وسلم- هل رأى ربه أم لا؟
وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟
وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل
الاعتقادية العلمية، ولا كفر فيها بالاتفاق. ووجوب الصلاة والزكاة
والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفر
بالاتفاق.
وإن قال: الأصول هي المسائل القطعية، قيل له: كثير من مسائل العمل
قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو
ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور
الدليل القاطع له، كمن سمع النص من رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، وتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية فضلاً عن أن تكون
قطعية لعدم بلوغ النص إياه. أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من
العلم بدلالته.
وقال: فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا
على عدم التكفير بذلك، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع
نداء الحي، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة
والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض، ولعن بعض، وإطلاق
تكفير بعض، أقوال معروفة.
وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: {بَلْ عَجِبْتَ} ويقول: إن
الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه
علمه. كان عبد الله أفقه منه، فكان يقول:{بل عجبت} فهذا قد أنكر
قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على
أنه إمام من الأئمة.
وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن، مثل إنكار بعضهم قوله:
{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} وقال: إنما هي أولم يتبين
الذين آمنوا. وإنكار الآخر قراءة قوله:{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا
إياه} وقال: : إنما هي ووصى ربك. وبعضهم كان حذف المعوذتين، وآخر
يكتب سورة القنوت. وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع
هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان
يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر.
وأيضاً فإن الكتاب والسنة قد دل على أن الله لا يعذب أحداً، إلا
بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأساً، ومن بلغته
جملة دون بعـض
التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية[1]ا-
هـ.
قلت: ولكن الذي يمكن قوله، إن الجهل إذا عدمت دواعيه وتوفرت عوامل
دفعه، من استفاضة للعلم الصحيح، وتواجد العلماء وغير ذلك، فإن
الجهل فيما يجب تعلمه؛ كمتطلبات التوحيد ونواقضه، وكذلك ما هو
معلوم من الدين بالضرورة واستفاض العلم فيه بين الناس كوجوب
الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وكذلك تحريم الفواحش كالزنى
والخمر وغير ذلك، فإن جاهل هذه الأمور ـ مع انعدام دواعي الجهل
ومبرراته ـ لا يعذر بالجهل، بينما يعذر لو جهل بعض المسائل العملية
الفرعية التي لا يجب تعلمها على جميع أفراد الأمة، والجهل فيها لا
يترتب عليه إثم أو كفر وخروج من دائرة الإسلام.
في مثل هذا الموضوع لا بد من التفريق، ليس بين مسائل عقيدة ومسائل
عملية، وإنما بين ما يجب تعلمه على كل فرد من أفراد الأمة، وبين
مالا يجب تعلمه على جميع أفراد الأمة حيث يجزئ فيه علم الخاصة عن
العامة، لذلك نقول: جاهل ما يجب عليه تعلمه ـ إذا عدمت أسباب
ودواعي الجهل ـ لا يعذر بالجهل، بينما الآخر يعذر إلى أن يتعين
بحقه طلب العلم[2].
ومن فرق من أهل العلم بين جهل يعذر وجهل لا يعذر هو على اعتبار مدى
استفاضة العلم وسهولة طلبه والوقوف عليه لمن أراده .. وليس على
اعتبار التفريق بين مسائل ومسائل .. فتراهم يقررون أن جاهل مسألة
من المسائل لا يُعذر فيها بالجهل؛ لا لكون هذه المسألة من الأصول
أو غير ذلك .. وإنما لكون هذه المسألة قد استفاض العلم بها
استفاضةً مما يُرجح الظن باستحالة وجود الجاهل الذي يمكن أن يُعذر
بالجهل في هذه المسألة..!
وفي المقابل تراهم يعذرون بالجهل في مسائل قد تكون من الأصول ..
ولها مساس بالتوحيد .. لكثرة الجدال حولها .. ولرجحان الظن لديهم
بإمكانية وقوع الخطأ أو الجهل المعذر فيها من بعض أفراد الأمة ..!
فالعلة التي تحملهم على التفريق بين مسألة ومسألة هو بالنظر إلى
واقع كل مسألة ومدى احتمال حصول الجهل فيها .. ويتم ذلك بالنظر إلى
جوانب عدة منها: طبيعة المسألة ذاتها هل يُحتمل فيها الجهل .. أم
أن العلم فيها قد استفاض استفاضة يمنع من العذر بالجهل فيها..؟!
وهل هي من المسائل الكلامية الخفية والمحدثة .. أم أنها غير ذلك؟!
وهل هي من المسائل المحكمات .. التي لا تقبل إلا قولاً واحداً،
وفهماً واحداً .. أم أنها من المسائل المتشابهات التي تحتمل أوجهاً
من التفسيرات والتعليلات ..؟!
ومنها: النظر إلى البيئة .. هل هي بيئة علم .. يكثر فيها العلماء
.. ويسهل فيها تحصيل العلم لمن ينشده .. أم أنها بيئة جهل وبدعة
يكثر فيها أهل البدع والأهواء .. تحتمل إمكانية حصول الجهل بمثل
هذه المسألة ..؟!
ومنها: النظر إلى الشخص ذاته .. هل هو من ذوي الكفاءات العقلية
والعلمية المتقدمة .. أم أنه متخلف في ذلك .. وهل هو حديث عهد
بالكفر أم لا .. وهل يملك القدرة على الطلب وشد الرحال أم لا ..
وهل هو ممن يُحسنون العربية ـ لغة القرآن والسنة ـ أم لا ..؟!
فكل هذه الأوجه مجتمعة هي معتبرة عند أهل العلم عند تحديدهم لمن
يعذر بالجهل ممن لا يُعذر .. والمسألة التي يُعذر فيها بالجهل من
المسألة التي لا يُعذر فيها .. والله تعالى أعلم.
[1] الفتاوى: 23 / 346. 12/492.
[2] كفريضة الحج، العلم بوجوبه واجب على الجميع، لكن العلم بكيفية
أداء المناسك لا يجب على جميع أفراد الأمة إلا في حال توفرت
الاستطاعة لديهم للقيام بهذه الفريضة، فحينئذ يتعين العلم بحق
المستطيع منهم. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|