|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ |
| ـ الكافر الجاهل. |
|
|
اعلم أنه ما من مولود إلا ويولد على فطرة الإسلام، وملة التوحيد ..
فالتوحيد فيه أصل فطره الله عليه، والشرك طارئ عليه مكتسب.
كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لا يَعْلَمُونَ}الروم:30.
قال مجاهد:" فطرة الله" الإسلام. وكذلك قال ابن يزيد وابن عكرمة
وغيرهم من أهل التأويل [1]. وفي قوله تعالى: {لا تبديل لخلق الله}
قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد وعكرمة،
وقتادة، والضحاك، وابن زيد: أي لدين الله.
وقال البخاري: قوله: {لا تبديل لخلق الله} لدين الله، خلق الأولين:
دين الأولين، والدين الفطرة: الإسلام[2].
وفي الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله
عنه- قال:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" ما من مولود إلا
يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج
البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟". ثم يقول أبو هريرة
: و اقرؤوا إن شئتم {فطرة الله فطر الناس عليها لا تبدل لخلق
الله}، وفي رواية " حتى تكونوا أنتم تجدعونها ". أي تغيرون من
خلقتها السوية فتجدعونها بالوشم والبتك، كما قال تعالى: {فليبتكن
آذان الأنعام}النساء:119. كذلك توحيد الله والإيمان به تعالى فهو
أصل فُطر عليه الإنسان، إلا أن شياطين الإنس والجن تجتاله عن دينه
الإسلام وتحرفه إلى الشرك.
كما في الحديث:" إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم
".
قال ابن تيميه: والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلى على
القول الذي رجحناه وهو أنهم على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم
الله فيهم من سعادة وشقاوة لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا
على فطرة سليمة مقتضية للإيمان ومستلزمة له لولا العارض[3] .
ثم إن الناس بعد ذلك فريقان، لا ثالث لهما: فريق كافر، وفريق مسلم،
كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ
وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
التغابن:2.
قال ابن عباس: إن الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ويعيدهم في يوم
القيامة مؤمناً وكافراً[4].
والكافر: هو كل من أشرك مع الله آلهة أخرى، ولم يرض بالإسلام
ديناً، كما قال تعالى:{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}المائدة:72.
وقال تعالى:{إن الدين عند الله الإسلام} آل عمران:19. وقال تعالى:
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ
مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}آل عمران:85.
وكل كافر يطلق عليه ـ في الدنيا ـ حكم الكفر ويأخذ صفته، أياً كان
سبب كفره سواء كان كفره ناتجاً عن عناد أو كبر أو إعراض أو جهل،
فالكافر الجاهل ـ الذي لم تصله نذارة الرسل ـ لا يمنع جهله من أن
يطلق عليه في الدنيا حكم الكفر ويأخذ صفته. كما قال تعالى: {وَإِنْ
أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ}التوبة:6.
فوصفهم الله تعالى بالشرك رغم أنهم قوم جهلة لا يعلمون.
قال ابن جرير في التفسير: يقول تفعل ذلك بهم من إعطائك إياهم
الأمان، ليسمعوا القرءان، وردك إياهم، إذا أبوا الإسلام، إلى
مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون
مالهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم
الإيمان بالله[5].
قال ابن قيم: الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين
الإسلام فهو كافر، وأن الله -سبحانه وتعالى- لا يعذب أحداً إلا بعد قيام
الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله
وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي
جارية على ظاهر الأمر: فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام
الدنيا لهم حكم أوليائهم[6].
لكن مما ينبغي الانتباه له، أن ما يميز الكافر الجاهل ـ لنذارة
الرسل ـ عن غيره ممن كان كفره ناتجاً عن عناد أو إعراض .. أن
الأول لا تجوز مبادأته بالقتال أو الاعتداء على شيء من حرماته، قبل
دعوته وإيصال نذارة الرسل إليه .. وقبل ذلك لا يشرع قتاله، ولا
الاعتداء عليه في شيء.
كما في صحيح مسلم وغيره، عن سلمان بن بريدة عن أبيه، قال: كان رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه
في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال:" اغزوا
باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا
تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدة، وإذا لقيت عدوك من المشركين
فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكُّف
عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم
أبوا فسلهم الجزية فإن أجاوبك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا
فاستعن بالله عليهم وقاتلهم".
وعن سهل بن سعد أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم خبير،
فقال:" أين علي "؟ فقيل إنه يشتكي عينيه، فأمر فدعى له فبصق في
عينيه، فبرأ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء، فقال:علي -رضي الله
عنه-: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال:"على رسلك حتى تنزل بساحتك
ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهتدي بك
رجل واحد خير لك من حمر النعم "متفق عليه.
وعن فروة بن مسيل قال: قلت يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي و
مدبرهم؟ قال:" نعم "، فلما وليت دعاني، فقال:" لا تقاتلهم حتى
تدعوهم إلى الإسلام"[7].
وعن ابن عباس: ما قاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوماً قط
إلا دعاهم[8].
قال الشوكاني: فيه دليل على وجوب تقديم الدعاء الكفار إلى الإسلام
قبل المقاتلة، وفي المسألة ثلاث مذاهب: الأول: أنه يجب تقديم
الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم
ومن لم تبلغه وبه قال: مالك والهادوية وغيرهم وظاهر الحديث معهم.
والمذهب الثاني: أنه لا يجب مطلقاً. والمذهب الثالث: أنه يجب لمن
لم تبلغه الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، قال ابن المنذر: وهو
قول جمهور أهل العلم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه وبه
يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث[9].
قلت: والصواب منها، المذهب الثالث الذي قال عنه ابن المنذر أنه قول
جمهور أهل العلم؛ وذلك لأنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنه قد أغار على بني المصطلق وهم غارُّون[10]. وأنعامهم تُسقى على
الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذٍ جويرية بنت
الحارث. متفق عليه.
وهذا يحمل على أن الدعوة بلغت بني المصطلق من قبل فجحدوها وردوها،
عندها أغار عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من دون نه يعلمهم
أو ينذرهم.
وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال:" كان رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- إذا غزا قوماً لم يغز حتى يصبح، فإن سمع
أذاناً أمسك وإن لم يسمع أذاناً أغار بعدما يُصبح ".
فانتظار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأذان دلالة صريحة على أن
الدعوة قد بلغتهم من قبل، فإذا لم يسمع أذاناً أغار على القوم
وفاجأهم من دون سابق إعلام أو إنذار قريب.
لكن هناك سؤال يرد، وهو هل الدعوة يجب أن تبلغ جميع أفراد المعسكر
الكافر ـ قادة وجنوداً ـ بأعيانهم حتى يشرع قتالهم في حال ردهم
وجحودهم للدعوة؟ أم أنه يكفي إيصال الدعوة وقيام الحجة على قادتهم
ورؤسائهم دون جنودهم؟
أقول: الصواب الذي دلت عليه السنة، هو أنه يكفي لقتال المشركين أن
تبلغ الدعوة لقادتهم وزعمائهم، فإن جحدوها وقابلوها بالرد
والإعراض، قوتلوا جميعاً هذا ما كان يفعله الرسول -صلى الله عليه
وسلم- عندما أرسل الرسل إلى ملوك وقادة الكفار ليبلغهم دعوته
ورسالته، فكان يكتفي بتوجيه الكتب إلى القادة والزعماء دون الجند
والعامة، ورسالته -صلى الله عليه وسلم- على هرقل عظيم الروم معروفة
وهي مدونة في كتب الصحاح، جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من
محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما
بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين،
وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا
نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ
تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل
عمران:64.
فاعتبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيام الحجة على هرقل ملك
الروم، هو قيام للحجة على أمته ورعيته وجنده . ورد الحجة وجحودها
من قبل ملكهم مبرر كاف لقتال كل من ينضوي تحت سلطانه من بني الأصفر
وغيرهم.
وعن أنس -رضي الله عنه-، أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى
كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس
بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " مسلم.
فواضح من الحديث أن رسول -صلى الله عليه وسلم-، كان يكتفي لقيام
الحجة على أمة من الأمم بأن يوجه كتبه ورسائله إلى ملوك ورؤساء تلك
الأمم دون أفراد رعاياهم بأعيانهم.
لذلك أقول: رد الحجة ونذارة الرسل من قبل زعماء الكفار ورؤسائهم
مبرر كاف لقتالهم وقتال جندهم وأقوامهم الذين هم تحت سلطانهم ـ كما
قاتل الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهل الروم وغيرهم ـ على أنهم
كفار رادون لدعوة الرسل، وهم في الآخرة في نار جهنم خالدين فيها
أبدا، وكذلك على العموم لا التعيين [11] لاحتمال وجود بعض الأفراد
الذين لم تصلهم دعوة الرسل، وقد سيقوا للقتال وهم يجهلون حقيقة
الأسباب التي لأجلها يقاتلون المسلمين. فمثل هؤلاء رغم أنهم
يقاتلون على أنهم كفار إلا أنهم يوم القيامة يعتبرون من أهل الفترة
الذين يحتجون بالجهل لعدم بلوغ نذارة الرسل إليهم، حيث يجري اختبار
لهم في عرصات يوم القيامة كما جاء في حديث الأربعة الذين يحتجون
يوم القيامة، وهم: الأصم، والأحمق، والهرم، ورجل مات في فترة.
لكن مما ينبغي الانتباه له هنا، هو أنه لا يجوز تعيين أحد بعينه
على أنه من أهل الفترة المعذورين الذين لم تصلهم نذارة الرسل، ولم
تقم عليهم حجج الله تعالى. فهذا مالا علم لنا به ولا إحاطة، وهو من
الأمور المجهولة ـ بالنسبة لنا ـ التي يفوض أمرها إلى الله -جل
جلاله-، ولا ينبغي لمؤمن الخوض فيما ليس من خصوصياته، ولم يُحط به
علماً.
وكذلك لاحتمال وجود من بلغته نذارة الرسل، فآمن وصدق، لكن كان من
المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة، فأكره على الخروج لمقاتلة
المسلمين ومثل هذا يقاتل لظاهره.
كما في حديث الذي يرويه ابن عباس، قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- للعباس ابن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة: افد
نفسك وابن أخيك عقيل ابن أبي طالب ونوفل بن حارث وحليفك عتبة بن
عمرو بن جحدم، فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلماً،
ولكن القوم استكرهوني، فقال:" الله أعلم بإسلامك إن تكن ما تذكر
حقا فالله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك
"[12]. فاعتبر الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظاهره، وهو وقوفه
في صف الكفار ضد المسلمين، لذلك عامله معاملة بقية الأسرى الكفار
وأمره بالفداء رغم ادعائه أنه مسلم.
ولكن ذاك المكره المشار إليه آنفاً، لو قتل فهو يبعث على نيته. كما
في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري وغيره، قال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: " العجب أن ناساً من أمتي يؤمُّون هذا البيت حتى
إذا كانوا بالبيداء خسف بهم " فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد
تجمع الناس؟ قال:" نعم فيهم المستصبر والمجبور وابن السبيل، يهلكون
مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم ".
ومن حديث أم سلمة: فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارهاً؟ قال:"
يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ".
قال ابن حجر في الفتح 13/61: والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في
الموت الاشتراك في الثواب والعقاب، بل يجازى كل أحد بعمله على حسب
نيته.
ـ خلاصة القول: أن الكافر الجاهل المعذور بالجهل الذي لم تبلغه
نذارة الرسل .. رغم حكمنا عليه بالكفر، وتسميتنا له بالكافر إلا أن
ذلك لا يستلزم منا أن نجزم له بالعذاب يوم القيامة .. كما لا يعني
أن نبادئه ـ في الحياة الدنيا ـ بالقتال أو بأي نوع من أنواع
الاعتداء .. قبل أن تبلغه نذارة الرسل .. والله تعالى أعلم.
[1] جامع البيان: 21/40.
[2] تفسير ابن كثير: 3/442.
[3] شفاء العليل: ص292.
[4] تفسير القرطبي: 18/123.
[5] جامع البيان: 10/80.
[6] طريق الهجرتين: ص413.
[7] أخرجه أحمد.
[8] رواه أحمد. قال الشوكاني: أخرجه أيضاً الحاكم عن طريق عبد الله
بن أبي نجيح عن أبيه عنه. قال في مجمع الزوائد: أخرجه أحمد وأبو
يعلى والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
[9] نيل الأوطار: 1/231.
[10] أي غافلون .
[11] لكن لو حصل أن أحداً من المسلمين شهد لمعين من قتلى الكفار
أنه كافر ـ بناء على ظاهره الراجح له ـ وهو يوم القيامة في النار
جهنم خالداً فيها أبداً، وكان هذا المعين في الحقيقة غير ذلك وهو
ممن يشملهم العذر.
أقول:لو حصل مثل ذلك، فهذا النوع من الخطأ يعذر صاحبه، ولا يصح
حمله على حديث " المتألي على الله" لأن ظاهر هذا المعين أنه كافر
وهو يقاتل في صف الكفار ضد المسلمين. ثم من ناحية فنحن مأمورون
شرعاً أن نبشر قتلى الكفار وموتاهم بالنار.
كما في الحديث الصحيح:" حيثما مررت بقبر كافر فابشره بالنار" .(
سلسة الأحاديث الصحيحية ). فلو فعلنا، وكان المبشر في الحقيقة ليس
من أهل جهنم وهو ممن يشملهم العذر، فنحن معذورون لورود النص،
ولامتثالنا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- .. ثم أن مجرد تبشيرنا
له بالنار ـ وهو في علم الله ليس من أهل النار ـ لا يستلزم دخوله
النار؛ لأن الحكم أولاً وآخراً لله تعالى وحده. والمسألة قد
أوفيناها بحثاً في كتابنا " قواعد في التكفير" فانظره.
[12] أردت من الحديث الاستدلال على اعتبار الظاهر في القتال، وليس
على اعتبار أن " العباس" من المكرهين المعذورين، فالعباس لم يكن من
المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً، لذلك عندما
قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-" ولكن القوم استكرهوني " لم
يعذره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذ للإكراه شروطه، منها: أن
لا يستطيع النفاذ بنفسه من سلطان الكفار قبل أن يساق مكرها لقتال
المسلمين، والعباس كان ممن يستطيعون الهجرة والنفاذ من سلطان كفار
قريش قبل أن يكره على قتال المسلمين في بدر.
والله تعالى أنزل في الذين قتلوا منهم في بدر آيات عدة، يبطل فيها
عذرهم بالاستضعاف، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ
قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ
تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}النساء:97.
جاء في صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنه أن ناساً من
المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-، فيأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله،
فأنزل الله تعالى: {إن الذين توافهم الملائكة ظالمي أنفسهم}.
وقال تعالى فيهم أيضاً في سورة النحل:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} النحل:28، 29.
روى ابن جرير الطبري بسنده عن عكرمة، قال: كان ناس بمكة أقروا
بالإسلام ولم يهاجروا، فأخرج بهم كرهاً إلى بدر، فقُتل بعضهم،
فأنزل الله فيهم {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}. قلت: قول
الله تعالى: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} فيه دلالة على أنهم
قتلوا كفاراً، لأن الخلود في نار جهنم من شأن من يموت كافراً وليس
من شأن من يموت مسلماًً، والله تعالى أعلم . |
|
|
|
|
F
¥
E |
|