الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
ـ صفة الكافر الجاهل الذي يُعذر بالجهل.
  يتصف الكافر الجاهل الذي يُعذر بالجهل بثلاث صفات، إن انتقصت واحدة منهن، رُفع عنه العذر بالجهل، وهي:
أولاً: أن يكون جهله من جهة عدم بلوغ نذارة الرسل إليه، ومن كان كذلك فهو معذور بالجهل إلى أن تقوم عليه حجة الرسل وتصله نذارتهم.
لقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}الإسراء:15.
قال الشوكاني في كتابه فتح القدير: ذكر أنه لا يُعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، فبين سبحانه أنه لم يتركهم سدى، ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم، والظاهر أنه لا يعذبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل ا- هـ.
وقال ابن كثير في التفسير: قوله تعالى:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاًً} إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يُعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه .. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ا- هـ.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير {حتى نبعث رسولاً} أي حتى نُبين ما به نُعذب، وما من أجله نُدخله الجنة.
قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلاً، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم يُقطع عليه بالنار .. ا- هـ.
وقال البغوي في التفسير:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}، إقامة للحجة وقطعاً للعذر، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل ا- هـ.
وقال الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث رسولاً ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار [1]ا- هـ.
وقال ابن حزم: قال الله -عز وجل-:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاًً} فصح أنه لا عذاب على الكافر أصلاً حتى تبلغه نذارة الرسول -صلى الله عليه وسلم- .. [2]. وغيرهم كثير من أهل العلم الذين يقررون أن لا عذاب أحد إلا بعد بلوغ نذارة الرسل .. ومقابلتها بالرد والإعراض، والجحود.
ومن الأدلة كذلك قوله تعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}الزمر:71.
وقال تعالى: {قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ}غافر:50. وقال تعالى:{تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} الملك:8-9.
فدلت الآية أن كل من يدخل النار من الكفار فقد أقيمت عليه حجة الرسل وبلغته نذارة الرسل من قبل .. وقد تقدم ذكر أقوال بعض أهل العلم في تفسير هذه الآيات.
وقال تعالى:{ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}الأنعام:131.
قال ابن جرير في التفسير: {بظلم} أي بشرك من أشرك، وكفر من كفر من أهلها {وأهلها غافلون} يقول: لم يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلاً تنبههم على حجج الله عليهم، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير[3].
قال ابن حزم: فنص الله تعالى على أن النذارة إنما تلزم من بلغته وأنه تعالى لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسل.
فصح بهذا أن من لم تبلغه الدعوة إما لانقزاح مكانه وإما لقصر مدته إثر مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لا عذاب عليه ولا يلزمه شيء، وهذا قول جمهور أصحابنا[4].
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار".
مفهوم الحديث أن من مات ولم يسمع بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا بدعوته، فهو ليس من أصحاب النار، حيث له شأن آخر يوم القيامة، كما جاء في حديث صاحب الفترة الذي يقول:" ربي ما أتاني لك رسول ". فيرسل له الله تعالى أن ادخل النار فإن دخلها كانت بردً وسلاماً، وإن لم يدخلها سحب إليها.. كما تقدم معنا في الحديث الذي رواه أسود بن سريع عن الأربعة الذين يحتجون يوم القيامة.

ثانياً: أن يكون جهله بنذارة الرسل عن عجزٍ لا يمكن له دفعه .. وهذا يلزمه بأن لا يقصر في بذل جهد يستطيعه لمعرفة دعوة الرسل وما جاءوا به، أما إن كان جهله بنذارة الرسل عن عجز لا يمكن دفعه فهو معذور بالجهل إلى أن تقوم عليه الحجة التي ترفع عنه العجز فيما قد جهل فيه.
أما إن كان جهله بدعوة الرسل ونذارتهم ناتج عن تقصير منه، وعن سبب هو يستطيع دفعه وتفاديه، لكنه شحاً بالدنيا وملذاتها لا يكلف نفسه هذا الجهد، فمثل هذا لا يعذر بجهله لنذارة الرسل، وهو مثله مثل من بلغته النذارة فجحدها .. وآثر الركون إلى الدنيا عليها.
قال تعالى:{لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}البقرة: 233.
وقال تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}البقرة:286.
وقال تعالى:{لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}الأعراف:42.
وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}التغابن:16. وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً}الطلاق:7.
فمن شروط التكليف ـ أيَّاً كان هذا التكليف ـ الاستطاعة وانتفاء العجز، فإن انتفت الاستطاعة وتحقق العجز رُفع التكليف بدلالة النصوص، واتفاق جميع أهل العلم.
قال ابن حزم: من بلغه أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- دعا إلى أشياء ذكر أن ربه تعالى أمره بها، فواجب عليه حيث ما كان البحث عما دعا إليه. فإذا أخبره مخبر بأنه -عليه السلام- أخبر بأنه رسول لزمه الإقرار، فإن لم يفعل فقد حقت عليه كلمة العذاب ولا عذر بشيء من أشغال الدنيا لمن بلغه ذلك في اشتغاله عن البحث[5].
وقال ابن القيم: وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضاً: أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه وعلى طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني: راضٍ بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه و قدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزاً وجهلاً، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض فتأمل هذا الموضع[6].

ثالثاً: أن لا يتكلف ما ليس له به علم ولا سلطان أو برهان؛ كأن ينكر أن يكون للوجود خالقاً أو يبتدع آلهة تعبد من دون الله، أو ينكر البعث، أو يقول إن الملائكة بنات الله وغير ذلك من الأمور التي لا تليق بالجاهل المتوقف الباحث عن الحق.
إذ أن الجاهل ـ صاحب الفترة ـ من شأنه الاجتهاد والبحث عن الحق، وكل ما يمكن أن يقوم به أن لا يأتي بالتوحيد على الوجه المطلوب.
كما جاء في السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل، وكان قد فارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل المؤودة، وقد بادى قومه بعيب ما هم عليه. وكان يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته[7].
وكذلك ما حصل لسلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ وقصته مشهورة في كتب السنن والسير، كيف كان قبل إسلامه يرفض المجوسية وعبادة النار، وكان يسعى جهد وسعه لمعرفة الدين الحق، فيسأل عن أعلم أهل الأرض ليشد إليه الرحال حتى يتعلم منه ويصيب منه الحق، إلى أن وصل به الترحال إلى الاهتداء إلى رسولنا ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ودخل دين الإسلام.
هذا الذي يليق بالجاهل ـ صاحب الفترة ـ أن يفعله، أما أن يبتدع آلهة مع الله وأموراً ليس له فيها علم ولا برهان .. ولا تناسب مقامه كجاهل .. فمثل هذا على الراجح أنه سيسأل عن تكلفه وابتداعه وسيُحاسب عليه .. والله تعالى أعلم.
قال تعالى:{وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ}الزخرف:19.
وقال تعالى:{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} الجاثـية:24.
وقال تعالى:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ. وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}المطففين:12.
وقال تعالى:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}المؤمنون:117.
وفي قوله تعالى:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، قال ابن الوزير اليماني: في هذه الآية وما في معناها في السمع حجة على أن ما لم يبينه الله تعالى سمعاً لم يعذب المخطىء فيه إن شاء الله تعالى. لكن يخشى على من خاض فيما لم يبينه الله أن يعذب على الابتداع [8].
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" القضاة الثلاثة. اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار "[9].
قلت: القاضي الجاهل الذي يقضي للناس عن جهل هو في النار، لأنه تكلف مالا ينبغي له، وكان مقامه المناسب له يقتضي منه أن يحجم عن القضاء بين الناس فيما ليس له به علم؛ لأنه جاهل وجاهل الشيء لا يمكن أن يعطيه.
وإذا كان هذا هو حال من يتكلف القضاء ـ عن جهل ـ بين الناس، فما يكون القول فيمن يتكلف الحكم على الغيب ـ من دون علم ولا برهان ـ ويحكم أن لله شركاء وبنات وأن لا بعث ولا نشور، وأن الحياة مادة ولا موجد للوجود .. وغير ذلك من الأمور التي لا تليق بالجاهل المتوقف والباحث عن الحق من ذوي الفترات ؟!!
فهذا قد جمع في حكمه وقوله على الله بغير علم بين الجهل والجور وهو لا شك أنه أشد جرماً وإثماً، وأولى بالحساب وبالنار، ممن يقضي في شؤون الناس عن جهل .. والله تعالى أعلم.
وفي صحيح مسلم، عن جندب، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حدث:" أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك ".
تأمل كيف أن هذا الرجل تكلف ما ليس له به علم، وخاض فيما لا ينبغي له الخوض فيه، فحلف بالله أن الله لا يغفر لفلان ـ و كأنه اطلع على علم الله به، وعرف ما في نفسه -سبحانه وتعالى-!! ـ فأحبط الله عمله، وكان ذلك سبباً كافياً لخسران دنياه وآخرته ..!

 


[1] أضواء البيان: 3/471.
[2] الأحكام: 3/114.
[3] جامع البيان:8/37.
[4] الأصول والفروع ، ص 131.
[5] الأصول والفروع: ص 131و 132.
[6] طريق الهجرتين: ص 412.
[7] انظر مختصر السيرة، للشيخ عبد الله بن عبد الوهاب، باب أهل الفترة.
[8] إيثار الحق على الخلق، ص 106.
[9] صحيح سنن ابن ماجه: 1873.

   
F ¥ E