|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ |
| ـ حالات لا ينفع معها العذر بالجهل. |
|
|
هناك حالات لا ينفع معها العذر بالجهل، لو كان جهل المرء بسببها أو
بسبب واحدة منها، من هذه الحالات:
1- الإعراض عن طلب العلم الشرعي، وعن النظر في آيات الله -سبحانه
وتعالى- التي تدل على وحدانيته وصدق ما جاء به الرسل.
فلا هو يأتي العلم .. ولا هو يسمح للعلم أن يأتيه .. فمن كان جهله
بنذارة الرسل بسبب إعراضه هذا، فجهله لا ينفعه .. ولا يتشفع له ..
ولا يمنع من عذابه .. وهو محاسب ومسؤول عن تقصيره وتفريطه فيما يجب
عليه.
كما قال تعالى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ
وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا
سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}الأنعام: 157. وقوله
{صدف عنها} أي أعرض عنها. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن
جرير.
قال ابن جرير في التفسير: سيثيب الله الذي يعرضون عن آياته وحججه
ولا يتدبرونها ولا يتعرفون حقيقتها فيؤمنوا بما دلتهم عليه من
توحيد الله وحقيقة نبوة نبيه، وصدق ماجاء به من عند ربهم سوء
العذاب[1].
وقال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ
فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا
جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي
آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ
يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً}الكهف:57.
قال ابن جرير: يقول عز ذكره، وأي الناس أوضع للإعراض والصد في غير
موضعهما ممن ذكره بآياته وحججه، فدله بها على دليل سبيل الرشاد،
وهداه بها إلى طريق النجاة، فأعرض عن آياته وأدلته في استدلاله بها
الوصول على الخلاص من الهلاك[2].
وقال ابن كثير: يقول تعالى وأي عباد الله أظلم ممن ذُكر بآيات الله
فأعرض عنها، أي تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها
بالاً[3].
وقال تعالى:{وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً. مَنْ
أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً.
خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً}
طـه:101.
وقال تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً . قَالَ كَذَلِكَ
أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ
تُنْسَى}طـه:124- 126.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ
ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
مُنْتَقِمُونَ}السجدة:22.
وغيرها كثير من الآيات القرآنية الدالة على أن الجاهل بسبب إعراضه
عن دين الله وآياته لا يعذر بالجهل، بل هو من أشد الناس ظلماً
وكفراً، ويجزى يوم القيامة سوء العذاب.
وفي الحديث، عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر،
فأقبل اثنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذهب واحد. قال:
فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأما أحدهما فرأى فرجة
في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر
ذاهباً فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" ألا أخبركم
عن النفر الثلاث؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر
فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه " متفق
عليه.
فهذا الرجل أعرض عن مجالسة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وطلب العلم
منه ـ رغم توفره له ـ فاستحق من الله أن يعرض عنه، ومن أعرض الله
عنه أنى له أن يُعذر بالجهل.
ومن تأمل حال أكثر المسلمين اليوم أدرك أن سبب ما يعانونه من جهل
بالشريعة وعلومها هو إعراضهم عن طلب العلم وعن مجالس العلم وحلقاته
التي تعقد في المساجد وغيرها، وإيثارهم لمجالس اللهو واللغو عليها.
وهؤلاء لو وقعوا في ما يناقض الإيمان ـ بسبب الإعراض عن العلم ـ لا
يعذرون بالجهل، لأن جهلهم من النوع الذي يمكن دفعه وتفاديه بأقل
جهد لو أرادوا وقصدوا.
ومن جملة ما اعتبره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ من
نواقص الإسلام، الإعراض عن الدين، وتعلمه والعمل به، فقال: اعلم أن
من أعظم نواقص الإسلام عشرة، منها الإعراض عن دين الله لا يتعلمه
ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ
ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ
الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}[4].
وقال ابن القيم رحمه الله: إن العذاب يستحق بسببين، أحدهما:
الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر
إعراض، والثاني كفر عناد. أما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم
التمكن من معرفتها فهذا نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة
الرسل[5].
2- من كان جهله بنذارة الرسل ـ رغم توافرها وسهولة طلبها ـ بسبب
تقليده للآباء وطاعته لأئمة الكفر والضلال، فمثل هذا لا يعذر
بالجهل، وحجة التقليد والاتباع داحضة ومردودة على صاحبها.
قال تعالى :{يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ
يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا .
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ
الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} الأحزاب:67-68.
وقال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ
تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ
أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ
وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ
يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}سـبأ:33.
وقال تعالى:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ
اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا
كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ
بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} البقرة:166- 167.
قال ابن القيم رحمه الله: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم
وحميرهم الذين هم معهم تبعاً لهم، يقولون: إنا وجدنا آبائنا على
أمة وإنا على أسوة بهم، ومع هذا فهم تاركون لأهل الإسلام غير
محاربين لهم، كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا
أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله وهدم
دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب. وقد اتفقت الأمة على أن
هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما
يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار وجعلهم بمنزلة من
لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا
الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام
المحدث في الإسلام.
فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا
يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد الله وكذب رسوله إما
عناداً أو جهلاً وتقليداً لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير
معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله في القرآن في غير موضع
بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعيهم وأنهم
يتحاجون في النار وأن الاتباع يقولون:{رَبَّنَا هَؤُلاءِ
أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ
لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُون َ}لأعراف:38. وقال
تعالى:{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ
أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ
بَيْنَ الْعِبَادِ} غافر:48.
فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في
العذاب، ولم يغن عنهم تقليدهم شيئاً.
وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من دعا إلى ضلالة كان
عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئاً. وهذا
يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم[6]ا- هـ
.
وفي الحديث الذي يرويه مسلم:" أهل النار خمسة ـ منهم ـ: الضعيف
الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تبعاً، لا يبغون أهلاً ولا مالاً
..". أي لا يسعون في تحصيل منفعة دينية ولا دنيوية[7]. وقوله " لا
زير له " أي لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي [8].
3- كذلك من كان جهله بنذارة الرسل بسبب ظنه أنه على الحق والصواب
.. فركن إلى ظنه واعتقاده وترك طلب العلم فهذا لا يعذر بالجهل ـ لو
وقع بسببه في الكفر ـ وظنه أنه على هدى وصواب لا ينفعه شيئاً ولا
يرد عنه عذاباً ولا يبرر له جهلاً.
قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ
الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُون َ}البقرة:11-12.
قال الألوسي في تفسيره: وما يقال من أنه لا ذمَّ على من أفسد ولم
يعلم، وإنما الذم على من أفسد عن علم يدفعه أن المقصر في العلم مع
التمكن منه مذموم بلا ريب، بل ربما يقال إنه أسوأ حالاً من غيره.
وفيه مزيد تسليه له -صلى الله عليه وسلم-، إذ من كان من أهل الجهل
لا ينبغي للعالم أن يكترث بمخالفته.
وفي التأويلات لعلم الهدى: إن هذه الآية حجة على المعتزلة، في أن
التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به، وأن الحجة لا تلزم بدون
المعرفة، فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع
عدم العلم، فلو كان حقيقة العلم شرطاً للتكليف ولا علم لهم به لم
يكن فعلهم إفساداً، فحيث كان إفساداً دل على أن التكليف يعتمد قيام
آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة، فيكون حجة عليهم
[9].
وقال تعالى:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً.
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} الكهف:105.
قال ابن جرير: يقول هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم
الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلاله، وذلك أنهم عملوا
بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به، وهم يحسبون أنهم يحسنون
صنعاً، يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب
عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه
لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقص إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته،
وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه
الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالاً، وقد كانوا يحسبون
أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات
ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد
إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر
الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين
عليه، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله
كفرة وأن أعمالهم حابطة[10].
وقال الشنقيطي: هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه
ظنه أنه على هدى لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق
لبساً ولا شبهة.
ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد في الأدلة التي هي كالشمس،
فلذلك كان غير معذور[11].
أما المسلم المخطىء في اجتهاده وتأويله ـ وكان تأويله مستساغاً
شرعاً وعقلاً ولغة ـ يستثنى من هذه القاعدة، وهو معذور، بل وله أجر
إن كان خطؤه ناتجاً عن اجتهاد.
كما في الحديث الصحيح:" إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران،
وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". فهو عندما أخطأ لم يكن يقصد
الخطأ ولا يريده، وكل ظنه أنه قد أصاب الحق الذي يرضاه الله
ورسوله، لذلك كان معذوراً ومأجوراً على اجتهاده.
ثم لو حملت هذه الآية القرآنية على المسلمين للزم ذلك أن نكفر أئمة
المسلمين والصحابة والتابعين لهم بإحسان، لأنه ـ يقيناً ـ كل ما
عدا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطئ ويصيب، يؤخذ منه ويرد عليه،
فعلم من ديننا بالضرورة أنه لا يجوز حمل هذه الآيات على إطلاقها
وعلى المسلمين وعلمائهم .. ممن يرجون الله واليوم الآخر.
لكن الذي يمكن قوله أن من كان اجتهاده أو تأويله ناتجاً عن هوى،
وهو غير مستساغ شرعاً ولا عقلاً ولا لغة،كتأويلات القرامطة،
والباطنية، وغلاة الصوفية، والخوارج وغيرهم من فرق الضلال والبدع
الذين يظنون في بدعهم التي ابتدعوها في الدين صلاحاً وخيراً، وأنهم
بذلك مصلحون وهم في الحقيقة مفسدون ضالون.
أقول: مثل هؤلاء وإن تسموا باسم الإسلام، فإن الآيات القرآنية
الآنفة الذكر تشملهم وتطالهم كل بحسب فساده وضلاله وانحرافه.
وفي قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}البقرة:11.
قال سلمان الفارسي:" لم يجئ أهل هذه الآية بعد ".
قال الشكواني في التفسير: يحتمل أن سلمان يرى أن هذه الآية ليست في
المنافقين، بل يحملها على مثل أهل الفتن التي يديهن أهلها بوضع
السيف في المسلمين، كالخوارج وسائر من يعتقد في فساده أنه صلاح لما
يطرأ عليه من الشبه الباطلة [12]. والله تعالى أعلم.
4- وكذلك من كان جهله بنذارة الرسل بسبب عناده وتكبره، فهو لا يؤمن
ولا ينقاد للحق ـ رغم ظهوره له ـ كبراً وترفعاً وأنفة .. ومن كان
كذلك لا يعذر بالجهل، وهو من أشد الناس كفراً وطغياناً ..!
قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ
قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} الأنعام:111. فهم يجهلون لكن
لعنادهم وتكبرهم في رد آيات الله البيانات لا يعذرون بالجهل ..
ولهم عذاب أليم.
وقال تعالى:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى
مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ
وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم ٍ}لقمان:7. فهو وإن كان
يسمعها السمع الآلي إلا أنه لاستكباره عن الحق فهو لا يسمعها
الاستماع الذي يؤدي به الإيمان ومتابعة الحق .. فهو مثله في ذلك
كمن لم يسمعها أصلاً.
قال ابن جرير:{ولَّى مستكبراً} يقول: أدبر عنها، واستكبر
استكباراً، وأعرض عن سماع الحق والإجابة عنه {كأنه لم يسمعها}
يقول: ثقلاً، فـلا يطيق من أجله سماعه[13].
5- كذلك من كان غافلاً عن آيات الله تعالى منشغلاً عنها وعن طلب
العلم الشرعي الضروري ..بلهو الحديث وبالترهات وسفاسف الأمور،
مؤثراً للدنيا ومتاعها وزخرفها على الآخرة ونعيمها .. أقول: من كان
جاهلاً بنذارة الرسل بسبب ذلك لا يُعذر بالجهل، وهو في الآخرة من
الخاسرين.
قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ
عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ .أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ} يونس:7-8.
قال الحسن البصري: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها وهم
غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا
يأتمرون بها، فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاءً على ما كانوا
يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام مع ما هم فيه من
الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر[14].
قال ابن جرير في التفسير 11/87:قوله {والذين هم عن آياتنا
غافلون}عن آياتنا وهي أدلته على وحدانيته، وحججه على عباده في
إخلاص العبادة له، {غافلون}معرضون عنها لاهون لا يتأملونها تأمل
ناصح لنفسه فيعلمون بها حقيقة ما دلتهم عليه، ويعرفون بها بطول ما
هم عليه مقيمون {أولئك مأواهم النار} هؤلاء الذين هذه صفتهم
{مأواهم} مصيرهم إلى نار جهنم في الآخرة ا- هـ.
وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا
هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}لقمان:6.
روى ابن جرير بسنده، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-:" لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، ولا التجارة فيهن
ولا أثمانهم، وفيهن نزلت هذه الآية {من الناس من يشتري لهو
الحديث}. قال عبد الله بن مسعود: الغناء، والذي لا إله إلا هو،
يرددها ثلاث مرات.
وعن ابن عباس قال: الغناء وأشباهه، وقال: هو الغناء والاستماع له.
قال ابن جرير الطبري: عني به ما كان من الحديث ملهياً عن سبيل
الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله، لأن الله عم بقوله {لهو
الحديث} ولم يخصص بعضاً دون بعض، والغناء والشرك من ذلك.
وقوله تعالى:{ليضل عن سبيل الله} يقول: ليصد ذلك الذي يشتري من لهو
الحديث عن دين الله وطاعته، وما يقرب إليه من قراءة قرآن وذكر
الله[15].
وقال تعالى:{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى
الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا
عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ}إبراهيم:3.
وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ
اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ
تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ
بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ}التوبة:24.
ولا شك أن من حبّ الله ورسوله، الائتمار بما أمر الله ورسوله
والانتهاء عما نهى عنه الله ورسوله، وهذا لا يتحقق إلا بعد السعي
في طلب العـلم الشرعي، والتفقه في دين الله-عز وجل- .
وكذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ
أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}المنافقون:9.
أي من يتلهى بزينة الحياة الدنيا ـ المال والبنون ـ عن ذكر الله
وتلاوة القرآن وتدبر آياته ومعانيه، والتفقه في الدين، فهو من
الخاسرين المحاسبين على تقصيرهم، وليس من المعذورين بجهلهم لو
جهلوا .. أو وقعوا بالجهل بسبب ذلك.
وعليه نقول: فمن آثر التجارة والأموال والمساكن، وكان اشتغاله
بالدنيا سبباً صارفاً عن عبادة الله، وطلب العلم الشرعي الضروري،
لا شك أنه ممن أحب الدنيا والعمل لها أكثر من حبه لله ورسوله، لأن
من علامة حب الشيء الاشتغال بما يقرب إليه ويزيد منه.
وإذا كان هذا حال من ينشغل بالمباحات عن طلب العلم الشرعي الضروري
فما يكون القول فيمن ينشغل بالمحرمات ولهو الحديث عن دين الله
والتفقه فيه، كالاستماع إلى الأغاني الماجنة وآلات العزف والطرب ـ
كما يسمونها ـ واللعب بالورق والنرد، والاعتكاف على الأفلام
والمسلسلات التلفزيونية ـ وما أكثر الناس في هذا الزمان الذي
يفضلونها عن مجالس العلم، بل عن الاستماع إلى آية من ذكر الله
الحكيم أو حديث من أحاديث النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ـ
وغير ذلك من ألعاب اللهو والمتاع والترف التي افتعلها لنا العدو
الكافر، ليصرف بها شباب الأمة عن دينها، وعن الجد والعطاء النافع
ومعرفة ما يجب عليهم نحو دينهم وأمتهم ..!
ومما يُستهجن ويُمقت في هذا الشأن أن كثيراً من شباب الأمة ـ بفعل
الدعايات السيئة التي يُروج لها ـ تراهم يعرفون ما خفي من أسماء
لاعبي الكرة .. وأسماء المغنيين .. وأسماء أغنياتهم .. وأسماء ما
ظهر وما بطن من أفلام السوء التي تُنشر على الشاشتين الصغيرة
والكبيرة .. بينما في المقابل لا يعرفون شيئاً عن دينهم وما يجب
عليهم .. ولا يعرفون شيئاً عن شئون أمتهم، وما تتعرض له من أخطار
جسام!!
ومن كان هذا وصفه لا شك أنه أشد جرماً وإثماً من الذي ينشغل
بالمباحات عن دين الله، ومثل هذا أنى له أن يعذر بالجهل .. لو تعذر
به، والله تعالى أعلم.
6- من كان جهله بنذارة الرسل بسبب قساوة قلبه، وماران عليه من آثام
وذنوب، حيث تراه لا يستطيع أن يتدبر آيات الله ولا أن يطلب علماً
نافعاً ولا حتى أن يذكر الله أو يسمع ذكر الله .. بسبب ما ران على
قلبه من غشاوة وظلمة بما كسبت يداه من السيئات والمعاصي والآثام
..!
وجاهل كهذا لا يعذر بالجهل، وأنى ..؟!
قال تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ
اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}الزمر:22. وقال
تعالى:{فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ
قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ} الأنعام:43.
وقال تعالى:{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ
الْأَوَّلِينَ. كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ} المطففين:14.
[1] جامع البيان: 8/ 95.
[2] جامع البيان: 15/268.
[3] التفسير: 3/96.
[4] الرسائل الشخصية: ص 213.
[5] طريق الهجرتين، ص 414.
[6] طريق الهجرتين: 411- 412.
[7] قاله الشيخ ناصر، هامش مختصر صحيح مسلم، ص 524.
[8] قاله النووي في الشرح: 17/199.
[9] روح المعاني: 1/154.
[10] جامع البيان: 16\ 34 – 35.
[11] أضواء البيان:2/ 298.
[12] فتح القدير:1/ 43.
[13] جامع البيان: 21/64.
[14] تفسير ابن كثير: 2/422.
[15] جامع البيان: 21/ 60- 63. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|