الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
2- السُّنّة:
  وهي كل ما أثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو عمل أو إقرار. فمن بلغته السنة، أو بلغته الحجة بما صح من السنّة فقد بلغته نذارة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد أقيمت عليه الحجة التي يستحق رافضها وجاحدها العذاب.
كما في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".
والمراد بالسماع بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، السماع به وبدعوته على الوجه الصحيح لا المشوه الذي ينفي عنه صفة النبوة[1]، ثم لا يؤمن به -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به فهو من أهل النار؛ لأن طاعته واجبة وهي من طاعة الله -عز وجل-، ومعصيته من معصيته الله -عز وجل-.
قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}النساء:80.
ومصداق ذلك في السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-:" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله " مسلم.
وكذلك التحاكم: فإن التحاكم إلى السنة كالتحاكم إلى القرآن الكريم ورفض واحد منهما رفض للآخر، لأن كلاهما من مشكاة الوحي كما قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}النجم:4-3.
وقال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}الحشر:7.
وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}النساء:59.
قال ابن القيم رحمه الله: نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقة وجله، جليه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.
ومنها أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لازمه، ولا سيما التزام بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر[2].
وفي قوله تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}النساء:65.
يقول رحمه الله: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح و تنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضاً، حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض[3].
وقال تعالى:{لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}النور:63.
قال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلو هذه الآية:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}.
وقيل له: إن قوماً يدَعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره!
قال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وتدري ما الفتنة؟ الكفر. قال الله تعالى:{والفتنة أكبر من القتل}. فيدعون الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي[4].
ومما يدلل أيضاً أن حجة السنة كحجة القرآن قوله -صلى الله عليه وسلم-:" يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدَّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله -عز وجل- فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا ما حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل ما حرم الله "[5].

 


[1] من سمع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ـ عن طريق المستشرقين وغيرهم من الحاقدين على الإسلام ـ على غير حقيقته وحقيقة الدعوة التي جاء بها، فمثل هذا السماع لا يعتبر ولا تقوم به حجة.
[2] أعلام الموقعين: 1/49 -50.
[3] التبيان في أقسام القرآن: ص 270.
[4] عن الصارم المسلول على شاتم الرسول: ص 56.
[5] صحيح سنن ابن ماجه: 12.

   
F ¥ E