الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
4- حجة الفطرة:
  وكذلك الفطرة، فهي حجة من حجج الله تعالى على عباده؛ حيث ما من مولود إلا ويولد على الملة وفطرة الإسلام والإيمان بالله -سبحانه وتعالى- كما يفطر على إلهام التنفس والتقام ثديي أمه منذ اللحظات الأولى من حياته، ثم إن طرأ عليه الشرك والكفر فيما بعد فهو بفعل عوامل التضليل المكتسبة من الآباء والزعماء وغيرهم من أئمة الضلال والشرك.
قال الله تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم:30.
وفي الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم وغيره، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو يهودانه أو ينصرانه أم يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ". ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم:{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}.
قال ابن كثير في التفسير 3/442: يقول تعالى فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره.
وفي قوله {لا تبديل لخلق الله} قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: أي لدين الله. وقال البخاري: قوله {لا تبديل لخلق الله}: لدين الله، خلق الأولين: دين الأولين، الدين والفطرة الإسلام ا- هـ.
وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الحديث القدسي:" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم و عجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" صحيح مسلم.
وقوله:" إني خلقت عبادي حنفاء "قال النووي في الشرح: أي مسلمين[1].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" كل مولود يولد على الملة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويشركانه "[2].
وقال:" ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية ؟! ألا إن خياركم أبناء المشركين ألا لا تقتلوا ذرية، كل نسمة تولد على الفطرة فما يزال عليها حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها "[3].
فقوله " خياركم أبناء المشركين " فيه أنهم لم يزالوا على الإيمان الذي فطروا عليه، وهم خيار المسلمين يومئذٍ لأنهم لم تكتب عليهم سيئة بعد، لارتفاع القلم عن الصبي حتى يبلغ الحلم.
كما في الحديث:" رُفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم "[4].
وفي صحيح البخاري، من حديث الرؤيا الذي جاء فيه قوله -صلى الله عليه وسلم-:" وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم -عليه السلام-، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة ". فقيل: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" وأولاد المشركين ". وهذا نص في أن أولاد المشركين في الجنة، لأنهم عندما ماتوا ماتوا على التوحيد والإسلام الذي فطروا عليه .. والله تعالى أعلم.
قال ابن حزم: فصح بهذا كله ضرورة أن الناس كلهم مولودون على الإسلام وهذا تأويل قوله تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب:72. فقبول الملة الإسلامية هي الأمانة، وأن الله تعالى خلق الأنفس كلها جميلة وهي الحساسة العاقلة المميزة، ثم واثقها بالإسلام فقبلته[5].
لكن هل يحاسب العباد على مخالفتهم لحجة الفطرة من دون أن تقوم عليهم حجة الرسل؟
أقول: رغم أن الحجة تقوم على العباد بحجة الميثاق، والفطرة التي فطروا عليها، والآيات العظام التي أودعها الله -عز وجل- في الكون والنفس البشرية الدالة على وحدانيته -سبحانه وتعالى-، إلا أن رحمة الله -سبحانه وتعالى- قضت أن لا يعذب أحداً إلا بعد قيام حجة الرسل عليه وبلوغ نذارتهم إليه، كما بينا ذلك من قبل.
يقول سيد قطب رحمه الله: ولكن الله سبحانه رحمة منه بعباده، لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أضلوا وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الانحراف ـ كما قال -صلى الله عليه وسلم- ـ بفعل شياطين الإنس والجن الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط ضعف. رحمه من الله بعباده قدَّر ألا يحاسبهم على عهد الفطرة هذا، كما أنه لا يحاسبهم على ما أعطاهم من عقل يميزون به حتى يرسل إليهم الرسل، ويفصل لهم الآيات لاستنقاذ فطرتهم من الركام والتعطل والانحراف، واستنقاذ عقلهم من ضغط الهوى والضعف والشهوات.
ولو كان الله يعلم أن الفطر والعقول تكفي وحدها للهدى دون رسل ولا رسالات، ودون تذكير وتفصيل للآيات لأخذ الله عباده بها، ولكنه رحمهم بعلمه فجعل الحجة عليهم هي الرسالة[6].

 


[1] 17/ 197.
[2] صحيح الجامع الصغير: 4560.
[3] رواه أحمد والنسائي، صحيح الجامع الصغير:5571.
[4] صحيح الجامع الصغير:3512.
[5] الأحكام: 5/ 105.
[6] في ظلال القرآن : 3/1395و 1396.

   
F ¥ E