الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
ـ القَدْر الذي تقوم به الحجة على الكافر.
  قد يرد سؤال يقول: ما هو القدر من العلم الذي تقوم به الحجة على الكافر .. ويُسقِط عذره بالفترة وبجهله لنذارة الرسل ؟
أقول: هو الحد الذي به يندفع جهل الكافر بنذارة الرسل، ويحقق عنده العلم بحجة ونذارة الرسل.
فحيثما يتمكن من العلم ـ على وجه الإجمال ـ بدعوة الرسل .. والغاية التي أرسلوا لأجلها .. فقد أقيمت عليه الحجة، ورُفع عنه العذر بالجهل، وهو محاسب على ما يقع فيه من تقصير وتفريط.
فلو بلغه من العلم ـ عن أي طريق ـ أن محمداً بن عبد الله هو رسول الله للعالمين، قد أرسله الله تعالى بالتوحيد ونبذ الشرك والتنديد .. لكفى بهذا القدر لقيام الحجة عليه من جهة نذارة الرسل.
كما في الحديث الذي يرويه مسلم بسنده عن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار".
فدل الحديث على أن من سمع بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ـ مجرد سماع ـ بأنه رسول الله للعالمين، وبدعوته إلى التوحيد التي جاء بها من عند ربه .. ثم لم يؤمن به وبما جاء به .. إلا حق عليه العذاب، وكان من أصحاب النار.
قال ابن حزم في الإحكام 5/111: فإنما أوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان به على من سمع بأمره -صلى الله عليه وسلم-، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق، وجزائر البحور، والمغرب، وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره -صلى الله عليه وسلم- ففُرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به.
أما من لم يبلغه ذكره -صلى الله عليه وسلم- فإن كان موحداً فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان، لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له يوم القيامة نار، فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجا، ومن أبى هلك ا- هـ.
وقال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 20/59-60: والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه، كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلاً.
كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفى الرسول عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل ا- هـ.
أقول: ولكن من تمكن من العلم بدعوة الرسل وعجز عن العمل به، وجب عليه الإيمان والتصديق بما علم ـ لأنه عمل قلبي لا سلطان لمخلوق عليه يمنعه ـ وسقط عنه العمل به إلى حين تمكنه من العمل بما علم؛ فيسقط المعسور ويبقى الميسور .. وتقصير المرء بالميسور وفيما يستطيع إتيانه والقيام به لا يعتبر عذراً لتوفر الاستطاعة والمقدرة على الإتيان به.
لقوله تعالى:{فاتقوا الله ما استطعتم} التغابن: 16. وقال:{لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}البقرة: 286.
والقاعدة الفقهية تقول:" الميسور لا يسقط بالمعسور".
ومثال من آمن وصدق ولم يتمكن من إظهار إيمانه والعمل به، مؤمن آل فرعون من قوم فرعون، وكذلك كانت امرأة فرعون مع فرعون وقومه، وكذلك النجاشي رغم أنه كان حاكماً على الحبشة إلا أنه لم يكن يحكم بما أنزل الله، بل لم يكن يتمكن من ممارسة كثير من شعائر الإسلام كالهجرة، والجهاد، والحج .. وغير ذلك!
ومع ذلك لما مات قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-:" إن أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه"[1].
قال ابن تيميه في الفتاوى 19/23و 219: كذلك الكفار من بلغه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الكفر، علم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع الإسلام. بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عله فصلى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال:"إن أخاً لكم صالحاً من أهل الحبشة مات".
وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن قد دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان[2].
ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك ... إلى أن قال: فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكن الحكم بها ا- هـ.
وفي صحيح مسلم، عن عمر بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال:" كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلال وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستخفياً جِراءٌ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: وما أنت؟ قال: أنا نبي. قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. فقلت: فمن معك على هذا؟ قال : حرٌ وعبد. قال: ومعه يومئذ أبو بكر و بلال ممن آمن معه، فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي والناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة، فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: نعم أنت الذي لقيتني بمكة. قال: قلت بلى، فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة ..".
وفي الحديث دلالات وفوائد عدة:
منها: أن قول الصحابي" أخبرني عن الصلاة " دليل أنه لم يكن يصلي بل لم يكن يعلم شيئاً عن الصلاة، وهو ظل كذلك إلى ما بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، علماً أن الصلاة قد فرضت على المسلمين وهم في مكة قبل الهجرة.
لكن لعدم وصول الخبر إليه وعدم تمكنه من العلم بما جاء في الصلاة، كان معذوراً ولم يلق من الرسول -صلى الله عليه وسلم- تعنيفاً على تقصيره فيما لم يستطع فعله، بل رحب به وعلمه.
ومنها: أن عجز الصحابي عن العمل وعن الهجرة، وعن مناصرة الدعوة في أيامها الأولى، لم يكن مانعاً ولا سبباً لتقصيره فيما يستطيع القيام به، كاعتناقه الإسلام وتصديقه للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء به عن ربه وأخبر .. لذا رأيناه قد أتى بالإيمان والانقياد وهو ما استطاعه .. ولم يأتِ بما عجز عنه من العمل!
ومنها: بيان حرص الصحابي على طلب العلم ومعرفة ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه منذ اللحظة الأولى من تمكنه من الطلب، واحتكاكه بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: " أخبرني عما علمك الله وأجهله "، وهذه صفة الجاهل الذي يعذر بجهله، أما إن كان جاهلاً ولا يحرص على طلب العلم وينشغل عنه لأتفه الأسباب الدنيوية، بل ويعرض عن مجالس العلم والذكر رغم توفرها، وسهولة طلبها.. فهذا أنى له أن يعذر بالجهل، وهو ممن يصح فيهم قوله تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}لأنفال:23.
ومنها: بيان القدر الذي به تقوم الحجة على الكافر، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أقام الحجة على الرجل بقوله :" أنا نبي .. أرسلني الله .. أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله لا يُشرك به شيء ". وهذا القدر يكفي لقيام الحجة .. فما كان من الرجل إلا أن قال له: إني متبعك ..!
وعليه نقول: أيما كافر وفي أرض كان يعيش يصله هذا القدر من العلم النبوي بلغة يفهمها، فقد قامت عليه حجة الرسل، ووجب عليه الإيمان والتصديق، والاتباع .. فإن قابل ذلك بالجحود والرد والعناد إلى أن مات على ذلك، فقد حق عليه العذاب وهو في جهنم وبئس المصير.
وقول ـ البعض ممن يتوسعون فيما لا ينبغي وبغير علم ولا دليل ـ: إن من مستلزمات قيام الحجة على الكافر وشروط صحتها، أن يُدفع ما عند الكافر من شبهات حول الإسلام ، وأن يبين له ـ على وجه التفصيل ـ خطأ ما هو عليه من كفر وضلال، وأن يُناقش ويُجادل ويُقام من أجل ذلك الندوات والحلقات .. ومن ثم يتم ترغيبه باعتناق الإسلام .. وغير ذلك من الأقوال الساقطة التي ما أنزل الله بها من سلطان!
وعليه أقول: هذا القول باطل وغير صحيح، وهو مخالف للسنة الصحيحة، والأدلة الآنفة الذكر، وهو قول محدث لم يقل به أحد من الصحابة أو التابعين لهم بإحسان.
ولكن الذي يمكن قوله: إن دحض حجج الكفار وبيان زيفها وبطلانها، وترغيبهم بالإسلام وغير ذلك، هو من تمام الدعوة وهو أمر محمود ومطلوب شرعاً، إلا أنه يعتبر فوق الحد الذي به تقوم الحجة على الكافر .. والتي يُعذب رادها وجاحدها!
ثم إن هذا الكافر لو آمن إيماناً إجمالياً بما بلغه من علم النبوة ونطق بالشهادتين فهو بذلك أصبح مسلماً له حكم الإسلام وحصانته، يجب عليه ـ مباشرة ـ أن يتحرك ويبذل قصارى جهده واستطاعته في معرفة ما يجب عليه أن يعرفه من عقائد الإسلام على وجه التفصيل .. وما أمر الله به ليلتزمه، وما نهي عنه لينتهي عنه.
والمقصر في هذا الجانب ـ في بذل جهد يستطيعه ـ يعتبر آثماً وهو غير معذور بالجهل ..!

 


[1] صحيح سنن ابن ماجة: 1247.
[2] هذا الخبر يحتاج إلى تحقيق وذكر الدليل عليه، وبخاصة أن الصوم هو بين العبد وربه، وهو من الأمور الخفيفة التي يمكن أن توارى عن الناس، وكذلك الصلاة .. كما أن الشيخ قد ذكر الخبر بصيغة التضعيف رُوي .. ولم يذكر الخبر بسنده.

   
F ¥ E