الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
ـ قيام الحجة غير فقهها والتزامها.
  ليس من شروط قيام الحجة فقهها أو التزامها، إذ يكفي لقيام الحجة على المحجوج أن تصله بلغة يفهم مدلولات الخطاب وما يراد منه، سواء عقل الخطاب وفقهه والتزمه أو أنه لم يعقله ولم يفقهه .. إذ يوجد فرق بين فهـم الخطاب وبين فقه والتزام الخطاب.
حيث أن الكافر ـ الذي كتب الله عليه العمى ـ وإن كان له قلب، وسمع وبصر إلا أنه لا يستفد منها في معرفة وفقه حجج الله عليه، فهو إن مر عليها يمر كالأصم الأبكم الذي لا يعقل شيئاً .. فهو وإن كان له قلب إلا أنه مقفل لا يفقه من الحق شيئاً.
وكذلك بصره فإن عليه غشاوة الباطل لا يبصر فيه من الحق شيئاً، فهو لو رأى يرى ظاهر الأشياء من دون أن يهتدي إلى حقيقتها والغاية منها. وكذلك سمعه فهو إن سمع يسمع أصواتاً وحروفاً يفهم مدلولاتها اللغوية، من دون أن يفقه ما يُراد منها، وما يجب عليه نحوها .. كالأنعام بل أضل سبيلا.
ومن كان كذلك لا يصح أن يقال أن الحجة لم تقم عليه، وهو معذور بالجهل إلى أن يفقه حقيقة الخطاب وحقيقة ما يراد منه من قيام حجج الله البيانات عليه.
قال تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا}الأنعام:25.
قال ابن جرير في التفسير: يقول: من يستمع القرآن منك، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك وأمره ونهيه، ولا يفقه ما تقول ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبره ولا يصغي له سمعه ليتفقه، فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك، إنما يسمع صوتك وقراءتك وكلامك ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه أكنه ـ أغطية ـ وجعل في آذانهم ثقلاً وصمماً عن فهم ما تتلوا عليهم، والإصغاء لما تدعوهم إليه.
وعن قتادة قال: يسمعون بآذانهم ولا يعون منه شيئاً كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها[1].
قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}الأنعام:39.
وقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}الأنفال:22.
وقال:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}الأعراف:179.
قال ابن كثير: يعني ليس ينتفعون بشيء من هذا الجوارح التي جعلها الله سبباً للهدايا، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} الأحقاف:26.
وقوله:{ألئك كالأنعام} أي هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يُقيتها من ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ}البقرة:171. أي ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته ولا تفقه ما يقول، ولهذا قال في هؤلاء {بل هم أضل} أي من الدواب لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبس بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به[2].
وقال تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ}يونس:42-43.
قال ابن جرير في التفسير 11/119: يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، كما أنك لا تقدر أن تسمع يا محمد من سلبته السمع، فكذلك لا تقدر أن تفهم أمري ونهي قلباً سلبته فهم ذلك، لأني ختمت عليه أنه لا يؤمن ا- هـ.
وقال تعالى:{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}هود:91.
فرغم أن النبي شعيب -عليه السلام-كان يخاطب قومه بلغتهم التي يفهمونها، ويقيم عليه الحجة تلو الحجة، إلا أنهم كانوا لا يفقهون ولا يعلمون حقيقة كثير مما كان يخبرهم به. لأن الكافر ليس له العقل الذي يمكنه من معرفة الأشياء على حقيقتها، كما قال تعالى عنهم:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}الملك:10. قال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو لو كنا نسمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر.
قال القرطبي في الجامع 17/73: ودل على أن الكافر لم يعط من العقل شيئاً ا- هـ.
وفي قوله تعالى :{أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}الطور:32.قال القرطبي : قيل {أحلامهم} أي أذهانهم ، لأن العقل لا يعطى للكافر ولو كان له عقل لآمن، وإنما يعطى الكافر الذهن فصار عليه حجة، والذهن يقبل العلم جملة، والعقل يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي.
وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن رجلاً قال:يا رسول الله،ما أعقل فلاناً النصراني. فقال: مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}الملك:10.
وفي حديث ابن عمر: فزجره النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ثم قال : مه، فإن العاقل من يعمل بطاعة الله [3].
قال الألوسي في التفسير 1/154: وفي التأويلات لعلم الهدى: فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفساد منهم مع عدم العلم [4] فلو كان حقيقة العلم شرطاً للتكليف ولا علم لهم به لم يكن فعلهم إفساداً. فحيث كان إفساداً دل على أن التكليف يعتمد قيام آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة، فيكون حجة عليهم ا- هـ.
وقال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: فإن حجة الله هو القرآن الكريم فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لا تفرقون بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}الفرقان:44.
إلى أن قال: فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر -رضي الله عنه-، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله{: وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه}[5].
فدل ذلك على أن " الفهم " الذي به تقوم الحجة هو فهم الخطاب، من حيث دلالاته اللغوية، وخلوه مما يمنع من ذلك .. لا الفهم لحقيقة الخطاب الذي يؤدي بصاحبه إلى الالتزام والاقتناع، إذ لا سبيل إلى ذلك إلا ما شاء الله له الهداية وشرح صدره للإسلام.

 


[1] 7 /169-170.
[2] التفسير: 2/ 279. قلت: مما تفضل به الأنعام على الإنسان الكافر، أنها أيضاً تعبد الله تعالى وتسبح بحمده، بخلاف الكافر فإنه يعبد غير الله، كما أخبر تعالى بقوله:{وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.
[3] الجامع لأحكام القرآن: 17/73.
[4] مشيراً إلى قوله تعالى:{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}البقرة :11- 12.
[5] الرسائل الشخصية، القسم الخامس: ص 220 و 244.

   
F ¥ E