الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
أولاً: حداثة عهده بالكفر:
  فمن كان حديث عهد بكفر فهو حديث عهد بإسلام، وبالتالي من كان كذلك فهو لا يستطيع أن يعلم في الأيام الأولى من إسلامه جميع ما أمر به الإسلام أو نهى عنه.
ومن انتفت عنه الاستطاعة يرفع عنه التكليف إلى حين وجود الاستطاعة ـ كما تقدم ـ ومن كان كذلك لو وقع في ناقضة من نواقص الإسلام بسبب جهله بالخطاب الشرعي .. فهو معذور بالجهل إلى أن تقوم عليه الحجة من جهة نذارة الرسل.
كما قال تعالى:{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}النساء:165.
فإن جحد الحجة بعد بلوغها إليه، حينئذٍ يحكم عليه بالكفر والردة، أما قبل قيام الحجة الشرعية عليه لا يجوز الإقدام على تكفيره .. أو تكفير من كانت هذه صفته، وإن كان فعله كفراً.
كما في الحديث عن أبي واقد الليثي، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط، يعقلون عليها أسلحتهم، قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:" سبحان الله هذا كما قال قوم موسى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}.. والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم "[1].
وفي رواية:" خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وكانوا أسلموا يوم قتح مكة، قال: فمررنا بشجرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى:{اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم ".
فقوله " كانوا أسلموا يوم فتح مكة " يفيد أن الذين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-:" اجعل لنا ذات أنواط .." لم يمض على إسلامهم سوى أيام معدودات لأن فتح مكة كان في رمضان لثلاث عشرة ليلة بقين منه، وكان غزو النبي -صلى الله عليه وسلم- لهوازن يوم حنين بعد الفتح في الخامس من شوال .. أي أن بين فتح مكة وغزوة حنين خمسة عشر يوماً فقط ـ على الراجح من أقوال السلف والمؤرخين ـ وكان إسلام هؤلاء بين وخلال هذه الأيام فقط .. ومن كان كذلك لا يُستبعد عنه أن يصدر منه تلك المقولة التي قالوها للنبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذات أنواط بدافع الجهل لحداثة عهدهم بالكفر.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"ونحن حدثاء عهد بكفر"؛ أي قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا، وان المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادات الباطلة ا- هـ.
وقال الشيخ محمد حامد الفقي: ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو كان منه لما جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- نظير قول بني إسرائيل {اجعل لنا إلهاً} وأقسم على ذلك، بل هو من الشرك الأكبر كما أن ما طلبه بنو إسرائيل من الأكبر، وإنما لم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بالإسلام، ولأنهم لم يفعلوا ما طالبوه ولم يقدموا عليه، بل سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ..[2].
لذلك نجد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد عنف عليهم مقولتهم الشركية من دون أن يشير إلى ذواتهم بالكفر.
قال الشيخ بن عبد الوهاب رحمه الله: للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القص، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا ؟!
فالجواب: أن نقول إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعلوا ذلك. ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
وتفيد ـ هذه القصة ـ أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنُبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- [3].
وتفيد أيضاً أن إظهار الكفر قبل بلوغ الحجة يختلف عن إظهاره بعد بلوغ الحجة، فالأول معذور بالجهل بينما الآخر غير معذور.
قال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 20/60-61: إن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يُلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطبق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر و النهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا النبي -صلى الله عليه وسلم- عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا بإمكان الشرط.
ومن هنا يتبين سقوط كثير من الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل ا- هـ.

 


[1] صحيح سنن الترمذي.
[2] هامش كتاب فتح المجيد، طبع دار الكتب العلمية، صفحة 141.
[3] العقيدة والآداب الإسلامية، ص 174.

   
F ¥ E