|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ |
| ثالثاً: التأويل الخاطئ للنصوص: |
|
|
أيضاً مما يعذر به المرء الفهم الخاطئ للنص، فيتأوله ـ ظاناً أنه
قد أصاب مراد الشارع ـ تأويلاً خاطئاً بعيداً عن الصواب وناقضاً
لمدلولاته.
وغالباً يحصل مثل هذا التأويل الخاطئ في الأمور الخفيفة، والصعبة
من جهة الإعراب وغير ذلك، ويكون العلم فيها غير ظاهر أو معروف بين
عامة الناس .. أو بسبب أن النص يحتمل أكثر من فهم وتفسير .. أو
بسبب تقديم المتشابه على المحكم .. ومن كان كذلك وإن كان تأويله
كفراً إلا أنه لا يكفر بعينه حتى تقام عليه الحجة الرسالية
ويُستتاب، فإن أبى التوبة والرجوع إلى الحق يقتل مرتداً، وليس بعد
الاستتابة مذهب.
كما حصل مع الصحابي قدامة بن مظعون ونفر معه، حيث أباحوا لأنفسهم
الخمر وقالوا هي حلال، متأولين بذلك قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُوا}المائدة:93. فاستشار عمر -رضي الله عنه- الناس في أمرهم
فقالوا: يا أمير المؤمنين نرى أنهم كذبوا على الله وشرعوا في دينهم
ما لم يأذن به الله فاضرب أعناقهم، وعلي -رضي الله عنه- ساكت،
فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم ؟ فقال: أرى أن تستتيبهم[1]، فإن
تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، و إن لم يتوبوا ضربت
أعناقهم. قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله،
فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين [2].
قال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 11/403 : فإن قدامة، شربها هو
وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. فلما ذكر ذلك لعمر
بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن
اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلاها قتلوا. وقال عمر
لقدامة: أخطأت أستك الحفرة ، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت
الصالحات لم تشرب الخمر، وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله
سبحانه لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد، قال بعض الصحابة:
فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ فأنزل الله هذه
الآية يبين فيها أن طعم الشيء في الحال التي لم تحرم فيها لا جناح
عليه إذا كان من المؤمنين المتقين الصالحين ا- هـ.
وكذلك ما حصل للصحابي عدي بن حاتم عندما تأول قوله تعالى:
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ}البقرة:187. ففتل في رجله خيطين أسود وأبيض ، وهو لا
يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إلى
أن بين له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال:" إنما هو ضوء
النهار وظلمة الليل ".
ولم يعنفه -صلى الله عليه وسلم- على تأويله الخاطئ .. وما طلب منه
أن يعيد صومه، علماً أن سحوره كان يمتد به إلى ما بعد ظهور الفجر!!
أما من كان تأويله الخاطئ من نوع لا يحتمله النص من أي وجه من
الوجوه، وكذلك لا تحتمله معاني اللغة .. ولا معاني الشريعة؛
كتأويلات الباطنية الغلاة: حيث أولوا الصلوات الخمس إلى خمسة أسماء
يقولونها: علي، وحسن، وحسين، ومحسن، وفاطمة.
وصيام رمضان قالوا: هو كتمان أسرارهم .. وأسرار شيوخهم وطائفتهم
وعقيدتهم ..!
وحج بيت الله الحرام: قالوا المراد به زيارة شيوخهم ومزاراتهم ..!!
فهذا النوع من التأويل كفر وزندقة لا تحتمله معاني الشريعة .. ولا
المعاني اللغوية للنصوص .. لا يعذر صاحبه بالجهل أو التأويل بأي
حال، بل يوقعه في الكفر والزندقة ولا بد ..!
فإن قيل: ما حدود التأويل المستساغ .. ومتى يرقى التأويل بصاحبه
إلى درجة الكفر والمروق ..؟
أقول: لا يوجد حد ثابت للتأويل المستساغ بحيث يمكننا من القول بأن
كل من خرج عن هذا الحد فتأويله غير مستساغ .. ولا يمنع عنه لحوق
الوعيد والتكفير .. وكل من كان داخل هذا الحد فتأويله مستساغ
ومقبول!
فما كان تأويله مستساغاً لشخص قد لا يكون مستساغاً لشخص آخر بحكم
ما لدى كل واحدٍ منهما من العلم .. أو الشبهات أو الاعتراضات
المحتملة .. وبحسب المسألة وما يكتنفها من غموض أو إشكالات .. فقد
تكون معلومة لشخص فلا يُعذر بالتأويل .. ومجهولة لشخص فيعذر
بالتأويل ..!
ولكن يمكن القول أن التأويل المعتبر له ـ في الغالب ـ قرائن تدل
عليه: كأن يكون التأويل الخاطئ محتملاً من حيث الدلالات اللغوية
للخطاب .. ومن حيث انسجامه مع كليات وأصول الشريعة .. أو أن يكون
معتمداً في تأويله على نصوص مرجوحة أو منسوخة لا يعرف النصوص
الراجحة أو الناسخة .. أو عامة لا يعرف مخصصها .. أو مطلقة لا يعرف
مقيدها .. فالتأويل الخاطئ المحفوف بمثل هذه القرائن في الغالب
يكون تأويلاً مستساغاً وصارفاً للكفر عن المرء لو وقع في الكفر
بسببه .. ويقوي ذلك ويُضعفه القرائن المحيطة بالمتأول ذاته .. هل
الأصل فيه تتبع المتشابهات وتقديمها على المحكمات .. وهل يُعرف عنه
شيء من تأويلات الزنادقة الغلاة أم لا .. وهل يُعرف عنه تحكيم
العقل على النقل .. وهل يُشتهر عنه أنه من أهل البدع والأهواء ..
أم أن أصوله سنية سلفية .. لكنه كبا وزلّ .. وأيهما أكثر صوابه أم
خطؤه .. وهل خطأه مقصوداً لذاته أم هو من قبيل الاجتهاد الخاطئ ..
هذه الأمور وغيرها كلها معتبرة عند تحديد المعذور بالتأويل من غيره
ممن لا يُعذر ..!
والذي يريد أن يستشرف الحكم على الآخرين ممن يقعون في الكفر ورد
النصوص من جهة التأويل الخاطئ .. لا بد له من أن يكون محيطاً بكل
ما تقدم من اعتبارات وقرائن .. والله تعالى أعلم!
كما يمكننا القول كذلك: أن من كان تأويله مؤداه إلى إبطال العمل
بالأحكام الظاهرة للشريعة .. أو جحود الخالق -سبحانه وتعالى- .. أو
إبطال مقاصد الشريعة وغاياتها .. أو رد النصوص المحكمة وإبطال
العمل بها .. فهذا النوع من التأويل ـ وإن سُمي تأويلاً ـ كفر
وزندقة .. لا يمكن أن يُدرج في خانة التأويل المستساغ أو المعتبر
..!
[1] يستتيبهم من تأويلهم الخاطئ، وليس على أنهم
كفروا بأعيانهم.
[2] تقدم تخريج الحديث. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|