الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
رابعاً: عدم بلوغه النص الشرعي:
  دلت نصوص الشريعة أن الخطاب لا يلزم المرء إلا بعد بلوغه إياه؛ لأن إدراك مراد الشارع قبل بلوغ الخطاب متعذر، وهو شيء لا يقدر عليه الإنسان ولا يستطيعه، ومن كان كذلك يعذر بالجهل إلى أن يبلغه النص الذي به يُرفع جهله وعجزه فيما قد خالف فيه .. لأن العجز ـ كما أفدنا من قبل ـ يرفع عن صاحبه التكليف إلى حين توفر الاستطاعة ببلوغ النص إليه.
كما في حديث الذي يرويه ابن عباس، عندما أهدى رجل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- راوية خمر! فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :" هل علمت أن الله عز وجل حرمها "[1].
فهذا الرجل عندما أهدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- راوية خمر، كان قطعاً يعتقد حلها بعد أن حرمها الله، لكن لعدم علمه بخطاب التحريم عذره الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يكفر لاستحلاله ما حرم الله وبين له أن الله -عز وجل- قد حرمها!
كذلك صلاة الصحابة في مسجد قباء واستقبالهم بيت المقدس بعد نزول الأمر باستقبال الكعبة، لكن لعدم علمهم بالأمر كانوا معذورين، حتى أتاهم رسول الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهم في صلاة الصبح فأخبرهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أُنزل عليه الليلة، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا ـ وهم ركوع ـ إلى الكعبة!
وكذلك قول الرجل للرسول -صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت. قال:" أجعلتني لله نداً بل قل ما شاء الله وحده" وفي رواية:" ما شاء الله ثم شئت ".
فهذا الرجل عندما قال مقولته الشركية تلك للرسول -صلى الله عليه وسلم- كان قطعاً لا يعلم أن قوله هذا من الشرك ـ لذلك عُذر ـ إلى أن بين له الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلمه .. ومن دون أن يُعنفه.
ومن تأمل سبب خلاف أهل العلم في الفتيا لأدرك أن السبب الرئيسي في ذلك هو بلوغ النص الشرعي لبعضهم دون البعض الآخر، وذلك بحكم تفرق الصحابة ـ الذين منهم يُتلقى العلم النبوي الشريف ـ في الأمصار للجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله تعالى.
لكن مما يجدر التنبيه له، أن من يجهل الخطاب الشرعي ـ القرآن والسنة ـ عن تقصير متعمد منه يستطيع دفعه وتفاديه، يختلف عمن يجهل الخطاب الشرعي عن عجز وعدم تقصير منه في بذل جهد يستطيعه .. فالأول لا يعذر بالجهل وإن ادعى أنه لم يبلغه الخطاب، وأما الآخر فهو معذور .. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
ثم تأمل لو أن رجلاً يعيش في مجتمع قد استفاضت فيه العلوم الشرعية، وبخاصة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، يستحل لنفسه الشرك، والربا والخمر والزنى .. ثم يعتذر بعد ذلك بأن الخطاب الذي يفيد تحريم هذه الفواحش والكبائر لم يصله، علماً أنه لو بذل أقل جهد يستطيعه لأدرك حرمة هذه الفواحش ولبلغه الخطاب في حرمتها ..!
أترى لمثل هذا ـ في دين الله تعالى ـ عذراً يعذره ..؟!
الجواب: لا .. إلا في دين ومذهب أهل التجهم والإرجاء الذين يرون الجهل عذراً على الإطلاق .. ومن دون قيد ولا شرط!!

 


[1] تقدم تخريجه.

   
F ¥ E