الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
العُذْرُ بالجَهْل ِوقيامُ الحُجَّةِ
ـ هل يُعذر المسلمون بالجهل في هذا الزمان؟
  مما تقدم يُعلم أن الجهل حيثما تتوفر أسبابه ودواعيه التي لا يمكن دفعها، فإنه يعذر صاحبه إلى أن تقوم عليه الحجة النبوية، وذلك في أي زمان وأي مكان، وهذه قاعدة دلت عليها النصوص الشرعية، لا ينبغي الحياد عنها .. كما تقدم تفصيل ذلك.
أما الإجابة على السؤال: بنعم أو لا، فهذا أمر لا نستطيع أن نجزم به على وجه التحديد أو التعيين؛ لأنه ليس بمقدورنا أن نعرف ظروف وأحوال أكثر من مليار مسلم يعيشون متفرقين في أجزاء شتى من الأرض في هذا الزمان، وننظر إلى كل واحد منهم ـ وإلى ظروفه وأحواله ـ هل يعذر بالجهل أم لا ..؟! فهذا أمر لا طاقة لنا به، وليس من اختصاصنا أصلاً أن نخوض فيه، والحق أن نوكل الأمر إلى الله تعالى فهو الخبير بأحوال عباده، و هو العليم بمن يعذر بالجهل منهم ومن لا يعذر، ومن قامت عليه الحجة ممن لم تقم عليه.
لكن نقول على وجه العموم: إن أي زمان أو مكان استفاضت فيه العلوم الشرعية استفاضة يتعذر معها حصول الجهل عند من يصدق العزم والرغبة في طلب العلم الشرعي، في مثل هذا الواقع يضيق فيه جداً مبدأ العذر بالجهل، إذ العلم متوفر للجميع إلا من يأباه ويُعرض عنه ..!
والمتأمل لواقع المسلمين في بلادهم، وبخاصة منها العربية يجد أن العلم الشرعي الديني قد استفاض استفاضة واسعة ما استفاضها من قبل، وذلك بسبب كثرة الوسائل المختلفة التي تقوم بنشر العلوم الشرعية، مما يتعذر معه حصول الجهل ـ وبخاصة في متطلبات التوحيد ونواقضه، وفيما هو معلوم من الدين بالضرورة ـ عند كل من يرغب صادقاً في طلب العلم الشرعي، ومعرفة ما يجب عليه نحو دينه وربه.
ومن يتأمل الجهل في الشريعة الحاصل لكثير من المسلمين في بلادهم، يجد أن سببه الرئيسي يعود إلى الكسل في طلب العلم ـ رغم توفره ـ أو بسبب الانشغال الزائد بالدنيا وزخرفها ومتاعها، أو بسبب انعدام الرغبة الصادقة في طلب العلم، أو بسبب جفاء القلب عن ذكر الله وطاعته .. وكل هذه الأسباب لا تعذر صاحبها بالجهل لو كان جهله بسببها .. كما تقدم.
وقولنا هذا لا يستلزم منا أن ننفي وجود أفراد أو جماعات من المسلمين يعيشون الجهل والجوع في ظروف قاهرة لا تطاق قد تعذرهم لو جهلوا في مسألة بل مسائل من مسائل الدين الضرورية، وبخاصة منهم الذين يعيشون في أدغال أفريقيا وغاباتها، أو الذين يعيشون ظروف حرب وقتال تحول بينهم وبين شد الرحال لطلب العلم الشرعي في مظانه، كما هو الحال في جنوب السودان، وفي جنوب الفلبين، وفي أفغانستان .. وغيرها من البلدان التي يُحكم فيها المسلمون بالنار والحديد، التي لا يعلم حال أهلها إلا الله-سبحانه وتعالى- .
بالإضافة إلى ما سبق .. ماطرأ من إجراءات معقدة وصعبة على عملية السفر والتنقل والترحال ـ التي لم يكن سلفنا الصالح يعرفها من قبل ـ تحيل بين العباد وشد رحالهم إلى أماكن توفر العلم، وطلبه من مظانه .. فالحدود قد نصبوا عليها الحواجز أمام عبور العباد، فالمرء لا يستطيع أن يسافر إلا بعد حصوله على دفتر سموه " جواز سفر " . ولو حصل عليه في كثير من البلدان لا يستطيع أن يسافر إلا بعد حصوله على إذن خاص من الجهات الأمنية المختصة تجيز سفره، فإذا لم تأذن له فهو بعد كل ما اتخذ من اجراءات لا يستطيع السفر‍‍‍ .. ولو أذنت له بالسفر ـ بعد الرشاوى وتدخل الشفعاء والوساطات ـ فليس كل جواز يمكِّن صاحبه من السفر في الاتجاه الذي يريد .. فكما أن العنصرية التي تقوم على أساس ألوان بشرة الإنسان موجودة .. كذلك العنصرية القائمة على أساس ألوان جوازات السفر موجود ..!!
فالجوازات السورية والمصرية والعراقية غير الجوازات الخليجية .. والجوازات الخليجية غير الجوازات الأوربية .. ومؤخراً بحكم سياسات التضييق والإرهاب التي تنتهجها الأنظمة الطاغية باسم ملاحقة ومطاردة الإرهاب ـ زعموا! ـ لم يعد ينفع مع المسلم جواز .. أياً كان لونه .. وكان مصدره .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
هذا واقع نعايشه .. يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم .. لا بد من اعتباره ووضعه في الحسبان عند الحديث عن الجهل ومبرراته ودواعيه .. وعند الحديث عن ضرورة التماس الأعذار للناس ..!
   
F ¥ E