الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
صِفَةُ الطائِفَةِ المنصُورةِ التي يجبُ أنْ تُكثِّرَ سوادَها
سابعاً: الطائفة المنصورة تعمل بصورة جماعية ومنظمة
  ومنها أن الطائفة المنصورة تعمل بصورة جماعية منظمة، عليها أمير مطاع والذي يقرر ذلك أمور نجمل ذكرها في النقاط التالية:
1- إن المهام التي تقوم بها الطائفة المنصورة، والتي منها القتال في سبيل الله، يستحيل القيام بها إلا من خلال عمل جماعي منظم .. أخذ بجميع أسباب القوة والظهور، كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} الصف:4.
والقاعد الفقيهة تقول: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والقول بخلاف ذلك: يعني ضياع كثير من الواجبات الشرعية، التي منها الجهاد في سبيل الله، ويعني كذلك الفردية والتشرذم، والفرقة والاختلاف، وهذا بخلاف ما أمر الله به ورسوله، كما قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} آل عمران:103.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" إن الله يرضى لكم أن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا " مسلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"[1].
وقال :" يد الله مع الجماعة"[2]. وقال -صلى الله عليه وسلم-:" الجماعة رحمة والفرقة عذاب "[3].
وغيرها كثير من الأدلة التي تأمر بالجماعة والاعتصام بحبل الله، وتنهى عن الفرقة والاختلاف.
والغريب في الأمر: أن الذين يستهوون الفردية .. والعمل الفردي بعيداً عن الجماعة .. الذين تقشعر جلودهم من كل عمل منظم ـ يهدف إلى التعاون على الخير ـ ينتصرون بهذه النصوص على صواب ما هم عليه من فردية وتشرذم وتفرق قاتل، ويستشهدون بها على خطأ كل من يدعو الأمة إلى أن تنتظم في جماعة واحدة على قلب رجل واحد، وعلى منهاج واحد .. منهاج النبوة!!
فحملوا النصوص الشرعية من المعاني مالا تحتمل، ووضعوها في غير موضعها ومنزلها الذي أراده الشارع!!
2- الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم -صلى الله عليه وسلم- فيقول أميرهم تعال صلِّ لنا، فيقول لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة ".
فالحديث فيه فوائد عدة منها:" صحة وشرعية الإمارة على هذه الطائفة على لسان نبينا -صلى الله عليه وسلم- حيث قال:" فيقول أميرهم " وعلى لسان عيسى -عليه السلام-" إن بعضكم على بعض أمراء " ولا ينبغي أن يحمل هذا ـ أي صحة الإمارة ـ على آخر الطائفة وقت نزول عيسى عليه السلام، دون ما قبله من الأزمنة، فإن إضافة الأمير إلى الطائفة" أميرهم " مع بيان أن صفة هذه الطائفة هي الاستمرارية " لا تزال " يبين استمرارية هذه الإمارة وصحتها، وإن الإمارة صفة لازمة لهذه الطائفة في كل زمان " لا تزال .. أميرهم "، فإذا ثبت أنه تأتي على المسلمين أزمنة يفتقدون فيها الإمامة الكبرى( الخلافة )، وثبت صحة واستمرارية الإمارة على الطائفة المنصورة، فتكون الإمارة على هذه الطائفة في حالة انعدام الإمارة صحيحة إن شاء الله "[4].
3- قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم "[5].
وفي رواية عند أحمد:" لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم ".
فإذا كان ثلاثة في سفر تتعين عليهم الإمارة درءاً لحصول الفرقة والاختلاف، فيكون من باب أولى أن تتعين الإمارة على ما هو أعظم من السفر كالجهاد في سبيل الله من أجل استئناف حياة إسلامية على منهاج النبوة.
قال ابن تيميه رحمه الله: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:" إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم "، وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم ". فأوجب -صلى الله عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله فإن التقرب إليه بطاعتـه وطاعة رسوله من أفضل القربات[6]ا- هـ.
وقال الشوكاني بعد أن ذكر أحاديث الإمارة في السفر: فيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعداً أن يؤمروا عليهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يُطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى [7]ا- هـ.
وقال إمام الحرمين الجويني: فإذا خلا الزمان عن السلطان، وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان، إلى أن قال: وإذا لم يصادف الناس قوَّاماً بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد.
وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحِجا من يلتزمون امتثال إشارته وأوامره، وينتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك، ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلام الواقعات.
ولو انتُدِب جماعة في قيام الإمام لغزوات، وأوغلوا في مواطن المخافات، تعين عليهم أن ينصبوا من يرجعون إليه إذ لو لم يفعلوا ذلك لهووا في ورطات المخافات، ولم يستمروا في شيء من الحالات[8]ا- هـ.
4- وكذلك مما يستدل به على تجويز الإمارة وشرعيتها لغير الخليفة في حال غيابه، ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم يوم " مؤتة " عندما قُتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- .. فاجتمعوا على تأمير خالد بن الوليد من دون تأمير ولا إذنٍ من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعندما بلغ الخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، استحسن صنيعهم، وسمى خالداً يومئذ سيف الله.
قال ابن حجر في الفتح: فيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير، قال الطحاوي: هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلاً إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر[9]ا- هـ.
وقال ابن قدامة في "المغني ": فإن عُدم الإمام لم يؤخر الجهاد؛ لأن مصلحته تفوت بتأخيره، قال القاضي: فإن بعث الإمام جيشاً وأمر عليهم أميراً فقتل أو مات، فللجيش أن يؤمروا أحدهم، كما فعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي-صلى الله عليه وسلم- ، أمروا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبي-صلى الله عليه وسلم- فرضي أمرهم وصوب رأيهم، وسمى خالداً يومئذ سيف الله[10]ا- هـ.
5- كذلك فإن السنة دلت على أن الأمير المعين من قبل الخليفة، في حال عصيانه للأوامر يُعزل ويستبدل بأمير آخر من دون علم الخليفة العام إن تعذر إعلامه.
كما في الحديث الذي يرويه أبو داود في سننه، عن بشر بن عاصم، عن عقبة بن مالك ـ من رهطه ـ قال: بعث النبي-صلى الله عليه وسلم- سرية فَسَلَحَت رجلاً منهم سيفاً، فلما رجع قال: لو رأيت ما لامنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:" أعجزتم إذ بعثت رجلاً منكم فلم يمض لأمري، أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري؟!"[11].
قال أبو الطيب شمس الحق آبادي:" فلم يمض لأمري " قال في المجمع في مادته مضى: وفيه إذا بعثت رجلاً فلم يمض أمري؛ أي إذا أمرت أحداً أن يذهب إلى أمر أو بعثته لأمر ولم يمض وعصاني فاعزلوه. " أن تجعلوا " أي أعجزتم من أن تجعلوا .. [12] ا- هـ.
وهذا لوم من النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم على تقصيرهم في عزله، وعدم تأمير من ينوب عنه في تنفيذ المهام الموكلة إليه على وجه أفضل.

 


[1] صحيح سنن الترمذي:1758.
[2] صحيح سنن الترمذي:1760.
[3] رواه ابن أبي عاصم في السنة وصححه الألباني في التخريج.
[4] عن كتاب" العمدة في إعداد العدة " للأخ الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز، ص 68. وهو كتاب مفيد ننصح بقراءته.
[5] رواه أبو داود، صحيح الجامع:500.
[6] الفتاوى: 28/ 390، 391.
[7] نيل الأوطار: 8/ 256.
[8] غياث الأمم في التياث الظلم، ص 387- 388.
[9] فتح الباري:7/ 586.
[10] المغني:7/ 167.
[11] صحيح سنن أبي داود:2387.
[12] عون المعبود شرح سنن أبي داود: 7/209.

   
F ¥ E