|
الرئيسية |
|
التعريف |
|
المؤلفات |
|
الأبحاث والمقالات |
|
الفتاوى |
|
الردود |
|
قطوف وخواطر |
|
تعليق على حدث |
|
السمعيات EN |
|
جديد الموقع |
|
الإقتباس |
| |
|
E-mail |
| |
|
|
|
| صِفَةُ الطائِفَةِ المنصُورةِ التي يجبُ أنْ تُكثِّرَ سوادَها |
| 4- الصفة الرابعة: الشمولية. |
|
|
نعني بهذه الصفة أن الطائفة المنصورة من صفاتهم أنهم يأخذون
الإسلام أخذاً شمولياً من دون تفريط في جانب من جوانبه، أو اهتمام
بجانب دون آخر، مع مراعاتهم لفقه الأولويات والموازنات، وما ينبغي
أن يُقدم أو يؤخر بحسب ما تقتضيه المصالح الشرعية، وتقديم الأهم
على المهم عند تزاحم المهام في وقت واحد، من دون استهانة بالمهم أو
تفريط به.
فهم ليسوا جماعة يقوم منهاجهم، ويتركز نشاطهم على عنصر الدعوة
والتبليغ، أو الوعظ والإرشاد فقط ..!
وهم ليسوا جماعة يقوم منهاجهم وتتركز اهتماماتهم على الجهاد وحسب
..!
وهم كذلك ليسوا جماعة يقوم منهاجهم على طلب العلم والفقه من دون
الاكتراث ببقية جوانب الدين .. أو الاكتراث بالجوانب العملية لهذا
الدين!
وهم كذلك ليسوا جماعة يقوم منهاجهم على الإكثار من العبادات
والذكر، والاهتمام بتهذيب النفوس وتربيتها وحسب ..!
وهم كذلك ليسوا جماعة يقوم جل منهاجهم ونشاطهم على الاهتمام
بالواقع وشؤون السياسة، منشغلين بذلك عن بقية جوانب الدين الأخرى
..!
فهم لا يُعرفون براية أو علامة دون أخرى؛ وإنما هم جماعة تجتمع
فيهم جميع عناصر الخير ومعانيه، من دون تجزئة للدين أو فصل بعضه عن
بعض .. ولو نظرت إليهم ترى فيهم الإسلام بشموليته .. وتمامه
وكماله.
فهم من جهة دعاة إلى الحق، يقومون بمهمة الدعوة والتبليغ على أحسن
وجه، وعلى أساس من العلم والفقه، والحكمة والموعظة الحسنة ..
ومن جهة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله
لا يخشون في الله لومة لائم ..
ومن جهة تراهم حريصين على طلب العلم والفقه؛ فهم إما علماء أو طلاب
علم .. وهم مع ذلك يهتمون بواقع وشؤون أمتهم، وما يحاك ضدها من
مؤامرات تستهدف الإسلام والمسلمين .. فيعرفون سبيل المجرمين
ومذاهبهم الهدامة .. أكثر من المجرمين ذاتهم!
كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام:55. فمن غايات تفصيل الآيات أن
يستبين سبيل المجرمين .. ليتم اعتزاله واجتنابه والحذر منه.
وهم بعد ذلك لا يفوتهم أن يهتموا بالجانب التربوي لأنفسهم ولغيرهم،
بالوسائل المشروعة الثابتة في الكتاب والسنة؛ فهم رهبان في الليل
فرسان في النهار ..!
وهذه خصال جميعها تصب في منهاج عملي واحد متكامل متماسك، من دون
تفريق أو فصل فيما بينها، أو تقليل لشيء من أهميتها .. فتراهم
يؤدون كل عبادة في وقتها ومكانها المناسبين.
قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} جميع ما آتاكم
به من عند ربه، وليس بعضه دون بعض، {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا} الحشر: 7. أي جميع ما نهاكم عنه.
ولما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي -صلى
الله عليه وسلم-، قالت:" كان خُلُقه القرآن " القرآن كله .. بجميع
تعاليمه وأوامره ونواهيه .. ولم تقل كان خلقه سورة البقرة أو
التوبة أو الأنفال من القرآن ..!
والمؤمنون لهم في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، كما
قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب:21. فهم يتأسون بالنبي -صلى
الله عليه وسلم- في جميع جوانب حياتهم التعبدية، والاجتماعية،
والسياسية، والاقتصادية، والجهادية .. وتراهم في جميع أقوالهم
وأفعالهم وتقلباتهم وأحوالهم يتوخون سنة النبي -صلى الله عليه
وسلم- ـ قدر المستطاع ـ ليقتدوا بها ويلتزموها .. فهم أهل اتباع لا
ابتداع.
وهؤلاء هم الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله:{فَالَّذِينَ آمَنُوا
بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي
أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}الأعراف: 157.
وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
أُولَئِكَ رَفِيقاً}النساء:69.
وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}آل عمران:31.
أما الذين يبعّضون الدين؛ فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أو
يلتزمون ببعض الدين ويتركون بعضه الآخر ـ كالعلمانيين الذين يفصلون
الدين عن الدولة وشؤون الحياة ـ أولئك يصدق فيهم قوله
تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا
خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ}البقرة:85 .
وقوله تعالى:{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُولَئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً
مُهِيناً}النساء: 151.
وقوله تعالى:{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا
مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ}المائدة:14.
وهذا مثل ضرب للمسلمين؛ أي أنكم إذا فعلتم فعل النصارى، فنسيتم
حظاً من الدين والتوحيد، وعملتم ببعض الدين وتركتم بعضه الآخر،
فإنه سيصيبكم ما أصابهم من التفرق والتنازع والعداوة والبغضاء ..!
وما أصاب المسلمين في هذا الزمان من خزي وفرقة وهوان ما هو إلا
بسبب أنهم نسوا حظاً من الدين والتوحيد، فعملوا ببعض الدين وأهملوا
أو تركوا بعضه الآخر ..!
وغالباً ما يعود انشغال المسلمين [1] ببعض الدين دون البعض الآخر،
إلى سببين، هما:
أولاً: وجود المدارس الفقهية المعاصرة التي تقوم ـ بقصد أو غير قصد
ـ على تكريس مفهوم فصل الدين بعضه عن بعض، والاهتمام ببعضه دون
بعض، مما يعكس ذلك سلباً على فكر وسلوك وحياة المسلمين، وبخاصة
منهم طلبة العلم!
فمثلاً هناك مدرسة تهتم بجانب الدعوة والتبليغ، وتبالغ بأهمية هذا
الجانب، مما يحدوا بها إلى إهمال بقية جوانب الدين .. وإذا ما
ذكِّر أتباع هذه المدرسة بهذه الجوانب المهملة، سرعان ما يقللون لك
من أهميتها وكأنها ليست من الدين!
وهناك مدرسة تهتم بجانب" التربية الروحية " وتبالغ في أهمية هذا
الجانب ـ وفي كثير من الأحيان بصورة خاطئة ـ على حساب بقية جوانب
الدين، مما يجعل أتباع هذه المدرسة يظنون أن الدين كله يدور حول
هذا الجانب، فيقعون في التفريط والتقصير ـ عن عمد أو غير عمد ـ
ببقية جوانب الدين الأخرى ..!
وهناك مدرسة تهتم بالدعوة إلى العلم والانشغال به ـ تحقيقاً
وتخريجاً وحفظاً ـ وتبالغ في ذلك، حتى تجدها تقع في الترف العلمي
النظري المجرد عن معايشة واقع الأمة ومشاكلها وآلامها، مما يجعل
أتباع هذه المدرسة يقعون في المحظور المشار إليه؛ وهو الاهتمام
ببعض الدين دون بعض.
وهناك مدرسة تقوم على مبدأ " الجهاد والقتال " والاهتمام به،
وتبالغ في ذلك مما يجعلها تقع في المحظور والتفريط في بقية جوانب
الدين الأخرى التي تعتبر بحق من لوازم الجهاد وشروط نجاحه وقبوله
..!
وهناك من يدنون حول العقيدة وأهميتها، وإذا نظرت ماذا يقصد من
دندنته ودعوته، لوجدته يقصد توحيداً دون توحيد؛ فهو إما يقصد توحيد
الربوبية،متجاهلاً توحيد الله في ألوهيته وأسمائه وصفاته، وإما
يقصد توحيد الربوبية والألوهية معاً متجاهلاً توحيد الله تعالى في
أسمائه وصفاته مقللاً من أهمية هذا النوع من التوحيد، وإما أنه
منشغل ـ بحكم التربية وكثافة المناهج التي يعتكف على دراستها ـ
بتوحيد الأسماء والصفات والرد على المعارضين والمخالفين من القدامى
والمعاصرين، عن توحيد العبودية والألوهية مع ما يقتضي هذا النوع من
اهتمام وتركيز ..!
وهو لو أراد أن يتكلم عن توحيد الألوهية والعبودية، تراه يقصد
جانباً دون جوانب؛ فإما تراه يقصد توحيد الله تعالى في العبادات
الشعائرية، أوجانب التنسك، أو جانب الاستغاثة والدعاء والتوكل،
متجاهلاً توحيده -سبحانه وتعالى- في الحكم والتشريع، والطاعة والاتباع،
والولاء والبراء..!
وهو كذلك لو أراد أن يعري الشرك ويحذر منه، تراه يطنب في تعرية شرك
القبور والبدع والشعوذة، بينما يتغاضى ـ بحكم التربية التي تربى
عليها وطريقة التلقي التي نشأ عليها ـ عن شرك "القصور" ونعني به
شرك الحكم والتشريع، وشرك الطاعة والاتباع، وشرك الولاء والبراء ..
هذا إذا لم يكن هو ذاته واقعاً في هذا الجانب من الشرك وهو يعلم أو
لا يعلم ..!
وهذا كله ـ كما تقدم ـ مغاير لمنهج الطائفة المنصورة، التي تأخذ
الإسلام أخذاً شمولياً من دون إفراط أو تفريط في أي جانب من
جوانبه.
ثانياً: وهو السبب الثاني الذي يحمل بعض الناس على الاهتمام ببعض
الدين دون بعض .. ويكمن في تلبيس إبليس على كثير من المسلمين حيث
يصرفهم عن الأهم بالمهم وعن الواجب إلى المندوب، وعن العمل بمجموع
جوانب الدين إلى العمل بجزئية من جزئياته والوقوف عندها الزمن
الطويل، ولربما يقضي أحدهم عمره معتكفاً على هذه الجزئية من دون أن
يتحول عنها إلى جزئية أو جانب آخر من جوانب الدين، فيقع في المحظور
المشار إليه ـ عن قصد أو غير ـ وهو العمل ببعض الدين دون بعض،
والاهتمام بجوانب منه دون جوانب.
فترى أحدهم يزين له الشيطان ـ على سبيل المثال ـ الاهتمام بالشعر
والأدب، فيغوص في قراءته ودراسته الزمن الطويل، ولربما يقضي عمره
كله وهو منشغل بذلك، وبالمقابل قد تجده لا يفقه معنى"لا إله إلا
الله" ، وما هي شروطها ومتطلباتها وما هي نواقضها.
وكذلك يكون قد انشغل بالشعر عن قراءة القرءان الكريم وتدبر آياته،
وكذلك كتب السنة والحديث وغيرها من العلوم النافعة الضرورية التي
تعلو الشعر أهمية ونفعاً، وكفاه في ذلك خسارة وضياعاً لطاقاته
وعمره .. ومثل هذا لو أراد أن يشارك في أي نشاط أو عطاء فكري ثقافي
تراه يعكس بيئته الفكرية والثقافية التي اكتسبها من خلال دراسته ..
فالإناء ينضح ما فيه .. فيؤذي نفسه وغيره.
ومن تلبيس إبليس أيضاً أن يشغل المرء في مسألة من المسائل الدينية
مضيعاً وقته وعمره فيها، وعلى حساب بقية مسائل الدين الأخرى حتى
أنه يعرف بها وتعرف به، وكم من داعية تراه يدندن حول مسألة معنية
أو شعار معين لا يتجاوزه إلى غيره إلى أن يحمل إلى قبره، فيفاجأ
حينئذٍ بما قدم لنفسه!
قال ابن القيم رحمه الله في صفة أهل العبودية المطلقة: العلامة
الثانية قوله:" ولم ينسبوا إلى اسم " أي لم يشتهروا باسم يعرفون به
الناس من الأسماء التي صارت أعلاماً لأهل الطريق. وأيضاً فإنهم لم
يتقيدوا بعمل واحد، يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من
الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة: فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني
أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل
عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم
ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال: الرسول.
وعن طريقه؟ قال: الاتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه
؟ قال: تحكيم السنة .. وعن مقصوده ومطلبه؟ قال: يريدون وجهه. وعن
رباطه وعن خانكاه؟ قال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ
وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ}، وعن
نسبه؟ قال:
أبي الإسلامُ لا أب لي سواه ***** إذا افتخروا بقيس أو تميم
وعن مأكله ومشربه؟ قال:" مالك ولها؟ معها حذاؤها و سقاؤها، ترد
الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها "[2].
واحسرتاه تَقضَّى العمرُ وانصرمَت ***** ساعاتُه بين ذلك العجزِ
والكسل
والقومُ قد أخذوا درب النجاة وقد ***** ساروا إلى المطلَب الأعلى
على مَهْل
إلى أن قال: فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق
الاصطلاحية والأوضاع المتداولة الحادثة، وهذه هي التي قطعت أكثر
الخلق عن الله وهم لا يشعرون.
وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى السنة، يعني:
أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.
فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا
يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما،
أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها، وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين
لا يلتفت إلى غيره، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه، فهؤلاء كلهم
محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيدتم العوائد
والرسوم، والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها
بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة
والخلوة، وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعاً له عن الطريق فإذا ذكر له
الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، عد ذلك فضولاً وشراً، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك،
أخرجوا من بينهم وعدوه غَيْراً عليهم، فهؤلاء أبعد الناس عن
الله[3]ا ـ هـ.
ـ تنبيه: يوجد بعض من ينتسبون إلى الدعوة والدعاة يهملون المهم
والمندوب متسترين بالانشغال بالأهم والواجب .. وإذا ذكّرت أحدهم
بنافلة من النوافل سرعان ما ينكر عليك اهتمامك بالفرعيات، ويدعوك
للاشتغال بالأهم والواجبات ..!!
وهذا أيضاً من تلبيسات إبليس على من يقعون في شباكه وشراكه .. فإن
عمر -رضي الله عنه- وهو على فراش الموت ينازع .. حيث الحاجة ماسة
لكلمات يوصي بهن الأمة .. ومع ذلك لم يتردد في أن يأمر زائره
وعائده بأن يرفع ثوبه .. فإنه أتقى لله .. وأنقى للثوب!
ولكن الذي يمكن قوله هنا: أن الاهتمام والانشغال بالأهم وبالواجبات
لا يستلزم تفويت المهم والمندوبات، إلا إذا تزاحم الأهم والمهم أو
الواجب والمندوب في وقت واحد وكان لا بد من اختيار أحدهما وتقديمه
على الآخر، فحينئذٍ يقتضي الفقه أن تقدم الأهم والأوكد على المهم
والمندوب .. وهذا العلم الهام يجده القارئ في كتب الفقه والأصول
التي تناولت فقه الأولويات والموازنات، وفقه الضرورات .. فليُراجع.
[1] ليس المراد بالمسلمين هنا العلمانيين الذين
يفصلون الدين عن الدولة والحياة، فهؤلاء إذ يكفرون ببعض الكتاب
يكفرون كفراً عقدياً وعن جحود، وكبر وعناد .. ومثل هؤلاء لا شك في
كفرهم، وخروجهم من الدين.
[2] إشارة إلى جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن سأله عن لقطة
الإبل.
[3] مدارج السالكين:3/ 174و 176. |
|
|
|
|
F
¥
E |
|