الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
صِفَةُ الطائِفَةِ المنصُورةِ التي يجبُ أنْ تُكثِّرَ سوادَها
ـ شرعية فقه الواقع وأهميته:
  مشروعية فقه المسلمين لواقعهم وما يجري حولهم من وقائع وأحداث، وما يحاك وينفذ ضدهم من مؤامرات، أمر دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وسيرة سلفنا الصالح.
قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام:55.
قال ابن كثير: أي ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل[1]. لنعرفها .. فنعتزلها .. ونحذرها .. ونُحذِّر منها .. إذ جاهل الشيء من السهل أن يقع في شباك وشراك هذا الشيء .. وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً!
ثم أن الشيء يُعرف بضده .. فبقدر ما تُعرف قباحة الباطل وآثاره المدمرة بقدر ما تُعرف قيمة الحق .. وقيمة آثاره النافعة.
يقول سيد قطب رحمه الله: إن هذا المنهج لا يعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب. إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضاً، إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين.
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح، واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات. ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم .. ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين[2].
والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تفضح سبيل المجرمين من المنافقين، واليهود والنصارى، والمشركين من عبدة الأوثان وغيرهم، وتبين حقيقة أمرهم، وما يضمرونه للإسلام والمسلمين من شر وضغينة، حتى أن في القرآن لسورة اسمها "الفاضحة"[3] لكثرة الآيات فيها التي تفضح المنافقين، وتبين حقيقة أمرهم وخبايا نفوسهم الإجرامية .. وهذا كله يعتبر من فقه الواقع وداخل فيه.
وأما السنة فقد دلت دلالة صريحة على اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الجانب من العلم " فها نحن نراه -صلى الله عليه وسلم- يوجه المستضعفين من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة دون غيرها .. وهذا برهان ساطع على معرفته -صلى الله عليه وسلم- بما يدور حوله وأحوال الملوك والأمم المعاصرة له.
لماذا لم يرسل الصحابة إلى فارس أو الروم أو غيرهم .. ولماذا اختار الحبشة لهم ..؟!
يبين ذلك -صلى الله عليه وسلم- بقوله:" إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد ". مما يدل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- له دراية تامة بسيرة، وصفات، وأحوال ملك الحبشة .. ومدى قدرته على حماية أصحابه.
تصور لو كان اختيار الحبشة غير صائب كم كانت التكاليف ستكون شاقة ومكلفة ..؟!
وها نحن نرى المرحلية في الدعوة ملائمة للواقع الذي تعيشه، ونجده -صلى الله عليه وسلم- يختار المدينة مكاناً لهجرته، ويتعامل مع جميع الأطراف الموجودة فيها وحولها بأسلوب يناسب أحوالها، وعندما أرسل -صلى الله عليه وسلم- معاذاً إلى اليمن قال له:" إنك تأتي قوماً أهل كتاب " وهذا من إدراكه -صلى الله عليه وسلم- واقع كل بلد وما يحتاج إليه ولذلك قال له:" فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ..".
وكذلك نلمس عمق هذا العلم في غزواته ورسائله إلى الأمم والملوك والقبائل.
وكذلك يبرز هذا الجانب في استقباله للوفد وتعامله معهم وإنزاله للناس ومنازلهم "[4]. حتى أن أحدهم كان يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اسم أبيه[5]، وكان -صلى الله عليه وسلم- يجيبه ..!
وكذلك مما يدل على أهمية فقه الواقع وشرعيته، الأحاديث النبوية التي تدل على أن المسلمين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والقلق والحمى، وأن المؤمن يألم لما يصيب أهل الإيمان كما يألم الرأس لما يصيب الجسد .. مهما تباعدت بينهم الأقطار والمسافات، أو اختلفت جنسياتهم ولغاتهم .. وهذا المطلب الشرعي الديني كيف يمكن تحقيقه وتجسيده عملياً في واقع وحياة المسلمين من دون اهتمامهم بفقه الواقع ومعرفة ما يجري لإخوانهم المسلمين في إطراف المعمورة ..؟!
كم هو مؤلم أن تحصل مجزرة لإخواننا المسلمين في الصين أو الهند .. ثم بعد خمس سنوات من حصول المجزرة نسمع بها .. فنفوت بذلك علينا واجب النصرة والذود عن الحرمات ..!
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لما يصيب أهل الإيمان كما يألم الرأس لما يصيب الجسد "[6].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه اشتكى كله وإن اشتكى عينه اشتكى كله"[7]. أي إن اشتكى مسلم مظلمة نزلت به، ضج له المسلمون جميعاً في أرجاء المعمورة غضباً وانتصاراً له، ولا يهدأ لهم بال ولا تطمئن لهم نفس حتى ينتصروا له من ظالمه وينصفوه.
ومثل هذا الشعور المتماسك المتضامن كيف يتم تحقيقه من دون الاهتمام بفقه الواقع الذي منه معرفة ما يجري للمسلمين وما يحاك ضدهم من مؤامرات ومجازر .. وما أكثرها في هذه الأيام ؟!
وكم هم المسلمون ـ في واقعنا المعاصر ـ الذين تنتهك حرماتهم ومقدساتهم .. وبقية إخوانهم في العالم الإسلامي لا يدرون عنهم شيئاً، وإن كانوا يدرون لا يحركون ساكناً، بحجة أن الاشتغال بفقه الواقع ليس واجباً عليهم، وليس من اختصاصهم ..!!
أما الأدلة التي تدل على اهتمام سلفنا الصالح بفقه الواقع، فهي أكثر من أن تحصر في هذه الأوراق، ولعل من أبرزها اهتمام الصحابة بالحرب التي كانت بين الروم والفرس، حيث كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم من عبدة النار، واقرب إلى الوثنية.
وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب،[8] وأهل الكتاب مهما اشتد انحرافهم وكفرهم فهم أقل كفراً من عبدة الأوثان والنيران.
وقد بلغ اهتمام الصحابة بالحرب الدائرة بين فارس والروم، مبلغاً جعل أبا بكر -رضي الله عنه-يراهن ـ وكان لم يحرم بعد ـ مشركي قريش على أن النصر سيكون حليف الروم في بضع سنين، كما قال تعالى:{الم . غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بنصر اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} الروم:5. وهذا انشغال من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالواقع وما يدور حولهم من أحداث ..!
ومن يتأمل سيرة سلفنا الصالح رضوان الله عليهم مع الفِرق الضالة التي كانت تظهر في زمانهم، وردهم على شبهاتهم ومعتقداتهم، وبيان زيغهم وضلالهم، يدرك مدى اهتمام سلفنا الصالح بالواقع، وأنهم أعرف الناس بهذا النوع من العلم لارتباطه ارتباطاً وثيقاً بمقاصد الدين التي جاء للحفاظ عليها.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:" ما أنا بالخب ولا الخب يخدعني"، فالمسلم كيِّس فطن لا يلدغ من جحر مرتين، وهذا لا يتأتى له إلا إذا كان فقيها بواقعه مدركاً لحقيقة ما يجري حوله.

 


[1] تفسير ابن كثير:2/ 141.
[2] في ظلال القرآن: 2/ 1105- 1107.
[3] هي سورة التوبة.
[4] بتصرف عن كتاب " فقه الواقع " للشيخ ناصر بن سليمان العمر، وهو كتاب جيد ننصح بقراءته.
[5] الضمير هنا عائد إلى السائل.
[6] أخرجه أحمد، صحيح الجامع: 6659.
[7] رواه أحمد ومسلم، صحيح الجامع : 6668.
[8] انظر تفسير ابن كثير.

   
F ¥ E