الرئيسية
التعريف
المؤلفات
الأبحاث والمقالات
الفتاوى
الردود
قطوف وخواطر
تعليق على حدث
السمعيات EN
جديد الموقع
الإقتباس
 
E-mail
 
صِفَةُ الطائِفَةِ المنصُورةِ التي يجبُ أنْ تُكثِّرَ سوادَها
ـ حكمه:
  بعد أن بينا شرعية فقه الواقع وأهميته، لا بد أن نبين حكمه؛ هل يدخل طلبه في الأمور الواجبة أم في الأمور المندوبة ..؟
وللجواب على ذلك نقول: التفقه بفقه الواقع، منه ما يكون واجباً، ومنه ما يكون مندوباً، ومنه ما يكون مباحاً، ومنه ما يكون إثماً وحراماً.
1- ما يعتبر طلبه واجباً: وهو كل ما يتعلق بالعقيدة، ويكون طلبه شرطاً لسلامة العقيدة والتوحيد، كمعرفة أنواع الشرك المستحدثة السائدة بين الناس، والآلهة المزعومة التي تعبد في زماننا من دون الله تعالى، وهذا النوع من العلم واجب على الخصوص والعوام من المسلمين لأنهم من دونه قد يقعون في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى وهم لا يدرون، وقد يقعون كذلك في موالاة الطاغوت ومناصرته ظناً منهم أنهم يوالون مسلماً يستحق الموالاة والنصرة، وخطر كهذا لاشك أن دفعه واجب، وهذا يتأتى إلا بالعلم بحقيقة الطواغيت التي تعبد من دون الله، وبالجوانب الشركية والكفرية التي تمارس من جهتهم، وإلا كيف يتم الكفر بالطواغيت والمرء يجهلها .. ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن هذا النوع من العلم الضروري يدخل في أولويات معنى قوله تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} محمد:19. وقوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} النحل:36. واجتناب الطاغوت لا يتم إلا بعد معرفته ومعرفة صفاته وأنواعه.
ونتيجة إهمال كثير من المسلمين لهذا الجانب من العلم، نجد بعضهم ـ ومنهم من يعتبر من الخواص ـ يقعون في الشرك وهم لا يدرون، ولو سألتهم لأجابوك أنهم على العقيدة السليمة، والتوحيد الكامل الذي لا يشوبه أدنى شرك .. بل لا يتورعون أن يقولون لك: نحن الطائفة المنصورة!!
ولا أدل على ذلك من مناداة بعض خواص المسلمين فضلاً عن عامتهم بالديمقراطية التي تشرك الشعب مع الله، وتجعل منه نداً لله تعالى في التشريع وسن القوانين، وفي أخص خصائص الألوهية .. ومطالبتهم بالنظام الديمقراطي الحر الذي يكفل الحريات على إطلاقها[1].
وهم كذلك من قبل نادوا بالاشتراكيه، والقومية العلمانية، والوطنية الوثنية ـ التي تقوم على مبدأ أن الدين لله والوطن للجميع؛ وهذا يعني أن الله تعالى لا دخل له في شؤون الوطن والمواطنين !! ـ وغيرها من الأوثان التي تعبد من دون الله تعالى، والتي لا تزال إلى أيامنا هذه يوجد من يدعو لها، ويعقد الولاء والبراء على أساسها .. ويعمل على نشرها بين العباد .. وهو بعد كل ذلك يحسب أنه المسلمين .. وأنه ممن يُحسنون صنعاً!!
ومما يدخل أيضاً ـ من فقه الواقع ـ في حكم الوجوب ما يكون معرفته سبباً للقيام بالواجب، للقاعدة التي تقول:" مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب "؛ كواجب نصرة المسلمين بعضهم بعضاً والذود عمن تنتهك حرماته منهم، فهذا واجب لا يتم إلا إذا سبقه اهتمام بمعرفة ما يجري للمسلمين وما يحاك ضدهم من مؤامرات ومظالم .. ومجازر وانتهاكات!
وفي السنة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"متفق عليه. أي لا يسلمه للظلم والقهر والعذاب .. وهو قادر على نجدته وإغاثته!
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً "، فقال رجل: يا رسول الله انصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال:" تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه" متفق عليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة"[2].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" من حمى مؤمناً من منافق، بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم "[3].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته،[4] ويحوطه[5] من ورائه"[6].
وقال -صلى الله عليه وسلم-:" ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن يُنتقض فيه عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته"[7]. وغيرها كثير من الأدلة التي تدل على وجوب انتصار المسلم لأخيه المسلم والذود عنه وعن حرماته.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف نحيي هذا الواجب، إذا كنا نجهل واقع المسلمين وما يحاك ضدهم من مظالم ومؤامرات، ونعتبر الاهتمام بأخبارهم وأحوالهم ضرب من العبث، وتضييع الوقت ..؟!
وهناك مسائل عديدة من فقه الواقع تدخل في حكم الواجب، منها ما يكون واجباً على الخاصة والعاملة سواء، ومنها ما يكون واجباً على الخاصة دون العامة، ومنها ما يكون واجباً على جميع أفراد الأمة، فإذا قام به البعض وتحققت بهم الكفاية، سقط حكم الوجوب عن البعض الآخر. ولو أردنا أن نستقصي ونتناول جميع المسائل التي تدخل في هذه التقسيمات على وجه التفصيل لتشعب بنا الحديث ولخرجنا عن موضوع البحث والغرض منه؛ وهو بيان " صفة الطائفة المنصورة التي يجب تكثير سوادها ".

2- ما يعتبر طلبه مندوباً: وهو كل ما يتعلق بالعلوم الدنيوية النافعة، كالعلوم العسكرية، والعلوم الاقتصادية، والصناعية وغيرها بعدما تحقق الكفاية فيها، أما في حال انعدام الكفاية: تدخل هذه العلوم في حكم الواجب إلى حين تحقق الكفاية في الأمة .. والله تعالى أعلم.

3- ما يعتبر طلبه إثماً وحراماً: وهو كل ما يفرزه الواقع من أمور محرمة، أو تكون وسيلة إلى الحرام، أو يكون إثم الاشتغال به يعلو عن حسناته .. وهي أكثر من أن تحصر في هذا البحث .. وبخاصة في زماننا هذا الذي كثرت فيه وسائل وألاعيب الشياطين التي لا تزيد المرء إلا بعداً عن الله -عز وجل- وعن دينه .. ولا شك أن اشتغال المرء بمثل هذه الأمور ـ وإن كانت من الواقع ـ يدخله في الإثم والمحظور، إلا إذا كان الاطلاع عليها على نية تعريتها وتحذير الأمة من خطرها، فهذا أمر محمود إله أنه يكون أيضاً بالقدر الذي يسمح به الشرع، حتى لا يقع المرء في حبال إبليس وتلبيساته.
أما المباح منه: فهو كل ما سوى ما تقدم؛ فكل ما خرج عن حكم الوجوب، والمندوب، والمحرم .. يندرج تحت حكم المباح .. والأمثلة عليه كثيرة كذلك!
خلاصة القول: أن فقه الواقع، منه ما يكون واجباً، ومنه ما يكون مندوباً، ومنه ما يكون مباحاً، ومنه ما يكون إثماً وحراماً .. وفق التفصيل المتقدم .. وبالتالي فمن الخطأ أن نشير إلى فقه الواقع بأنه واجب مطلقاً، أو أنه غير واجب مطلقاً .. والحق الذي نعتقده حقاً وصواباً هو التفصيل في المسألة .. والله تعالى أعلم.

 


[1] انظر كتابنا" حكم الإسلام في الدمقراطية والتعددية الحزبية ". فقد تناولنا بالتفصيل المزالق العقدية والشرعية المترتبة عن هذا الدين الجديد!
[2] رواه أحمد، والترمذي، وصحيح الجامع: 6262.
[3] صحيح سنن أبي داود: 4086.
[4] أي معاشه، والمراد:أنه يمنع عن أخيه تلف معاشه وسبب رزقه.
[5] أي يحفظه في أهله ونفسه وماله عند غيابه.
[6] صحيح سنن أبي داود: 4110.
[7] رواه أحمد، وأبو داود، صحيح الجامع: 5690.

   
F ¥ E